دور الله الآب في حدث الصلب

 

 

دور الله الآب في حدث الصلب

 

دور الله الآب في حدث الصلب

 

بحسب إنجيل يوحنّا (19: 37-18: 1)، وخلافًا لسرد الإزائيّين، نستطيع أن نرى أبعد ممّا يجري في المدى العالميّ، إذ يمكننا أن نرى ما يفعله الله، أن نرى مجده، ذاك الذي هو  الوزن، والبهاء، والقدرة الّتي بدون تكلّف تسود. لا يناظر هذا المجد ذاك الّذي نتصوّره نحن البشر، أو نسقطه أو نرميه على الله وعلى المسيح يسوع.

في رواية الآلام بحسب القدّيس يوحنّا –وهذا أمر معلوم– يكشف يسوع الـ« egó eimí » الـ «أنا هو» (يوحنا 18: 5 و6 و8) الخاصّ بالسيّد الحيّ كشفًا أوضح ممّا كان قد أظهره في حياته وأفعاله، بل وفي العجائب الّتي قام بها. حتّى أنّه، عندما يجلد البنطيُّ يسوعَ، يظهر يسوعُ بكونه الرجل بامتياز ) «Ecce homo!»  يوحنّا 19: 5)، رجل المزمور الثامن «المتوّج بالمجد والبهاء» (آية 6)؛ وعندما يسخر منه الجنود ويحتقرونه، يظهر كذاك الّذي يجذبهم إليه، ويدفعهم إلى الركوع أمامه؛ حتّى أنّه عندما يمتثل يسوع أمام بيلاطس من أجل أن يُحكَم عليه، يظهر كالقاضي الإسخاتولوجيّ الجالس على عرش الحكم في غَبَّاثَة (يوحنّا 19: 13)؛ وعندما يعلّق على الصليب، يبدو كأنّه يتربّع على عرش خاصّ بالأسياد؛ حتّى أنّه عندما يُكتب سبب عقوبته، فإذا به في الحقيقة إطلاقُ لقب: «يسوع الناصريّ، ملك اليهود» (يوحنّا 19: 19)، الّذي يعبّر عن هويّته المسيحانيّة الحقيقيّة.

 

 وفي نهاية هذا كلّه، عندما يموت يسوع، ويلفظ نفسه الأخير، فإذا به، بحسب الإنجيل الرابع، «يُسلم الروح» (يوحنّا 19: 30)، أي أنّه يسكب الروح القدس على الخليقة بأسرها. آلام العذاب والموت تصبح مجد الآلام، مجد الحبّ، حبُّ يسوع «حتى النهاية» eis télos  (يوحنّا 13: 1»

ونحن نقرأ الآلام بحسب يوحنّا، نتساءل من جديد عن حضور الله، عن الإله كبطل لحدث الآلام. لأنّه في الإنجيل الرابع، يُقال بشكل واضح إنّ في الآلام يُسْلِم الآبُ ابنَه يسوع، «هكذا أحبّ الله العالم، حتّى إنّه جاد بابنه الوحيد» (يوحنّا 3: 16). ويعلن بولس أيضًا: «لم يضنّ الله بابنه، لكنّه أسلمه (verboparadídomi ) من أجلنا جميعًا»  )رومة 8: 32). ويوحنّا نفسه يكتب في رسالته الأولى: «أرسل الله ابنه ذبيحة تكفير عن خطايانا» (1يوحنّا 4: 10). نعم، في كتب العهد الجديد، وأيضًا في نشيد العبد الرابع من أشعيا الّذي استمعنا إليه منذ قليل (راجع أشعيا 52: 13- 53: 12)، يُقال إنَّ الآب أسلم ابنَه إلينا، إلى أيدينا المذنبة.

 

إذًا في خبر الآلام، الآب يُسلم الابن، ويسوع هو المُسْلَم، وبدوره يُسْلِم يسوعُ روحَ الآب.

ولكن يبدو لي أنّ هذه القراءة لا تكشف حقًّا الله، لا تشرحه، ليست أمينة للـ«تفسير» ، exeghésato ، أي إلى عمل يسوع الّذي يسرد لنا اللهَ كما قال يوحنّا في مطلع إنجيله] (يوحنّا 1: 18). هذا الغمر ليس سهلاً، ويجب أن يتملّكنا خوف عارم ونحن مزمعين دخوله، لكي نسبر السرّ، وليمكننا قوله بواسطة كلماتنا.

وبالرغم من ذلك، فمن واجبنا أن نسبره ونقوله، لأنَّ تلك التعابير [الكتابيّة الّتي استعدناها منذ قليل]، يمكنها أن تقودنا إلى أن نقرأ عن إله يحتاج إلى التضحية بابنه، وهو لذلك يأمر بها. كما

 

كتب جوزيف راتسينجر: « يجب أن نبتعد مشمئزِّين من إله يطالب بموت الابن. بقدر ما هذه الصورة منتشرة، بالقدر نفسه هي خاطئة

 

 نعم، هي قرون من الزمن –يجب أن نقول ذلك بدون إبرام حكم– أُلقيت فيها على الله صورًا مريعة، كانت في أصل العديد من نكرانات الله من قبل البشر.

 

حسنًا، بدون التظاهر بأنّ هذا الأمر لم يحدث، دعونا لا نتوقّف على آلام يسوع الناصري وحسب، بل فلنطرح السؤال: «ما هو دور الله الأساسيّ، ما الّذي يقوم به الله خلال آلام يسوع؟»

 في الواقع، إنَّ الآب هو حاضر في الآلام أكثر من أي وقت مضى، بل فيها، يُقصُّ علينا أكثر من إيّ ساعة أخرى من حياة يسوع. أكثر من أي وقت مضى، يسوع على الصليب هو «صورة الله غير المرئيّة» (قولوسي 1: 15). وهو على الصليب، يصرخ أكثر من أي وقت مضى: «مَن رآني رأى الآب» (يوحنّا 14: 9). توصّل أوريجانُس إلى القول: «كان يسوع على الصليب شبيه الآب بشكل مكتمل، ذاك الآب الّذي يُحبّنا إلى الغاية » (télos eis )

 

إنّه [الآب]، مصدر الحبّ، المُحِبُّ، الّذي يُعبد عاريًا على الصليب- ها إنّي أستعير كلمات جويجو الأوّل الكرتوزيّ (القرن الخامس). ما أسلم الآب ابنه لكي يُسترضى، ولكن قد أظهر بواسطة ابنه أنّه أراد ويريد الشركة مع البشر، أنّه يحبّ كَرْمَه إلى أقصى حدّ -وها إنّي لجأت للتوّ إلى الصورة الّتي استخدمها يسوع في أحدى أمثاله (راجع مرقس 12: 1-12 وما يوازيها وأشعيا 5: 1-7). «سأرسل ابني: سيهابونه على الأقل؟» (راجع مرقس 12: 6 وما يوازيها).

 

ها هو حبّ الآب للكرْم، لجماعته، للإنسانيّة.

الله هو ذاك الأب الّذي يحبّ، وينتظر دائمًا الابن الّذي قد ابتعد وضاع (راجع لوقا 15: 11-32). كالآب في المثل، خرج الله مرّات عديدة يتوسّلنا لكي ندخل مأدبة للحياة (راجع لوقا 15: 28 و32-32): هو الله الذي [يتوسلّنا] يصلّي إلينا، في حين أنّنا نظنّ بأنّنا نحن الّذين نصلّي إليه... المُحِبّ، الآب، هو الّذي يقول: «كيف لي أن أهملك يا إفرائيم؟ كيف يمكنني أن أسلمك للأعداء يا إسرائيل؟… يتحرّك قلبي في داخلي، وأحشائي تشتعل من الرحمة» (هوشع 11: 8)

هل هذا الآب يمكنه أن يتخلّى عن ابنه؟ أن يتخلّى عنه وهو على الصليب؟

 

هو الّذي تبع المسبيّين إلى بابل، ورافقهم وسكن بينهم Shekinah (راجع حزقيال 10: 18-22؛ 11: 22-25).

 

أين كان الآب أثناء موت يسوع؟

 

 لقد كان فيه، وكان معه. ويسوع حينها كان يروي الآب بصدق! نقول في قانون الإيمان إنّ يسوع «تألّم في عهد بيلاطس البنطيّ» ولكن يمكننا القول مع مجامع الكنيسة القديمة: «تألّم الله». «إنّ الآب ليس منزّهًا عن الألم، ولكنّه يعاني آلام الحبّ» كتب أيضًا أوريجانُس): «Pater ipse … patitur» : عظة حول حزقيال 6.6 ؛ الآباء اليونان 13: 714-715).

 

 لقد تألّم الله، كما يُعانى في الحبّ. لا يوجد الوجع الجسديّ أو النفسيّ وحسب، ولكن يوجد وجع وألم أكثر عمقًا وكلّنا يعرفه، وهو كجرح يحرق: الألم في سبيل الحبّ. وفي الواقع، لا يوجد حبٌّ بدون ألم، هذا ما نعرفه جيّدًا نحن البشر.

ها هو إذًا الله، المُحبّ في آلام يسوع. أنّه يتألّم بسبب الحبّ، لأنّه يعاني من شرّ ما نقوم به: الشرّ الّذي أُلحق بيسوع الضحيّة، ويسوع في الواقع هو أيقونة الشرور والمعاناة الّتي ننزلها بالآخرين، أيقونة نقص الحبّ الّذي بواسطته نسبّب ألمهم. ولننتبّه: «لسنا نحن من أحببنا الله ولكن هو الّذي أحبّنا» (1يوحنّا 4: 10)؛ من صليب ابنه، يطلب منّا الله أن «نؤمن بالحبّ» (راجع يوحنّا 1 يوحنّا 4: 16)، ويجذبنا جميعًا نحو الصليب، لأنّه «يريد أن يخلّص الجميع» (انظر 1تيموطاوس 2 : 4 ).

 الله ينتظرنا ويحبّنا، نحن أعدائه، والله يغفر لنا، بينما نحن نصلب ابنه أي حين نرفضه هو، ونقتله هو، هو الآب، المُحِبّ، وأصل الحبّ (راجع رومة 5: 6-11). هكذا يقصّ علينا يسوعُ الله، المُحِبّ، وهو يطابق نفسه في كلّ شيء مع فكر الله، وهو يتمّم دائمًا مشيئته إلى أقصى حدّ.

 

فإذًا على الصليب ما من إله يُسرّ بموت الابن، ما من إله يريد تضحية الابن، ولكن إله يظهر أنّ التضحية، أي إعطاء الذات للآخرين، هي حاضرة في ذاته كنتيجة لكونه المُحِبّ، أي ذاك الّذي يحبّ من تلقاء نفسه، ويقدّم نفسه إلى الآخر، إلى الحبيب.

 ما مِن مُحبّ إلاَّ ويحمل الصليب المطبوع في لحمه، لا يسعني هنا إلاّ أن أتذكّر بوابة كنيسة سيّدة الملائكة في روما لإيغور ميتوراي، حيث يجتاز الصليب لحم المسيح المُحِبّ.

لا يملك الألم والوجع في حدّ ذاتهما أي قدرة للخلاص: وحده الحبّ، الّذي يتطلّب دائمًا «الألم في الحبّ» يستطيع أن يخلّص.

يسرد علينا يسوع في العشاء الأخير وهو راكع يغسل أقدام التلاميذ قصّة الله الراكع أمامنا، الّذي يغسل أقدامنا ليزيل أوساخنا. أمّا على الصليب حيث يختبر يسوع الآلام والموت، فيروي اللهُ بواسطة يسوع حبَّه لنا وألمه لبعدنا عنه. يجتذبنا الله دائمًا إلى ذاته، يتوسَّلُنا أن ندخل في شركته، لأنَّه يحبّنا ولا يستطيع أن يكفَّ عن محبّتنا.

 

الأب إنزو بيانكي

رئيس ومؤسِّس دير "بوزيه" عام 1965م.
 

 

macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية