سر التثبيت

 

 

 

سرّ التثبيت 

مقدمة

 

1- ما هو سرّ التثبيت؟


إنه سرّ العهد الجديد، بواسطته، ومن طريق الدهن بالميرون ووضع اليد يتقوّى المعمّد بالنعمة ويوسم جنديًّا للمسيح. يأتي هذا السرّ ضمن "الأسرار المدخلة إلى الحياة المسيحيّة"، فهو من أسرار التنشئة التي تؤهِّل المؤمن الدخول في رباط وثيق مع الكنيسة، وبالتالي أن يأخذ ملء الرُوح وهكذا يتمّ "إنجاز نعمة المعموديّة".

 

يؤكّد ذلك المجمع الفاتيكاني الثاني في دستوره العقائدي في الكنيسة "نور الأمم" العدد 11 حيث يتحدّث عن المؤمنين الذين قبلوا المعموديّة ودخلوا في رسالة الكنيسة وتوثق ارتباطهم بها بواسطة سرّ التثبيت. يقول النصّ ما حرفيَّته:

 

"والمؤمنون الذين دخلوا في الكنيسة بالعماد قد اقتبلوا وسمًا يخّولهم حقًا العبادة الدينيّة المسيحيّة. ولمَّا أصبحوا أبناء الله بالميلاد الجديد، أخذوا على عاتقهم أن يقرّوا أمام الناس بالإيمان الذي اقتبلوه من الله بواسطة الكنيسة. ولقد غدا ارتباطهم وثيقًا بالكنيسة وذلك بواسطة سرّ التثبيت. واغتنوا بقوّة الرُوح القدس الخاصَّة، وهكذا صار عليهم بنوع خاص أن ينشروا الإيمان ويدافعوا عنه بالقول والفعل شهودًا حقيقيِّين للمسيح".

 

إذا يضفي هذا السرّ "قوَّة الرُوح القدس الخاصَّة"؛ هذا ما وعد به يسوع تلاميذه بأن يرسل لهم روح الحقّ الذي يُرشدهم إلى الحقِّ كلّه ويعلّمهم كلَّ ما علّمه إيّاه يسوع. فما وعد به يسوع، حقَّقه يوم العنصرة، أعطاهم الرُوح القدس الذي ظهر كريح شديدة فملأ البيت وظهرت ألسنة من نار فوق رؤوسهم وصاروا يتكلّمون بلغات (اعمال الرسل 2/ 1-13). الرُوح القدس هو فعلاً إصبع الله الذي يكمِّل العمل الإلهيّ في النفوس، ويظهر عمله في كلِّ الأسرار، وهنا في سرّ التثبيث. سرّ التثبيت هو امتداد للعنصرة الأولى.

 

 وإذا راجعنا كتاب أعمال الرُسل 8/ 15-17 نجد أنَّه، منذ ذلك الحين، أخذ الرُسل يضعون الأيدي على المعتمدين حديثاً، امتثالاً لارادة المسيح، ويمنحونهم موهبة الرُوح القدس مكمّلة نعمة المعموديّة. ومع الزمن أُضيف إلى وضع الأيدي هذا، مسحة بالزيت المعطّر الميرون، وهي ترمز إلى موهبة الرُوح القدس. من هنا جاء اسم "ممسوح، مسيحي"، نسبة إلى يسوع المسيح الذي "مسحه الله بالرُوح القدس". (اعمال 10/ 38).

 

من هنا جاءت تسميات هذا السرّ :

 

1) الميرون، أو ميرون الخلاص. (من حيث مادته).

 

2) وضع الأيدي أو الوسم بعلامة الصليب (من حيث مادته القريبة).

 

3) التثبيت أو الختم الربّي (من حيث مفاعيله) لذا أُعطيَ له أيضًا تسمية سرّ الكمال.

 

4) سرُّ المسحة (من حيث حركة المسح بالزيت).

 

 

2-  تاريخ هذا السر

هو مرتبط بحدث العنصرة. في القرون الثلاثة الأولى كان الأسقف يحتفل بالتثبيت ليلة عيد الفصح أو العنصرة كان المعمَّد عندما يخرج من الماء يأتي إلى الأسقف وكان أمَّا بوضع اليد أو مسحة الزيت المقدَّس كان يثبِّت هذا الشخص ويتمِّم هكذا عطيَّة الرُوح القدس.

لكن في نهاية القرن الثالث وكان قد كثر الأشخاص طالبي السرّ لم يعد يستطيع الأسقف أن يمنح الكلّ هذا السرّ، كان يكتفي بتكريس ماء العماد حيث ينزل الأشخاص طالبي العماد، وكانوا يخرجون أمَّا عند الكاهن ليكمل العمل باسم يسوع المسيح والكنيسة والأسقف، وذلك بوضع يد ومسحة زيت على الجبين.

 

مع مجيء القرن الرَّابع نعمت الكنيسة بالحريَّة وصارت الوثنيَّة تتلاشى وازدادت عمادات الأطفال وكان لا بُدَّ من الاختيار بين حلّين: العماد مباشرة بعد الولادة ومن ثمَّ التثبيت لما بعد بانتظار أوَّل زيارة تتمُّ للرَّاعي الأسقف. أو نربط التثبيت والعماد سويَّة ويُعطى الكهنة السلطان للاحتفال بسرّ التثبيت. الكنائس الشرقيَّة اختارت الحلِّ الثاني. الكنيسة الغربيَّة اختارت الحلَّ الأوَّل.

 

الكنيسة كانت تعيش مفاعيل الأسرار دون أن تعدها كما اليوم، العماد يعطي الرُوح القدس كما التثبيت، والسرّان يتطلّب واحدهما الآخر، كما الولادة تتطلّب النموّ، الحياة تتطلّب الصّحة، هكذا كلّنا تعمَّدنا وارتوينا لكنَّ التثبيت يؤكّد ويثبِّت المعموديَّة لنرتوي أكثر.

 

فالتثبيت يتعلّق بالعماد ويرسخه، وذلك:

 

1- العماد يحيينا، يدخلنا في العائلة الإلهيّة صرنا أبناء الله، التثبيت يجعلنا نحيي غيرنا بالشَهادة المسيحيَّة.

 

2- بالعماد الآب يوسمنا بشبه صورة ابنه: إنَّ الذين سبق فوسم إيَّاهم دعا والذي دعا إيَّاهم برّر. بالتثبيت يرسلنا لنتلمذ كلَّ الأمم: حين يأتيكم الرُوح القدس تنالون القوَّة وتكونون لي شهودًا في أورشليم وفي جميع اليهوديّة والسامرة وإلى أقاصي الأرض.

 

3- بالعماد نصبح تلاميذ يسمعون كلمة الله ليعملوا بها، بالتثبيت نصبح أنبياء علينا أن نذيع كلمة البشارة في بيئتنا: "ويكون في الأيّام الأخيرة أن أفيض روحي على كلِّ بشرٍ فيتنبَّأ بنوكم وبناتكم ويرى شبانكم رؤى ويحلم شيوخكم أحلاما...".

 

4- بالعماد نكفر بالشيطان وأباطيله بالتثبيت نتجدَّد بالرُوح: "أعطيكم قلبًا جديدًا (حزقيال) أعطيكم قلبًا من لحم أجعل روحي في أحشائكم... تكونون لي شعبًا وأكون لكم إلهًا".

 

5- بالعماد الكنيسة تكون لنا عائلة روحيَّة نستفيد من خيراتها المتنوِّعة، بالتثبيت تصبح الكنيسة لنا رسالة علينا أن نعرف كيف ننقلها للعالم لنبني مجتمعًا تسود فيه العدالة والأخوَّة.

 

6- بالعماد نلبس المسيح ليعيش فينا بالتثبيت نشع المسيح ليعيش في الآخرين.

 

7- بالعماد نعلن الحقيقة الإيمانيّة، بالتثبيت مدعوُّون نحن للتعمّق فيها وفهمها فهمًا كاملا: "حين يجيء روح الحقّ هو يقودكم إلى جميع الحقّ ويطلعكم على ما سيكون".

 

8- بالعماد نصبح أعضاء المسيح، بالتثبيت نصبح جنود المسيح.

 

9- بالعماد يسكن الرُوح القدس في نفوسنا، بالتثبيت يزيّن نفوسنا ويغنيها بالمواهب الخاصَّة ويمنحنا ملء الرُوح القدس.

 

10- بالعماد نُمنح حياة النعمة، بالتثبيت تنضج فينا حياة النعمة.

 

السرَّان يتكاملان. يخبرنا أعمال الرُسل 8: لما سمع الرُسل أنّ السَامريِّين قبلوا كلمة الله أرسلوا إليهم سمعان بطرس ويوحنّا، فانحدرا وصلّيا عليهم ليقبلوا الرُوح القدس لأنَّه لم يكن قد حلّ بعد على أحدٍ منهم، ولكنّهم كانوا قد اعتمدوا باسم ربّنا يسوع المسيح، فوضعا عليهم الأيدي فقبلوا الرُّوح القدس.

 

يقول القدّيس توما الأكويني أنَّ سرَّ التثبيت هو للمعموديّة ما هو النمو للولادة. هو العنصرة الجديدة لملء الرُوح القدس، السرّ الذي يجعلنا نفكّر ونرى ونسمع ونتكلّم ونتنفس ونعمل ونتحرّك في الرُوح القدس.

 

 

3- ما هي المراجع الكتابيّة التي تؤكِّد فرادة سرِّ التثبيت وتكامله مع المعموديَّة؟

 

يؤكِّد الإنجيل هذا التكامل كما يؤكِّد وحدة سرِّ التثبيت وفرادته، بحيث يقول أنَّ سيِّدنا يسوع المسيح بعد أن عمَّده يوحنّا المعمدان قبل الرُوح القدس بصورة محسوسة فأشار بذلك أنّ تلاميذه يقبلون بعدئذ الرُوح ذاته (لوقا 3/ 21-23)، كما قد وعد مرَّات عديدة في حياته وبالأخص عند العشاء السرّي أن رسله وجميع الذين يؤمنون به، يقبلون الرُوح القدس الذي يعلّمهم ويثبتهم في الإيمان ويثبت معهم حتى يعترفوا بالإنجيل أمام البشر. وبما أنّ النعمة في العهد الجديد تُعطى بواسطة علامة حسيّة فيُمكننا أن ننتظر بكلِّ حقّ أنَّ الرُوح القدس يُعطى لنا بعلامة حسّية أي بسرٍّ ما.

 

 

يقول يسوع في لوقا 11/ 13: "فإذا كنتم أنتم الأشرار تعرفون أن تُعطوا العطايا الصالحة لابنائكم، فما أولى أباكم السَماوي بأن يَهَبَ الرُوح القدس للذين يسألونه". (لوقا 12/ 12 و 24، 48؛ ويوحنا 14/ 16 و 15/ 26)، أمَّا في إنجيل يوحنّا، فعندما هتف يسوع في آخر العيد ينادي أن يأتي إليه العِطاش لكي يشربوا، فإنّه يؤكّد علامة حضور الرُوح القدس وهي "ستجري من جوفه أنهار من الماء الحيّ". وأراد بقوله الرُوح الذي سيناله المؤمنون به، فلم يكن هناك بعد من روح، لأنَّ يسوع لم يكن قد مُجّد (يو 7، 38-39).

 

أمّا كتاب أعمال الرسل فإنّه يؤكّد أنّ الرُوح القدس الذي وعد به يسوع تلاميذه قد أُعطيَ لهم في عليّة صهيون يوم العنصرة وكانت مريم العذراء معهم (اعمال 2/ 3). وبالإضافة إلى هذه العطيَّة نعلم من كتاب الأعمال أن جميع المؤمنين كانوا يحصلون على هذه العطيَّة، عطيَّة الرُوح. في سفر الأعمال 8/ 12-18، نجد أنَّ كثيرين من السامريِّين، رجالا ونساء كانوا قد قبلوا المعموديَّة من فيليبّس، ثمّ ذهب بطرس ويوحنّا من أورشليم لكي يمنحوهم الرُوح القدس بواسطة وضع الأيدي. وهذا إذاً يدلّ على أنَّ كُلاًّ من السرّين، العماد والتثبيت كان له فرادته، ولكن جاء الآخر لكي يمنح الأوَّل نعمته ويكمل مسيرته.

 

أمّا مار بولس فلقد وجد في أفسس بعض التلاميذ التابعين ليوحنّا المعدان فعمّدهم أوَّلاً ومن ثمّ وضع اليد عليهم ليقبلوا الرُوح القدس. (أعمال 19/ 1-6). وتعود الرِّسالة إلى العبرانيِّين لتذكير أنَّ هذا السرّ سرّ التثبيت أو وضع اليد لإعطاء الرُوح القدس، كان معروفًا ومستعملاً مثل طقس يكمل سرّ العماد، فتتحدَّث الرِّسالة عن وضع الأيدي (6/ 2) بعد أن تتحدّث عن العماد الذي كان يشترك المؤمنون بالرُّوح القدس.

 

 

4- ما هي رموز هذا السرّ؟

إنّ الرموز والعلامات التي تستخدم في سرِّ التثبيت متعدِّدة وهي تضفي على الإحتفال به المعاني الغنيَّة:

 

أ - وضع اليد: هذه الحركة قديمة جداً في الاستخدام الطقسي، إنّها علامة لحلول الرُّوح القدس باسم الله، يصبح الإنسان موضوعًا تحت تأثير إلهيّ. ففي العهد الجديد ترتدي هذه الحركة معاني البركة ومنح النعمة والتكريس: كان يسوع يضع يده على المرضى فيشفيهم، مثلاً ابنة يائيرس، إذ قال أبوها: "ضع يدك على ابنتي فتبرأ"، كذلك الرسل كانوا يضعون أيديهم على المرضى فيشفون. كذلك كانوا يضعون أيديهم على المعمّدين لينالوا عطيَّة الرُوح كما شرحنا في كتاب أعمال الرُسل الفصل الثامن.

 

تعطي اذاً هذه الحركة تعبيرًا صريحًا عن عطيَّة "ملء الرُوح القدس" التي يفيضها الله على النفس التي تقترب منه، ففي أثناء رتبة التثبيت يقول الأسقف بعد أن يكون قد بسط يديه على مجموع المستعدين للتثبيت، حسب الطقس الرُّوماني: "أيُّها الإله الكلّي الجودة أنظر إلى هؤلاء المعمَّدين الذين نضع عليهم أيدينا: لقد اعتقتهم من الخطيئة بالمعموديَّة ووهبتهم أن يولدوا ثانية من الماء والرُوح. أفِض الآن عليهم روحك القدوس، حسب وعدك. أعطِهم ملءَ الرُوح الذي نزل على ابنك يسوع: روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوَّة، روح المعرفة والمحبَّة البنويَّة. املأهم من روح مخافة الله بيسوع ربِّنا" (التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية عدد 1299).

 

ب - المسح بالزيت، أي المسحة. ويشرح كتاب التعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيَّة في الأعداد 1293 – 1296 معاني هذه المسحة ومفاعيلها كما يلي:

 

المسحة في الرموز الكتابيّة والغابرة، مشحونة بالمعاني: فالزيت هو رمز الوفرة (تثنية الإشتراع 11/ 14) والبهجة (مزمور 23/ 5 و 104/ 15) ووسيلة تنقية (المسحة قبل الغسل وبعده) ومرونة (مسحة الرياضيين والمصارعين)، وهو علامة شفاء، بدليل أنّه يخفِّف الكدمات والجروح (أشعيا 1/ 6 ولوقا 10/ 34)، ويضفي على الجسد جمالا وصحّة وقوّة.

 

كلّ هذه المعاني المرتبطة بمسحة الزيت نجدها في الأسرار. فالمسحة قبل المعموديَّة بزيت الموعوظين ترمز إلى التنقية والتقوية؛ مسحة المرضى تُشعِر بالبُرء والإبلال من المرض. والمسحة بالزيت المقدّس بعد المعموديّة في سرّ التثبيت والسيامة الكهنوتيَّة، هي علامة تكريس...

 

بهذه المسحة ينال طالب التثبيت "سمة" الرُوح القدس و "ختمه". فالختم هو رمز الشخص (تكوين 38/ 18 ونشيد الأناشيد 8/ 6)، وعلامة سلطته (تكوين 41/ 42)، وامتلاكه لأغراض ما (تثنية 32/ 34). هكذا كانوا يَسِمون قديما الجنود بوسم زعيمهم، والعبيد بوسم سيّدهم؛ وهذا مصداق فعل قانوني (1 ملوك 21/ 8)، أو وثيقة (ارميا 32/ 10)، يُضفي عليها طابع السرّية (اشعيا 29/ 11).

 

المسيح نفسه يعلن ذاته مثبتاً بختم أبيه (يوحنا 6/ 27). والمسيحيّ هو أيضاً ممهور بختم: "أن الذي يثبتنا وإياكم للمسيح والذي مسحنا هو الله، وهو الذي ختمنا بخاتمه وجعل في قلوبنا عربون روحه" (2 كور 1/ 21-22). ختم الرُوح القدس هذا هو علامة الانتماء الكامل إلى المسيح والتطوّع لخدمته على الدوام.

 

ج - العرّاب: إنّه الشّخص الذي يختاره الذي يستعد للسرّ، وهو إلى جانب الأب يلعب دور الأب الروحيّ؛ يقف إلى جانب قابل السرّ ويضع يده على كتفه ليعبّر له أنّه إلى جانبه وسيساعده في مسيرته، فهذه الحركة ليست إلاّ رمزاً خارجياً للمعنى العميق لوجود العرّاب. إن الشروط المفروضة للقيام بوظيفة العرّاب عديدة وهي:

 

1) أن يكون العرّاب مثبتاً وبالغاً وله نيّة قبول هذه الوظيفة.

 

2) ألا يكون عضوًا إلى أي شيعة أو هرطقة وألا يكون مقاصصًا بواسطة حكم صدر عليه بالتأديبات الكنسيّة كالحرم مثلاً أو المنع.

 

3) ألا يكون أب أو أم أو زوج طالب التثبيت.

 

4) أن يعينه طالب التثبيت إذا كان بالغًا، أو والداه اذا كان قاصرًا أو أوصياؤه في حال غياب الوالدين أو رفضهما أن يعيّنه مانح السرّ أو الرعيَّة.

 

5) أن يمسّ طالب السرّ مسًّا طبيعيًا وقت منح السرّ رمزًا لحضوره إلى جانبه وتعبيرًا عن دوره في مرافقة مسيرة إيمانه.

 

 

5- مفاعيل سرّ التثبيت؟ 

يحدّد كتاب التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكيّة في العدد 1302 مفاعيل التثبيت وأوَّلها "إفاضة الرُوح القدس الخاصَّة"؛ ثمَّ يعود ليُعدّد في العدد 1303 نتيجة هذه العطيَّة الخاصَّة التي تحدِّد مفاعيل هذا السرّ:

 

1) إنماء نعمة المعمودية وترسيخها.

 

2) ترسيخنا ترسيخاً أعمق في البنوَّة الإلهيَّة.

 

3) يزيد ثباتاً في اتِّحادنا بالمسيح.

 

4) يزيد مواهب الرُوح القدس فينا.

 

5) يجعل ارتباطنا بالكنيسة أكمل.

 

6) يمنحنا قوَّة خاصَّة من الرُوح القدس لنشر الإيمان ونزود عنه بالكلام والعمل فعل شهود للمسيح حقيقيِّين، ونعترف باسم المسيح بشجاعة ولا نستحي أبداً بصليبه.

 

وإذا أردنا التوسّع أكثر في فهم هذه المفاعيل، نشرح ما يلي:

 


أولاً، ختم الرُوح القدس، يعني ترسيخ أعمق بالبنوَّة الإلهيَّة التي من خلالها كلّ إنسان يقدر أن يقول أبَّا يا أبتاه. هذا الختم يزيد الإنسان ثباتاً بالإتِّحاد مع المسيح يزيده ارتباطاً بالكنيسة أكثر يمنحه قوَّة خاصَّة بالرُوح القدس لينشر الإيمان ويدافع عنه بكلامه وأعماله. يعطي السِمَة الروحيَّة التي لا تبلى، قوَّة من العلاء، كهنوت المؤمنين.

 

ثانيًا،هو نمو مطرد، والحياة الرُوحيَّة هي إكمال في يسوع المسيح.  وهذا ما يدفعنا إليه التثبيت، ينمي فينا الزرع الذي وضعه الله فينا. الأغصان تأخذ غذاءها لتكبر، حبَّة الخردل تصبح شجرة. وتصبح كلّ الخليقة كلاً في الكلّ.

 

ثالثًا، شهادة الإيمان والرِّسالة، هو الرُّسوخ في الإيمان لنقدر أن  نشهد له. قال يسوع: حين يأتيكم الرُوح القدس تنالون القوَّة وتكونون لي شهودًا إلى أقاصي الأرض. هنا دعوة العلمانيِّين إلى العمل الرَّسوليّ في العالم من أجل أن يحلَّ ملكوت الله على الأرض. نعمة التثبيت تظهر أنَّ الكنيسة أخذت العالم على عاتقها لتؤهِّله إلى عيش ملكوت الله. نعمة خاصَّة للمسيحيّ أن يقوم برسالة التبشير في العالم.

 

رابعًا، منح مواهب الرُوح القدس، سرّ التثبيت يمنح كلَّ إنسان مواهب الرُوح القدس. يقول المسيح: الرُوح يعلّم الرُسل كلَّ شيء، يذكّرهم جميع ما قاله يسوع ويرشدهم إلى الحقيقة كلّها. (بولس): في الرُوح لا يعوزنا شيء. (يوحنا) المسحة تثبت فينا وهي تمنحنا ادراك الحقيقة ومعرفة كلّ شيء.

 

مواهب الرُوح 

أربعة تمنح نور المعرفة وثلاثة قوَّة التنفيذ: روح الحكمة لتذوق الأمور الروحيَّة، روح الفهم يسهِّل على الإنسان الإيمان بالأسرار، فهم الكتاب المقدَّس وكلام المسيح. روح العلم، لفهم العلاقة القائمة بين الخالق والمخلوق وكيف أنَّ الخليقة طريق إلى الخالق. المشورة أي تنويرنا في الظروف الصعبة. روح القوَّة تقوية لارادتنا في الصعوبات والقوَّة فضيلة الصبر والاحتمال والوداعة. التقوى تعلّمنا أبوَّة الله وواجب المحبَّة البنويَّة والاحترام له والتضحية. المخافة التي تجعلنا نتحاشى أن نجرح الله بقلّة محبَّتنا واستغلال رحمته.

 

 

الاحتفال بسرّ التثبيت

يحدّدها كتاب التعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيّة في الأعداد 1297 – 1301، وهذا مختصر ما يقوله:

توجد لحظة مهمّة تسبق الاحتفال بهذا السرّ، وهي جزء منه هي تكريس الزيت المقدّس، والأسقف هو الذي يكرِّسه لكلِّ الأبرشيَّة. في الطائفة المارونيَّة غبطة البطريرك يكرِّس الزيت للجميع يوم خميس الأسرار. وهذه الليتورجيّة تعبر عن استدعاء الرُوح القدس للتكريس.

 

من بين الصَلوات: أيُّها الآب أرسل روحك القدوس علينا وعلى هذا الزيت الذي بين أيدينا قدّسه ليكون لجميع الذين يمسحون ويختمون به ميرونا مقدَّسًا، ميرونًا كهنوتيًّا ميرونا ملكيا، مسحة بهجة، ثوب نور وحلّة خلاص والعطيَّة الروحيَّة وتقديسًا للنفوس والأجساد والسعادة التي لا تبلى والختم الذي لا يُمحى ودرع الإيمان والخوذة الرهيبة لصدِّ كلِّ غزوات العدوّ.

 

وعندما يحتفل بسرّ التثبيت مفصولاً عن سرّ العماد كما في الطقوس اللاتينيّة، تبدأ الليتورجيّا بتحديد وعود المعموديّة وبإعلان الإيمان لقبول السرّ. وقبل الإحتفال يكون تحضير خلال سنة بالوعظ والتعرّف على كلمة الله.

 

الرتبة في الطقس المارونيّ: مسح الزيت على الجبين، اللاتيني: بسط اليد على مجموعة المستعدين علامة استدعاء الروح القدس وإفاضته على الموجودين.

 

أيُّها الآب الفائق الصَلاح أبو ربّنا يسوع المسيح أنظر إلى هؤلاء المعمدين الذين نضع أيدينا عليهم لقد أعتقتهم من الخطيئة بالمعموديّة ووهبتهم أن يولدوا ثانية من الماء والرُوح أفِض الآن عليهم روحَك القدوس حسب ما وعدت أعطهم ملءَ الرُوح الذي نزل على ابنك روح الحكمة والفهم روح المشورة والقوَّة روح المعرفة والمحبَّة البنويَّة واملأهم من روح مخافة الله بيسوع المسيح.

 

بعدها يمرُّ كُلُّ شخص أمام الأسقف ويختم بالزيت على الجبين علامة قبول ختم موهبة الرُوح القدس، وتختم الرتبة بقبلة السَلام التي ترمز إلى الشركة الكنسيَّة بين الأسقف والمؤمنين.

 

في الطقس الشرقي اختصرنا الاحتفال بختم ٍ بالزيت على جبهة الطفل بعد المعموديّة. لكن الاختصار لا يخفِّف من قيمة السرّ أو نعمته أو مفعوله.

 

 

7- ما هو الميرون؟

إنّه مصنوع من زيت الزيتون وليس من زيت آخر، وهذا الزيت يشير إلى القوَّة التي تُمنح للمثبتين فإن الأبطال كانوا يُدهنون بالزيت. ويشير أيضاً إلى صفاء الضمير الصَّالح، كما يُشير إلى كمال النعمة، لأنَّ الزيت المائع والدّسم يدلّ على فيضان النعمة من قبل يسوع المسيح رأس الكنيسة.

 

يجب أن يُخلط الزيت بالبلسم، وهذا ضروريّ للدلالة على الفضائل الطيبة التي يتحلّى بها قابل السرّ لتقديس نفسه وبناء الآخرين.

 

 

الختام

أجمل ما تختم به لقاءنا هي عبارات بولس لتلميذه تيطس 3/ 3-7: "وإنّا نحن أيضاً كنّا حينا أغبياء كفرة ضالّين مستعبدين لشهوات ولذّات شتّى جارين على الخبث والحسد ممقوتين مبغضين بعضنا لبعض. فلمّا تجلّى لطف الله مخلّصنا ومحبَّته للناس، خلّصَنا هو لا اعبتاراً لاعمال برّ عملناها بل لرحمته بغسل الميلاد الثاني وتجديد الرُوح القدس الذي أفاضه علينا بكثرة يسوع المسيح مخلّصنا، لكي نتبرر بنعمته فنصير ورثة على حسب رجاء الحياة الأبديَّة".

 

أمّا السؤال للتأمل الفرديّ فهو:

 

"فهمنا أن سرّ التثبيت يفيض فينا قوّة النعمة أي نصبح جنودًا للمسيح ويصير رباطنا بالكنيسة وثيقاً ونأخذ ملء الروح ونحمل رسالة نشر الإيمان بدون خوف ولا خجل. كيف نحقّق عملياً كلّ هذا؟

 

الأب مارون مبارك 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية