رسالة العلمانيين

 

 

 

رسالة العلمانيِّين

 

مفهوم كلمة "علمانيون"

 

يفهم هنا بمن يسمّون علمانيِّين مجموع المسيحيِّين الذين ليسوا أعضاء في الدرجات المقدَّسة، ولا في الحالة الرهبانيَّة التي أقرَّتها الكنيسة، أي المسيحيِّين الذين إذ انضمُّوا إلى جسد المسيح بالمعموديَّة، واندمجوا في شعب الله، وجعلوا شركاء، على طريقتهم، في وظيفة المسيح الكهنوتيَّة والنبويَّة والملوكيَّة، يمارسون، كلٌّ بما عليه، في الكنيسة وفي العالم، الرسالة التي هي رسالة الشعب المسيحيّ بأجمعه.

 

إنَّ الطابع الخاص الذي يتميّز به العلمانيون هو الطابع العالميّ. ذلك بأنّ أعضاء الدرجات المقدّسة، وإن وجدوا أحياناً يتعاطون الشؤون العالميّة، بل يحترفون مهنة زمنيّة، فإنّهم يلبثون، بحكم دعوتهم الخاصّة، موجَّهين أصلاً وبصراحة للخدمة المقدّسة؛ والرّهبان أيضاً فإنهم، بحكم حالتهم، يشهدون على العالم شهادة ساطعة بأنّه لا قِبَل له بأن يتحوّل ويُقرَّب لله بمعزلٍ عن روح التطويبات.

 

وأمّا العلمانيّون فدعوتهم الخاصّة بهم هي أن يطلبوا ملكوت الله من خلال إدارة الشؤون الزمنيَّة التي ينظمّونها بحسب الله. إنّهم يعيشون في وسط العالم، أي إنّهم مرتبطون بمختلف موجبات العالم وأعماله كلّها، وبالأحوال المألوفة في الحياة العيليَّة والمجتمعيَّة التي كأنَّ وجودهم قد نُسج منها.  ففي موضعهم هذا دعاهم الله ليعملوا، فعل الخمير من الداخل، على تقديس العالم بمزاولة مهامهم الخاصة بهدي الرّوح الإنجيليّ، وليعلنوا المسيح للآخرين بشهادة حياتهم، قبل أي شيء آخر، وليُشعّوا إيمانًا ورجاءً ومحبَّة؛ فمنوط بهم، بوجه خاصّ، أن ينيروا ويوجّهوا جميع الحقائق الزمنيَّة التي يرتبطون بها ارتباطًا وثيقًا بحيث تُتمَّم وتنمو في اطّراد بحسب المسيح، وتكون لمجد الخالق الفادي. (س ك، 31)

 

هُويّة العلمانيِّين

 

بعدما أوضحنا مفهوم كلمة العلمانيِّين سوف نحاول الإجابة على السؤال: ما معنى أن نكون مسيحيِّين؟ وأن نكون مسيحيِّين علمانيِّين؟

سنعالج، إذن، هُويّة المؤمن العلمانيّ، من خلال البحث في دعوته ورسالته داخل الكنيسة وفي العالم.

 

يتحدَّثون كثيرًا عن أزمة هُويّة عند المسيحيِّين. إنّ الماديَّة العلميَّة والعقليَّة الاستهلاكيَّة اللتين تسودان المجتمع توّلدان اللاّمبالاة الدينيَّة، وتنشران أنماطًا من العيش المُفرَغ من وجود الله. وبمزيد من الانكفاء ينحصر التديّن في نطاق الحياة الخاصَّة، وغالبًا ما تؤدِّي التسويات مع الثقافة العلمانيَّة والمعلمَنَة إلى تفريغ الإيمان من حيويته وأصالته الإنجيليَّة... ويصبح كلام القدِّيس بولس، اليوم، أكثر آنية من أي وقت مضى، عندما يقول: "فاعتبروا، أيُّها الإخوة دعوتكم" (1قور 1: 26) أو بمعنى آخر: "تذكروا مَن أنتم".

 

ترتكز الهُويّة المسيحيَّة على الإيمان الحيّ والرَّاشد. أمَّا الخطر فيكمن، اليوم، في تقلُّص كياننا المسيحيّ إلى دائرة اجتماعيَّة ثقافيَّة محضة، وإلى تقليد، ورواسب من الماضي، وبعبارة واحدة، إلى مسيحيَّة لا أثر لها على الحياة اليوميَّة الملموسة لكلِّ مؤمن أو جماعة.

 

ينبغي أن تقوم الفضائل الإلهيَّة الثلاث، الإيمان والرَّجاء والمحبَّة، في صميم وعينا الذاتي. تعني الهُويّة المسيحيَّة، في كلِّ حال، علاقة شخصيَّة وحميمة مع يسوع المسيح. دون الانطواء على الذات والانغلاق حيال الآخرين. إنَّها روح شركة وحوار.

 

تتسم الهُويّة المسيحيَّة أيضاً بـِ"علامة المناقضَة" التي تتجلى بشكل واضح في حياة المسيحيِّين الذين يعيشون وسط ثقافة مُفرَغَة من العناصر المسيحيَّة. حيث من الصعب أن يكون الإنسان ذاته، وأن يكون حقيقيًا، وأن يكون مسيحيًا منسجمًا مع ذاته، إنَّ ذلك يتطلّب شجاعة من نوع خاص. ولكن ينبغي للنّور الإنجيليّ أن يسطع في الظلمات وللملح ألا يفسد طعمه...

 

في هذه الحال، إذًا، ما هي الهُويّة؟

 

 يعطي قداسة البابا يوحنّا بولس الثاني التعريف التالي للهُويّة، وذلك عندما كان رئيسًا لأساقفة كراكوفيا، إذ قال: "إن الهُويّة تعني أن أُدرِك مَنْ أنا وأن أتحمّل مسؤوليَّة ما أنا عليه".

 

وهنا تُطرح أسئلة كثيرة:

 أنا المسيحيّ العلمانيّ، هل أعلم فعلاً مَنْ أنا؟

 وهل أُدرِك في قرارة نفسي أنيّ مسيحيّ؟ هل أشعر أنّي مسؤول عمّا أنا عليه؟

أليست حياتي وخياراتي الفعليَّة متناقضة، أحيانًا مع إيماني؟

 

معالم في تكوين هُويّة العلمانيِّين المؤمنين

 - 1   شخصيَّة يسوع المسيح

إن المَعْلَمَ الأول والأكثر أهميّة إنّما يرتكز إلى شخص يسوع المسيح.  فالمسيحيَّة ليست عقيدة بقدر ما هي حَدَث تاريخيّ حسِّي.

 

والمسيحيّ هو تلميذ يسوع المسيح، ابن الله، الذي تجسّد من أجل خلاصنا، والرَّب، والمعلّم، الذي ينادي تلميذه باسمه قائلاً: "اتبعني". وقد روى الإنجيل أنَّ سمعان وأندراوس ويعقوب ويوحنا سمعوا هذا النداء فتركوا كلّ ما كانوا يملكونه من شباك وزوارق وبيوت وتبعوا معلّمهم منذ ذلك الحين (متى 4: 19 / 22). فَغيّر هذا النداء حياتهم تغييرًا كاملاً. وهذا ما ينبغي أن يحصل في حياة كل مسيحيّ. أمّا الاستجابة بـِ"نعم" لدعوة يسوع المسيح فتتطلّب القيام بخَيار جَذري لا عودة عنه. خَيار نلتزم به على مدى الحياة، ممَّا يقتضي منّا تحوّل القلب وتغيير طريقة التفكير والعيش تغييرًا جذريًا، وعدم التمسّك بالماضي. وبالتالي ليس ذلك من الأمور السَّهلة. لكن يسوع المسيح يساعدنا بنعمته: "أستطيع كلّ شيء بذاك الذي يقوِّيني" (فل 4: 13).

 

إنَّ الإيمان المسيحيَّ ملموس جدًا. وهو يتعارض كليًا والروحانيَّة المُبهَمة وغير المتجسِّدة. إنَّ المسيحيّ لا يستهويه المعلّم عن بُعد. فالإيمان لا ينفكّ يتطلّب خوض الطريق مقتضيًا منَّا أجوبة ملموسة، ممَّا يفترض نضوجًا يتخطّى "الإيمان التقليديّ" أو "إيمان المجموعات الإتنية" إلى"الإيمان الراشد" الذي ينبع من الخَيار الشخصيّ.

 

2 -  الكنيسة سرُّ الشَرِكة

إن المَعْلَمَ الثاني المُكوِّن للهُويّة المسيحيّة إنّما هو سرُّ الكنيسة.

 قال اللاهوتيّ هانس أورس فون بالتازار: "لا يكون المسيحيّ مسيحيًا إلاّ من خلال عضويته في الكنيسة (...) ولا سبيل لأحدٍ أن يكون مسيحيًا لحسابه الخاصّ". لذلك من الأهميَّة بمكان أن يشعر العلمانيون المؤمنون بـِ"حِسٍّ كنسيّ" بصورة حيَّة وعميقة.

 

الكنيسة "شركة عضويَّة" يتعايش فيها التنوّع وتكامل الدعوات والخدمات والمهام والمواهب والمسؤوليات، من دون تعارض أو انقسام بل بالتبادل والتناسق. وبفضل هذا التنوّع وهذا التكامل يصبح كلّ من المؤمنين العلمانيِّين على علاقة بالجسد كلّه، ويُسهِم كلٌّ بنصيبه في خدمة هذا الجسد (ع م 20).

 

 يظهر جليًا من صورة "الكنيسة الشركة" أنَّ لكلِّ مسيحيّ دورَه في الكنيسة. كلُّ واحدٍ منّا هو، في الوقت نفسه، الموضوع والفاعل المُنفِّذ لرسالة أوكلها إليه يسوع المسيح، سواء أكنا أساقفة أم كهنة أم رهباناً أم راهبات أم علمانيين مؤمنين من هنا تتجلّى ضرورة أن يتشارك العلمانيّون المؤمنون مشاركة فاعلة ومسؤولة في حياة جماعتهم الكنسية، بحيث ينبغي ألا يشعر العلمانيون المؤمنون أنهم أعضاء في الكنيسة وحسب، بل عليهم أن يعلموا أنهم، بالشركة مع رعاتهم يشكِّلون الكنيسة.

 

 

-3   العالم

المَعْلَمُ الثالث المكوِّن لهُويّة العلمانيين المؤمنين يتمثّـل بالعالم. ولا تقتصر النظرة إلى العالم على البعد الاجتماعي، بل هناك نظرة لاهوتية أساسية انطلاقًا من سر الخلق والفداء.

 عالم خلقه الله وافتداه يسوع المسيح. هذه النظرة تُفضي إلى مقاربة إيجابية وتفاؤل متأصّل في الإيمان. يُقيم العلمانيون المؤمنون علاقة مميزة مع العالم، وذلك بسبب هذا الطابع الدنيوي الذي يُشكِّل موضع التمييز الرئيس بين العلمانيين وباقي أفراد شعب الله، أي الاكليروس. وهو ما ينبغي النظر إليه، أيضًا، نظرة لاهوتية محضة، لا نظرة اجتماعية ووظيفية.

 

لا يُحدِّد الطابع الدنيوي هُويّة العلمانيين فحسب بل يُضفي أيضًا سِمَة مميّزة على رسالتهم وروحانيتهم عبر الإرشاد إلى طريق القداسة. يحتلّ العلماني المؤمن نقطة التقاء حساسة بين الكنيسة والعالم. وله رسالة خاصة يؤديها، لا سبيل لغيره أن يؤديها عنه. لم يُخطِئ الكاردينال جوزف كاردين، مؤسّسُ حركة الشبيبة العاملة المسيحية، عندما أكّد أن العلمانيين يحتلون الخطّ الأول في نشر رسالة الإنجيل في العالم.

 

المسيحيون في العالم هم بمثابة الروح في الجسد. فكما تنتشر الروح في كل أنحاء الجسد، كذلك ينتشر المسيحيون في مدن العالم. وكما أنَّ الروح تسكن الجسد وهي ليست من الجسد، كذلك يسكن المسيحيون في العالم وهم ليسوا من العالم.. إن المَهَمَّة التي أوكلها الله إلى العلمانيين هي مِن النُبْلِ بمكان لدرجة أنه بات من غير المسموح به لهم التخلّي عنها.

 

دعوة العلمانيين

- دعوة إلى الشهادة  نحن كلُّنا مدعوون لكي نشهد في العالم لِتجدُّد حياتنا المسيحية، الذي اكتسبناه في سر العماد المقدس، وجمال هذه الحياة وروعتها. لقد دُعينا لنعلن للملأ بأنّ الأمر يستحق العناء وأنه جميل أن نكون أتباعًا للمسيح، وأنّ السير على خُطاه يمنح فرحًا لا يوصف. وعلينا اليوم أكثر من أي وقت مضى، أن نستعيدَ هذا الطابَع المفرح الذي تتميّز به الشهادة المسيحية.

 

- دعوة إلى المشاركة مع المسيح: عندما يولد العلمانيون المؤمنون بالمسيح من جديد، من طريق المعمودية، فإنهم يشاركون المسيح بوظيفته المثلثة: الكهنوتية والنبوية والملوكية

 

1 - الوظيفة الكهنوتية

يُدعى العلمانيون من خلال المشاركة في الوظيفة الكهنوتية، إلى أن يُقدّموا لله العبادة الروحية وثمار القداسة المسيحية الأصيلة: "ذلك بأن جميع نشاطاتهم وصلواتهم ومشاريعهم الرسولية وحياتهم الزوجية والعيلية، وأعمالهم اليومية وتسلياتهم العقلية والجسدية إذا عاشوها بروح الله، وحتى محن الحياة إذا تحمّلوها بطول أناة، كل هذا يتحوّل إلى قرابين روحية مَرضية لله بيسوع المسيح" (1بط 2: 5) (س ك، 34). إنّ هذا الطابع الكهنوتي الذي يتّسم به وجود العلمانيين المؤمنين لعلى جانب كبير من الأهمية. إنّه كهنوت مشترك بين كل شعب الله وإن اختلف "في الجوهر لا في الدرجة فقط" مع كهنوت الخدمة (س ك،10).

 

2- الوظيفة النبوية

يُدعى العلمانيون من خلال المشاركة في الوظيفة النبوية لإعلان بشارة الإنجيل بالكلمة وبشهادة الحياة. "إذَّاك يتّسم هذا العمل التبشيري بطابع مميّز وفعالية خاصة بكونه يتمَّم في أوضاع العالم المألوفة" (س ك، 35) ولا تقتصر الرسالة النبوية على إعلان البشارة وحسب، بل تشمل أيضًا التنديد بالشرور التي تفتك بالإنسان والمجتمع، كالظلم وانتهاك حقوق الإنسان الأساسية. وعلى العلماني المؤمن أن يُبدي الكثير من الشجاعة في أداء هذه الرسالة النبوية التي أوكلها المسيح إليه.

 

3 - الوظيفة الملكية

من خلال الوظيفة الملكية يُدعى العلمانيون المؤمنون أيضًا  إلى المساهمة في بناء ملكوت الله، في العالم وفي داخلهم، مما يعني جهادًا روحيًا متواصلاً على قوى الشر والخطيئة: وعلى العلمانيين، إلى ذلك، أن يستجمعوا قواهم ليُدخلوا على المؤسسات وعلى أوضاع الحياة في العالم عندما تستهوي إلى الخطيئة، التطهيرات الملائمة، لكي تتجاوب كلها مع سُنن البِرّ، وتساعد على ممارسة الفضائل بدلاً من أن تكون عَقَبة في طريقها. فَبِعملهم هذا يُشيعون القيم الروحية في الثقافة وفي الأعمال البشرية. (س ك، 36)

دعوة إلى القداسة

  لدى جميع المعمدين دعوة شاملة إلى القداسة: فواضح، إذن، للجميع أن الدعوة إلى ملء الحياة المسيحية وكمال المحبة موجّهة إلى جميع المؤمنين بالمسيح أيأ كانت حالُهم وكان نهج حياتهم (س ك، 40). تُشير هذه الدعوة التي تشيد بكرامة العلمانيين المؤمنين إلى أنّ الطريق المؤديّة إلى تجدّد الكنيسة تمرّ عبر قداسة أعضائها.

 

القداسة المسيحية هِبة من الله ويجب، قبل كل شيء، أن تُعاش بوصفها هِبة. ليست الدعوة إلى القداسة مجرد حثّ أدبي أو أخلاقي، إنما هي من المقتضيات العميقة للدعوة المسيحية ولكيفية أن نكون مسيحيين. لكن ينبغي لقداسة الكائن أن تُتَرجم في عمل كل واحد منا، أي عَبر السير الفعلي والجذري على خطى المسيح، والإصغاء إلى كلمته وتقبّل التطويبات والمشورات الإنجيلية، وبخاصة عيش وصية المحبة، كما يجب أن تُتَرجم القداسة في الوحدة وتماسك الحياة.

 

ليست قداسة العلمانيين المؤمنين قداسة من الفئة الثانية كما كان يظن البعض في الماضي أنّ القداسة هي حال من الكمال الرُهباني. القداسة المسيحية فريدة. إلاّ أنّ قداسة العلمانيين تتّسم بمزايا تنفرد بها دعوتهم الخاصة. إنهم يعيشون في وسط العالم، وفي موضعهم هذا دعاهم الله ليعملوا.

 

تتحقق قداستهم إذن في العالم وليس بهروبهم من العالم. يتقدسون في الحياة الزوجية والعيلية وعبر التحصيل الثقافي المدرسي والجامعي، وفي مزاولة عملهم البشري، وفي التزامهم الثقافي والاجتماعي والسياسي. إن الروحانية العِلمانية، هي نوع من روحانية التجسّد الله صار إنسانًا ودخل العالم لإنقاذه. هذا هو المثال الأسمى للروحانية المسيحية.

 

لا تخافوا من أن تُصبِحوا قِدّيسين. بهذه العبارة خاطب قداسة البابا يوحنا بولس الثاني الشُبان والشابات في يوم الشبيبة العالمي عام 1989. ويجب أن يتردّد صدى هذه الكلمات ليصل إلينا، لا تخافوا من أن تصبحوا قديسين، لأنّ القداسة هي الغاية الأسمى للدعوة المسيحية.

 

رسالة العلمانيين

تتلازم الدعوة والرسالة في حياة كل مسيحي تلازمًا وثيقًا، إذ تنطوي الواحدة على الأخرى "اذهبوا في العالم كله، وأعلنوا البشارة إلى الخلق أجمعين" (مر16: 15). هذا ما عهد به المسيح إلى الكنيسة كلها. الكل مدعو إلى الرسالة في الكنيسة وبموجب سِري العماد والتثبيت. الكل مدعو للعمل في كرم الرب (مت20: 3  4). إنّ في الكنيسة خِدَمًا متنوّعة ولكن الرسالة واحدة. (ر ع، 2).

 

لا يمكن أن نتصوّر عمل الكنيسة في عمل البشارة من دون مساهمة العلمانيين. يتحدث المجمع الفاتيكاني الثاني عن واجب، وفي الآن نفسه عن حق في الرسالة (رع، 2). يشارك العلمانيون المؤمنون بشكل ناشط ومسؤول في رسالة الكنيسة. لذا لا يجب النظر إلى رسالتهم نظرة تُقلِّل من أهميتها أو تعتبرها مجرد مساعدة تُقدَّم إلى رسالة التراتبية الكنسية (الهيرارشية)، مع أنّ العلمانيين المؤمنين مدعوون، في معظم الأحيان إلى التعاون مع الرعاة. لذا يتعيّن على العلمانيين المدعوين إلى وضع كفاءاتهم الخاصة ومواهبهم في خدمة البشارة أن يُدرِكوا حقّ الإدراك أنهم كلّ في موقعه، عناصر فاعلة في نشر الرسالة.

 

يؤدي العلمانيون المؤمنون عملهم الرسولي فرديًا أو جماعيًا. إذ يُترجَم ذلك عبر شهادة الحياة والبشارة الصريحة بالكلمة. ونحن ندرك، اليوم، مدى الشجاعة التي تقتضيها الشهادة بالمسيح شهادة صريحة في عالم اليوم.

 

تتطلّب رسالة العلمانيين التربية الملائمة، أي المتكاملة، المسيحية والإنسانية في آن، وينبغي أن يَحظى العلمانيون المؤمنون بدعم الأساقفة والكهنة، لكي يتمكنوا من تحقيق رسالتهم على أكمل وجه داخل الكنيسة وفي العالم.

 

ومن بين المعوِّقات الأساسية التي تعترض رسالة العلمانيين نذكر

  • الانشغال في تأمين متطلبات الحياة وبخاصة في المجتمع الاستهلاكي الذي نعيش فيه اليوم، مما يؤثِّر سلبًا على روح المبادرة للخدمة والبشارة، وهذا يتطلّب تضامنًا وتكافلاً اجتماعيًا مع بعضنا البعض.

 

  • الجهل لما هو ديني عند عدد من العلمانيين، وهذا يتطلب إنشاء المزيد من مراكز التنشئة الروحية لرفع مستوى العلمانيين وتثقيفهم وزيادة وعيهم لرسالتهم.

 

  • ضعف الحوار والتعاون بين مختلِف الجماعات المسيحية، وبين رجال الدين والعلمانيين الملتزمين بالعمل الرسولي، وهذا يتطلّب إقامة المزيد من اللقاءات التي تساعد على انفتاح الجماعات المسيحية على بعضها البعض.

 

  • بعض العلمانيين غير الناشطين، مِمّن يرون في الكنيسة والرعية محطة خدمات، إذ لا هَمَّ لهم سوى أن تتوفر لهم الخدمة الجيدة.

 

  • بعض الكهنة الذين يفضِّلون القيام بكل الأمور لوحدهم، إذ لا ثقة لهم بعد بِقُدرة العلمانيين على تحمُّل المسؤولية والعمل في حياة الجماعات الكنسية. وهنا لا بد من تغليب الثقة المتبادلة والمحبة الأخوية الفعلية واحترام ما تتميّز به دعوة كل شخص من خصوصية.

 

يدعو المسيح ربُّ الكرم الجميع للعمل في كرمه، لذا أصبحت دعوة العلمانيين المؤمنين رسالة. وبات على كلّ مسيحي أن يشعر بأنه معنيّ بالبشارة. "الويل لي إن لم أُبشِّر" (1قور9: 16) إن الحصاد الإنجيلي وفير ولكنّ الفَعَلة قليلون. كتب القديس بولس قائلاً: "وكيف يدعون من لم يؤمنوا به؟ وكيف يؤمنون بمن لم يسمعوه؟ وكيف يسمعونه من غير مُبَشِّر؟ وكيف يُبَشِّرون إن لم يُرسَلوا؟ وقد ورد في الكتاب ما أحسن أقدام الذين يبشِّرون".(رو10: 14  16). عالم اليوم بحاجة ماسّة إلى رسل، وإلى رسل يحملون الإنجيل بشجاعة.

 

كهنوت المؤمنين وكهنوت الخدمة

 

المسيحيون هم جميعًا كهنة، بالمعمودية والتثبيت، ويشتركون في رسالة المسيح كمعلم وكاهن وملك "ابنوا من أنفسكم، كَمِنْ حجارة حية، بيتًا روحيًا، وكهنوتًا مقدسًا، لإصعاد ذبائح روحية، مقبولة لدى الله بيسوع المسيح... أنتم جيل مختار، كهنوت ملوكي، أمة مقدسة، وشعب مُقتنى لتُشيدوا بحمد الذي دعاكم من الظُلمة إلى نوره العجيب"(ا بط2: 5 ? 9)

 

يمارس المسيحيون كهنوتهم بتقدمة حياتهم وأعمالهم ذبائح روحية، وبالشهادة للمسيح في كل مكان، وبالاشتراك في الصلوات والأسرار، ولا سيما الإفخارستيا.

 

يشترك جميع المسيحيين في السِمَة الكهنوتية التي تتسم بها الكنيسة جسد المسيح. إلا أن بعضًا منهم تُوكَل إليهم مهمة خاصة في هذا الجسد. فالفرق بين النوعين من الكهنوت ليس على صعيد كيان المسيحي والكاهن، بل على صعيد المهمة في الجسد.

 

هذا الفرق تُوضِّحه جيدًا طقوس الأسرار. فكهنوت المؤمنين المشترك يُمنح بالتغطيس بالماء في المعمودية، ومسحة الميرون في سر التثبيت. فبالمعمودية يشترك المسيحي في موت المسيح وقيامته ويصبح عضوًا فيه، وبالتثبيت يُمنح خَتْمُ موهبة الروح القدس، وكلا السِرّين يتعلقان بكيان المسيحي فيُجدِّدانه ويجعلانه كائنًا جديدًا على صورة المسيح، إنسانًا ممتلئًا من روح الله، مسكنًا وهيكلاً للروح. فإذا حدّدنا الكهنوت بالوساطة بين الله والناس، يتّضح لنا أنّ تلك الوساطة قد تحققت في شخص المسيح الذي هو إله وإنسان معًا، وتتحقق في كل إنسان يصير عضوًا للمسيح. كهنوت المؤمنين هو إذًا على صعيد الكيان.

 

أما كهنوت الخدمة فيُمنح بوضع اليد. ووضع اليد يعني إعطاء سلطة ومَهَمَّة خاصة. فكهنوت الخدمة يمنح الكاهن مَهمَّة خاصة. ما هو قوام تلك المَهمَّة ومضمونها؟

 

1- كهنوت الخدمة هو وظيفة عضوية في جسد المسيح

 

من الخطأ اعتبار كهنوت الخدمة سرًا يُمنح لقداسة الكاهن الشخصية. فالمسيحي لا يصير كاهنًا ليُخلِّص نفسه. الكهنوت خدمة في الكنيسة، وظيفة عضوية في جسد المسيح. وعندما يتكلم بولس الرسول عن الخِدَم المختلفة يعتبرها مواهب لخدمة الكنيسة: "أنتم جسد المسيح، وأعضاء كل بمقدار، فلقد وضع الله البعض في الكنيسة أولاً رسلاً وثانيًا أنبياء وثالثًا معلمين، ثم من أُوتوا موهبة العجائب، فمواهب الشفاء، فالإعانة، فالتدبير، فأنواع الألسنة" (1كو 12: 27 ? 28).

 

لا يمكننا تعريف كهنوت الخدمة في ذاته بل في دوره في الكنيسة، والخدمة التي يؤديها فيها. كما لا يمكننا اعتبار كهنوت الخدمة فوق الجماعة المسيحية أو مستقلاً عنها. كهنوت الخدمة وظيفة، ولكن ليس وظيفة اجتماعية، بل وظيفة عضوية لا معنى لها خارج الجسد. كالأعضاء بالنسبة إلى الجسد لا يمكن التعريف بها خارج الجسد، ولا يمكن الاستغناء عن دور أي منها، وإن السير الحسن للأعضاء المختلفة يضمن صحة الجسد كله ونموه المنسجم. (1كو12: 21) (أف4: 11 ? 13).

 

2- كهنوت الخدمة هو استمرار لدور المسيح رأس الكنيسة

 

كهنوت الخدمة لا يحلّ محلّ المسيح، والكاهن ليس مسيحًا آخر بقدر ما هو سرّ المسيح، أي العلامة المنظورة للمسيح غير المنظور. يتكلم بولس الرسول على المفاصل التي تتعاون لينمو الجسد ويرتقي إلى مَنْ هو الرأس، أي المسيح، الذي منه ينال الجسد كله التنسيق والوحدة. فالدور الذي تقوم به المفاصل في الجسد يقوم به كهنوت الخدمة في الكنيسة.

 

فالرأس يضمن التنسيق والوحدة بين أعضاء الجسد. لا شك أنّ المسيحيين كأفراد يستطيعون الاتصال بالمسيح وبالله. وهذا ما أكده لوثر. ولكن الكنيسة ليست مجموعة أفراد، بل جسد منسق ومنسجم، ودور الكهنوت هو العمل على حفظ رباط الروح بين أعضاء الجسد الواحد.

 

3- الخدم الكهنوتية هي مواهب من الروح القدس

كل خدمة هي موهبة يمنحها الروح القدس لمنفعة الكنيسة كلها: "إنّ الخِدَم على أنواع، إلا أن الرب واحد. إن الأعمال على أنواع، إلا أن الله واحد، وهو يعمل كل شيء في الجميع. وكل واحد إنما يعطى إظهار الروح للمنفعة العامة??(1كو:12 5- 7).

 

الجماعة المسيحية لا تختار هي نفسها كهنتها ولا تمنحها هي سلطتهم ومهمتهم. إنما تمّيز من بين أعضائها من وَهَبهم الروح تلك الموهبة. لذلك في صلوات الرسامة يُنادى على المرتسم:"هذا هو العبد المختار من الله ومن الروح الكلي قدسه..." وكذلك يُقال في صلوات وضع اليد:"النعمة الإلهية التي في كل حين تشفي المرضى وتُكمل الناقصين هي تنتدب فلاناً...".

 

حديثنا هذا ليس إلا دعوة للجميع لكي يدرك كل منا دوره ومسؤوليته في بناء جسد المسيح السري، ويعمل كل ما يطلبه منه الروح لكي يتمِّم دعوته التي دعاه بها الرب، لنصل جميعاً إلى ملء قامة المسيح.

 

الأب جورج مصري  

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية