سرّ الكنيسة بحسب القدّيس بولس

 

 

 

سرّ الكنيسة بحسب القدّيس بولس

 

تبرز الكنيسة في فكر القدّيس بولس بصفتها "شعب الله". ولكنّ هذه الفكرة لها جذورها ـ شأن كلّ فكر القدّيس بولس اللاهوتيّ ـ في العهد القديم، وتحديدًا في موضوع "اختيار الله"، أي أنّ الله اختار لنفسه شعبًا. ففكرة الاختيار هي ركيزة العهد القديم برمّته. فإذا أهملناها، انهارت بنى العهد القديم اللاهوتيّة كلّها.

 

نقرأ في سفر تثنية الاشتراع: "إنّ للربّ إلهك السموات وسموات السموات والأرض وكلّ ما فيها. لكنّه تعلّق بآبائنا مُحبًّا إيّاهم واختار نسلَهم من بعدِهم، أي أنتم، من بين الشعوب كلّها إلى مثل هذا اليوم" (تثنية  10/ 14 ـ 15). ونجد، بالطبع، مراجع لا تُحصى تنطوي على مضمون مماثل.

 

 

وفي أساس هذا الاختيار وعد الله الآباء، تتبعه خبرة فريدة: لقد حرّر الله شعبه من عبوديّة مصر (لأنّه تذكّر عهوده مع الآباء)، وقاده بعناية إلهيّة في البريّة، وقطع معهم عهدًا في سيناء، وأعطاهم أرض الميعاد.

 

 

أوّلًا، فكرة الاختيار

 

لا ريب في أنّ فكرة اختيار شعب معيّن تبدو غير مقبولة في زمننا الحاضر، ولا عجب في أن يرى بعضهم في هذا الاختيار منحًى عنصريًّا أو يفهمه بعضهم كاختيار عنصريّ. لذا، لا بدّ من أن نضيف هنا ملاحظتَيْن:

 

إنّ الزمن المعاصر زمن شموليّة على أكثر من صعيد: عولمة، علوم، قيم... ولكنّه يجعلنا ننسى أنّ الشموليّة تبدأ بالخصوصيّة.

 

صحيح أنّ المسيحيّة ديانة شموليّة، إلّا أنّها تتجسّد في الظاهرة الإنسانيّة، أي في أطر إنسانيّة معيّنة، بدءًا بتجسّد المسيح نفسه.

 

فالمسيح ولد في زمن محدّد من تاريخنا، وفي بلدة هي بيت لحم، وكان من ذرّية داود، وانتمى إلى المجتمع اليهوديّ وإلى الشعب اليهوديّ. ولكن، في الوقت نفسه، أقامه الله رأس البشريّة، وهو بكر القائمين من بين الأموات.

 

ولا شكّ في أنّ مجد ذلك الشعب الخاصّ، أي إسرائيل، أو مجد دعوته الخاصّة، على حدّ قول توما الأكوينيّ، هو أنّه منذ ظهر بالجسد فادي العالم كلّه. فالمسيح يمثّل بداية جديدة، إذ إنّه حجر أساس الكنيسة الجامعة التي تريد أن تجمع الشعوب كلَّها. ولكن البداية كانت في بيت لحم.

 

 

فالقصد الخلاصيّ يبدأ بولادة المسيح في عائلة يهوديّة، وبقيام المسيح برسالته في محيطه اليهوديّ الضيّق، قبل أن ينشر رسلُه إنجيلَه، بقوّة الروح القدس، خارج فلسطين. ونشر الإنجيل يقوم على مفارقة: الإيمان بالمسيح، بذلك الرجل الناصريّ، ابن البيئة اليهوديّة، ولكن أيضًا من يُرسل كلّ من يؤمن به إلى أقاصي الأرض.  

 

ما هي نتائج هذه النظرة على مفهوم الكنيسة لدينا؟

 

 إنّ الكنيسة، في ضوء ما تقدّم، ليست مجرّد فكرة، بل مؤسّسة لها وجه بشريّ، ووجه إلهيّ. فالله أسّسها ويقودها في القداسة. لكنّها تبقى، في مسيرتها هذه، "بشريّة".

ولا عجب إذّاك في أن تكون أحيانًا حجر عثرة لكثيرين. وهذا يضعنا أمام الحقيقة نفسها: لقد شاء الله أن يحقّق خلاصه من طريق الواقع البشريّ بكلّ تشعبّاته وتعقيداته. وقد عبّر القدّيس بولس عن ذلك خير تعبير في الفصول 9 ـ 11 من رسالته إلى أهل رومة، وفيها تذكير بأنّ المسيح من اليهود ولكنّه إله مبارك. وإنّ أبناء الله ليسوا أبناء الجسد (أتباع الشريعة)، بل أبناء الوعد هم نسله. أذكر مقاطع منها:

الفصل 9:

 

 

1: "الحقّ أقول في المسيح ولا أكذب، وضَميري شاهد لي في الروح القدس،

2: إنّ في قلبي لَغَمًّا شديدًا وألمًا ملازمًا.

3: لقد وَدِدتُ لو كنتُ أنا نفسي مَحرومًا ومنفصلًا عن المسيح في سبيل إخوتي بني قومي باللحم والدم،

4: أولئك الذين هم بنو إسرائيل ولهم التبنّي والمجد والعهود والتشريع والعبادة والمواعد

5: والآباء، ومنهم المسيح من حيث إنّه بشر، وهو فوق كلّ شيء: إله مبارك أبد الدهور. آمين.

6: وما سقط كلام الله! فليس جميع الذين هم من إسرائيل بإسرائيل،

7: ولا هم جميعًا أبناء إبراهيم وإن كانوا من نسله، بل "بإسحق يكون لك نسل يُدعى باسمك".

8: وهذا يعني أنّ أبناء الجسد ليسوا أبناء الله، بل أبناء الوعد هم الذين يُحسبون نسله".

 

بحسب الرسول، لقد تحقّق الخلاص إذًا من خلال الشعب اليهوديّ الذي يجد نفسه الآن منقطعًا عن النعمة بسبب عدم إيمانه بالمسيح، وبسبب تمسّكه بالجسد مقابل الحياة بحسب النعمة التي أتتنا بالمسيح. وهكذا يضعنا القدّيس أمام المفارقة الكبرى التي يفترضها "تجسّد" الخلاص: "أمّا من حيث البشارة، فهم (أي اليهود الذين لم يؤمنوا بالمسيح) أعداء لخيرهم، وأمّا من حيث الاختيار ، فهم محبوبون بالنظر إلى الآباء. فلا رجعة في هبات الله ودعوته، (روما 11/ 28 ـ 29).

 

 

 

إضافة إلى ذلك، وهذه الملاحظة الثانية، فإنّنا نجد فكرة الاختيار المبنيّة على عنصر العرق، تتسامى تدريجيًّا في العهد القديم. ففي صفحاته إشارات واضحة إلى الشموليّة، وعلى سبيل المثال سفر يونان (إطاره التاريخيّ واللاهوتيّ)؛ فضلًا عن تعاليم الأنبياء. فهؤلاء شدّدوا على بعد شعب الله الأخلاقيّ والروحيّ بصفته الأمر الذي يعطي الشعب معنى اختياره الإلهيّ، فتمّ بالتالي التمييز تدريجيًّا بين الأمّة الإسرائيليّة وإسرائيل الحقيقيّ، أي شعب الله، الذي يطيع إلهه ويعيش الوفاء لشريعته.

 

 بمعنى أنّ الاختيار يتجسّد عندما يتحوّل شهادةً روحيّة وأخلاقيّة للآخرين. وهذه الشهادة المتجسّدة، أو المحصورة في المكان والزمان، تصبح شاملة لأنّها بمنطقها الذاتيّ "دعوة = نداء".

 

وقد تنامت هذه التيّارات لتبلغ ذروتها مع "القلّة المختارة" التي تكلّم عنها أشعيا، والتي ستبقى بعد الكارثة التي حلّت بالشعب بسبب عدم إيمانه: "إنّه، وإن كان شعبك، يا إسرائيل، كرمل البحر، إنّما ترجع بقيّة منه، فقد قُضي بفناء يفيض فيه البرّ، لأنّ السيّد ربّ القوّات يجري الفناء الذي قضاه في وسط الأرض كلّها" (أشعيا 10/ 22 ـ 23)؛ وأيضًا: "لولا أنّ ربّ القوّات ترك لنا بقيّة يسيرة لصرنا مثل سدوم وأشبهنا عمورة" (أشعيا 1/ 9).

 

وثمّة مقاطع من سفر دانيال تتّخذ الاتّجاه عينه، ونشير خاصّة إلى الرؤيا التي فيها ذكر إلى شبه ابن إنسان آت على الغمام، على رأس قدّيسي العليّ، وفي ذلك إشارة، لا إلى الشعب كلّه، بل إلى مجموعة مقدّسة: "وإن قدّيسي العليّ يأخذون الملْك ويحوزونه للأبد ولأبد الآبدين" (دانيال 7/ 18)، و "حتّى جاء قديم الأيّام فأنصف قدّيسو العليّ، وبلغ الزمان فنال القدّيسون الملْك". (7/ 22)، إلخ.

خلاصةً، إنّ هذه اللوحة الوجيزة كافية لتبيّن أنّه منذ البداية تضمّن العهد القديم بُعدين لشعب الله: أوّلًا، هناك الاختيار الإلهيّ الذي هو أساس كلّ شيء. وهذه المجموعة أتت نتيجة محبّة الله وقدرته ومجّانيته المطلقة.

 

 فهو قاد شعبه من مصر "بذراع مبسوطة" وسار بهم إلى أرض الميعاد. ودُعي هذا الشعب بـ "المختار"، "المدعوّ"، و"المحبوب من الله". فالله جمعه لنفسه. وهذا هو معنى الكنيسة (Ecclesia)  الأصليّ الكتابيّ. أوّلًا، كما يتّضح، ليس هناك أي فكرة عن جماعات قامت  على أساس اختيار بشريّ، أو وحدة تأسّست على علاقات طبيعيّة أو عرقيّة، وإن كانت تلك الجماعة لم تتخطّ حدود شعب معيّن.

 

وثانيًا، ذلك الشعب المختار مدعوٌّ إلى شهادة شموليّة. وتبرز دعوته، بطريقة دراميّة، في الكلام على القلّة الباقية. تلك القلّة الأمينة هي التي تجسّد معنى الاختيار الإلهيّ، وتبقى مصدر الرجاء بالخلاص.

 

 

ولكن ظهر أيضًا تفسير ذات بُعد إسكاتولوجي للقلّة الباقية ومعناه أنّ الله يجمع جماعته ويوجّهها نحو نهاية الأزمنة، عندما يحقّق وعوده. فامتلاك أرض كنعان، التي وُعد بها إبراهيم ونسله، ليست إلّا ضمانة أولى، وتبقى هشّة، بسبب خطيئة الشعب. فيجب على إسرائيل أن يذهب إلى أرض الجلاء، ويعود جزئيًّا، مضنيًا منهكًا، ليعيش حياة إن هي إلّا ظلّ المجد الموعود. وحتّى حكم الله الذي نفّذه البابليّون على أورشليم لم يكن الحكم الأخير والحاسم. فاليوم الرهيب لم يأتِ بعد. وعندما تقترب نهاية الأزمنة، ستخلُص قلّة فقط. فقدّيسو العليّ فقط سيرَون الخلاص، وأولئك الذين حصلوا على هبة الروح.

 ولكن دور القلّة الإيمانيّ والنبويّ يبقى نفسه: الحثّ على الثبات في الإيمان، وبالتالي الشهادة له.

 

 

الكنيسة إسرائيل الجديد.

 

بعد صعود يسوع إلى السماء، حلّ الروح القدس على القطيع الصغير في عليّة صهيون، وفهم هؤلاء أنّ الزمن الأخير أتى، وأنّهم، على قلّتهم، هم إسرائيل الجديد النهائيّ، حاملو الوعد والبداية الجديدة.

 

 

 لقد كانت قناعتهم راسخة في أنّهم يكوّنون جماعة الله. ولم يكن ذلك على مثال الأيّام القديمة عندما حصل بعض الأفراد على الروح القدس لوقت محدود، بل الجماعة بأسرها حصلت على هبة الروح، علامة الزمن الجديد.

 

 ويسوع الممجّد عن يمين الآب هو مصدر الروح الذي حلّ على خاصّته. وثمّة جواب واحد أُعطي جميعَ الذين عاينوا حدث العنصرة: "توبوا، وليعتمد كلّ منكم باسم يسوع المسيح، لغفران خطاياكم، فتنالوا عطيّة الروح القدس" (رسل 2/ 38).

 

ومن الصواب أن نقول بأنّ المجموعة الصغيرة حينذاك تمثّل الكنيسة بكاملها. فالكنيسة تأسّست على ما يمثّل جوهرها، حلول روح يسوع، والحبّ الأخويّ المتبادل، وإعلان البشارة، والتوبة، والإيمان، والأسرار.

 

وهنا نجد مفهوم الكنيسة المسيحيّ، وهو مفهوم يتواصل مع حقيقة العهد القديم. ذلك بأنّ الكنيسة هي تمام المواعد، والمؤمنون هم المدعوّون والمختارون والشعب الحبيب.

 

 

ثانيًا، مفهوم سرّ الكنيسة عند القدّيس بولس

 

إنّ فكرة القدّيس بولس عن الكنيسة تندرج في هذا السياق، ولكن مع الإشارة إلى فارق خاصّ بتفكير الرسول، وهو فارق تضمّنه اختبار حدث العنصرة، ولكن لم يدركه فورًا الاثنا عشر، ألا وهو أنّ الروح القدس قد أزال نهائيًّا جميع الحواجز بين الشعوب، إذ كشف أنّ قصد الله هو أن يصبح الوثنيّون أيضًا أعضاء في الكنيسة، من دون ان ينتسبوا أوّلًا إلى الأمّة اليهوديّة.

 

في نظر الرسول، يبقى صحيحًا أنّ الكنيسة قد طُعِّمت على الأصل الذي هو إسرائيل، وقامت على تلك "البقيّة الأمينة"، أنّ الأمميّين، انطلاقًا من هذا المنظور، هو أغصان بريّة. ولكن ما إن اجتمعوا بالمسيح، أصبحوا جميعهم واحدًا، لا فرق بينهم، فلا أحد أرفع مقامًا من الآخر. وهذه الوحدة مع الربّ تحصل بواسطة الإيمان والمعموديّة ـ بصرف النظر عن الختان والعمل بأحكام الشريعة، وهي أمور، بالتالي، لا يمكن أن تُطلب من الأمميّين، باستثناء بعض الأماكن والإجراءات المؤقّتة التي هدفت إلى تحاشي تغريب اليهود كثيرًا.

 

فحتّى الأمميّون الذي يؤمنون بالمسيح هم من "المختارين" والمحبوبين والقدّيسين. ولا ينفكّ القدّيس بولس يعيد هذا الأمر مرّات عديدة في بداية رسائله (رومة 1/ 7، و1 قورنتس 1/ 2): "من بولس شاء الله أن يدعوه ليكون رسول المسيح يسوع، ومن الأخ سُتينس، إلى كنيسة الله في قورنتس، إلى الذين قُدّسوا في المسيح يسوع بدعوتهم ليكونوا قدّيسين مع جميع الذين يدعون في كلّ مكان باسم ربّنا يسوع المسيح، ربّهم وربّنا"، إلخ). ويقول في شأنهم في أفسس 2/ 19 ـ 20: "فلستم إذًا بعد اليوم غرباء أو نزلاء، بل أنتم من أبناء وطن القدّيسين من أهل بيت الله، بنيتم على أساس الرسل والأنبياء، وحجر الزاوية هو المسيح يسوع نفسه".

لذا، فبناءً على روح الكتاب المقدّس، يمكننا أن نصف الكنيسة بأنّها شعب الله في مسيرته، أو جماعة اختارها الربّ وجمعها بنفسه، وهي الآن على طريق أرض الميعاد الحقيقيّة.

 

أمّا فائدة مقاربة سرّ الكنيسة هذه بالنسبة إلى الحياة الروحيّة، فكبيرة. فالرسول يركّز على مبادرة الله واختياره.

 

والمسيحيّون هم قدّيسون من خلال علاقتهم بالله القدّوس الذي دعاهم وجعلهم خاصّته.

 

وكذلك، لا يقلّ البعد الإسكاتولوجيّ أهميّة. فالمسيحيّون هم شعب الزمن الأخير، دعوا دعوة إلهيّة (فيلبّي 3/ 14)، وينتظرون بإيمان ورجاء تجلّي أبناء الله بالمجد (رومة 8/ 21).

 

ولا شكّ في أنّ هذه النظرة التي تتخطّى الأطر الأرضيّة، وحقيقة كون الكنيسة في مسيرة مستمرّة، يجب أن تحولا دون أن تنغمس الكنيسة كثيرًا في العالم. وفي الوقع،

 

إنّ الكنيسة دومًا عرضة للوقوع في فخّ من الفخّين: فخّ البورجوازيّة وفخّ البروليتاريّة، لأنّها مكوّنة من بشر.

 

 إذًا، تتحاشى الكنيسة أن تكون روحانيّة صرف، وفي الوقت نفسه، أن تغوص في شؤون الأرض. وهي حالة شدّ حيويّة وخلّاقة بين البُعدَين.

 

ثالثًا، الكنيسة "جسد المسيح"

 

نجد النظرة إلى الكنيسة بصفتها شعب الله متطوّرة تطوّرًا كبيرًا في رسائل القدّيس بولس الأخيرة، حيث يتكلّم على الكنيسة باعتبارها "جسد المسيح"، وهو تعبير خاصّ به. وفي الواقع، إنّ مفهوم "شعب الله" المستمدّ من العهد القديم لا يكتسب هذا البُعد "العضوي"، هذا الارتباط السريّ العميق بين المسيح والكنيسة.

 

وفي هذا الإطار، تتهمّش فكرة الاختيار الإلهيّ لصالح شموليّة واضحة ومباشرة. وكلّ هذا يظهر في مفهوم الكنيسة بصفتها جسد المسيح كما يصفها الرسول خصوصًا  في الرسالة إلى أهل افسس.

 

في صلب تعاليم الرسول عن الكنيسة كجسد المسيح، نجد تلك العلاقة بين جماعة المؤمنين والربّ. فالمسيح هو سيّد الكنيسة (الرأس) ـ هذا هو التأكيد الأوّل. وفي رسالته إلى أهل قولسي وأفسس، يربط القدّيس سيادة المسيح هذه بسيادته على الخليقة كلّها. فهذا "الإنسان"، الذي يملك في المجد، رُفع فوق جميع البشر وجميع المخلوقات الروحيّة؛ وهذا هو التأكيد الثاني.

 

جاء في أفسس 1/ 20ـ 22: "... أقامه من بين الأموات وأجلسه إلى يمينه في السموات فوق كلّ صاحب رئاسة وسلطان وقوّة وسيادة، وفوق كل اسم يُسمّى به مخلوق، لا في هذا الدهر وحده، بل في الدهر الآتي أيضًا، وجعل كلّ شيء تحت قدميه، ووهبه لنا فوق كلّ شيء رأسًا للكنيسة". وفي قولسي 1/ 15 ـ 17: "هو صورة الله الذي لا يُرى وبكر كلّ خليقة. ففيه خُلق كلّ شيء ممّا في السماوات وممّا في الأرض ما يُرى وما لا يُرى، أأصحاب عرش كانوا أم سيادة أم رئاسة أم سلطان كلّ شيء خُلق به وله. هو قبل كلّ شيء وبه قوام كلّ شيء". ويضيف فورًا: "وهو رأس الجسد أي رأس الكنيسة" (قولسي 1/ 18). وهذا يُبرز بُعد الكنيسة الشموليّ انطلاقًا من ارتباطها برأسها، أي بالمسيح.

 

 

ولكن في نظر بولس، ليس المسيح سيّد الكنيسة وحسب، بل عريسها أيضًا (أنظر أفسس 5/ 22 ـ 23)، فهي مرتبطة به ارتباطًا حميمًا، وتؤلّف معه وحدة لا تتجزّأ، مثل وحدة الرأس وسائر أعضاء الجسد.

 

وبولس يسمّيها جسد المسيح الممجّد: "هي جسده وملءُ ذاك الذي يملأه الله تمامًا" (أفسس 1/ 23). ونموّ الجسد يتمّ به، "ويبني نفسه بالمحبّة" (أفسس 4/ 16). وأهميّة صورة "العريس" تكمن في أنّ وحدة الجسد واتّحاد أعضائه بعضها ببعض وبالرأس مؤسّسة على الحبّ وحده.

 

لذا، لا يمكن الفصل بين المسيح والكنيسة؛ ومن يفصل نفسه عنها، يفصل نفسه عن المسيح.

 

 وهذه العلاقة فريدة كليًّا، وخير شبيه بها وحدة الزواج. "كذلك يجب على الرجال أن يحبّوا نساءهم حبَّهم لأجسادهم. من أحبّ امرأته أحبّ نفسه. فما أبغض أحد جسده قطّ، بل يغذّيه ويُعنى به شأن المسيح بالكنيسة. فنحن أعضاء جسده" (أفسس 5/ 28 ـ 30).

 

ولهذا السبب، ليست الكنيسة في نظر المؤمن مجرّد جمعيّة أو اتّحاد أو مكان تجمّع، بل هي حياة مع الله بالمسيح، وهي أيضًا جامعة، تدعو كلّ إنسان إلى الإيمان.

 

 

لذا، لا يمكن المسيحيّة أن تصبح وجودًا خصوصيًّا أو مقتصرًا على لون وطنيّ أو ثقافيّ أو عرقيّ أو طبقيّ.

 

 ففي آدم الجديد، أي المسيح، لا فرق بين يهوديّ و يونانيّ، ولا بين عبد وسيّد، ولا بين أعجميّ وبربريّ (أنظر قولسي 3/ 11). ويقصد بولس أن يؤكّد، في استعماله تشبيه الجسد، أنّ الكنيسة تشمل جميع الشعوب، مثل الإنسان الجديد، أي المسيح.

 

 في المسيح، الذي هو ملؤها، "يحلّ جميع كمال الألوهة حلولًا جسديًّا" (قولسي 2/ 9). وفي المسيح يريد الله أن يجمع جميع الأشياء "ما في السماوات وما في الأرض" حدود البشريّة نفسها. والمسيح عهد إليها أن تعجّل في إتمام الأزمنة، بالكلمة والمحبّة، وتحقّق واقعيًّا الشموليّة التي هي في بداية طريقها.

 

 

تقضي مهمّة الكنيسة بأن تعلن الخلاص لجميع الشعوب، وتؤسّس شركة المحبّة على الأرض، إلى أن يحين مجيء الربّ الثاني. وعلى رعاة الكنيسة أن يرعوا بوحدة الإيمان والمحبّة. وهنا تبرز مكانة سرَّيْن مميّزَيْن يسمّيهما بولس، وهما المعموديّة والإفخارستيّا (أنظر رومة 6 ، وقولسي 2/ 11 وما يتبع، و1قورنتس 10/ 14 ـ 21، و17 ـ 34). فبالمعموديّة يتّحد المؤمن بجماعة المسيح؛ ووحدة المحبّة التي هي الكنيسة، تجد ذروة تعبيرها في مائدة الإفخارستيّا. "فلمّا كان هناك خبز واحد، فنحن على كثرتنا جسد واحد، لأنّنا نشترك كلّنا في هذا الخبز الواحد" (1قورنتس 10/ 17). وأيضًا: "فإنّكم كلّما أكلتم هذا الخبز وشربتم هذه الكأس تعلنون موت الربّ إلى أن يأتي" (1 قورنتس 11/ 26).

 

إنّ التضامن المسيحيّ، كما هو حاضر في فسحة الكنيسة المقدّسة، هو أقوى من أيّ تضامن آخر، أتضامنًا عائليًّا كان أم وطنيًّا أم ثقافيًّا أم تضامن مصالح.

 

 وذلك التضامن هو الذي دفع بعض الوثنيّين إلى الإعلان متعجّبين: "أنظروا كم يحبّ المسيحيّون بعضهم بعضًا". أمّا الفوارق الاجتماعيّة والوطنيّة التي سادت مدى العصور، والتمييز بين السيّد والعبد، فقد وضعت المسيحيّة لها حدًّا.

 

فالعبد جلس إلى جانب سيّده في الإفخارستيّا، واستشهدا معًا في سبيل إيمانهما. كتب بولس إلى أهل غلاطية: "فإنّكم جميعًا، وقد اعتمدتم في المسيح، قد لبستم المسيح: فليس هناك يهوديّ ولا يونانيّ، وليس هناك عبد أو حرّ، وليس هناك ذكر وأنثى، لأنكم جميعًا واحد في المسيح يسوع" (غلاطية 3/ 27 ـ 28). وكذلك: "ليحمل بعضكم أثقال بعض وأتمّوا هكذا العمل بشريعة المسيح" (غلاطية 6/ 2). وما هذا إلّا دعوة لحمل أثقال البشريّة أيضًا.

 

 إنّ التملّك يقسّم الناس، وما يوحّدهم هو الحريّة والمحبّة، تلك المحبّة التي تترجم في العلاقات الاجتماعيّة.

 

إنّ المبادئ الأكثر كمالًا لا تزال تنتظر تطبيقها في عالمنا. لقد قال يسوع إنّ العالم يعرف أنّنا تلاميذه إن أحبّ بعضنا بعضًا، لا لأنّنا نملك عقيدة حبّ... هنالك، بالطبع، من عاشوا التضحية والمحبّة حتّى عطاء الذات، ولكن هنالك أيضًا من أعطوا شهادة عكسيّة صَعّبَتْ على غير المسيحيّين أن يتعرّفوا على حقيقة الكنيسة في الحياة العامّة والاجتماعيّة.

 

يؤمن المسيحيّ بأنّ المجتمع المثاليّ ليس من هذا العالم. على أنّ هذا لا يعني أنّه يجب أن يكون غير مبالٍ تجاه مصير هذا العالم. فالربّ أحبّ العالم ويرغب في تحويله، وهذا لا يحصل إلّا بقوّة الروح القدس، وبمشاركتنا الفعليّة في إعلان الكلمة وممارسة المحبّة.

 

 فالمحبّة المسيحيّة هي محبّة خلّاقة، تخلق حقيقة اجتماعيّة، ولا تخصّ المستوى الفرديّ وحده. لذا، يبقى ذلك في صلب مهمّة جسد المسيح، تلك المهمّة المنفتحة على البشريّة كلّها.

 

وفي النهاية: بقدر ما أنّ الكنيسة مدعوّة إلى المحافظة على حدود معيّنة في التزاماتها بشؤون الأرض، فهي مدعوّة إلى تجاوز الحدود الوطنيّة والثقافيّة والعرقيّة والاجتماعيّة، لتصبح بتزايد صورة كاملة عن "شعب الله" الواحد.

 

                                                  الأب صلاح أبو جوده اليسوعيّ

 

 

 

macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية