صعد إلى السماء وجلس عن يمين الآب

 

 

صعد إلى السَّماء وجلس عن يمين الله الآب الضابط الكلّ

 

عندما نقول إنّ يسوع، القائم من الأموات، "صعد إلى السَّماء"، فلا نعني بذلك حدثًا مرتبطًا بمكان، بل نركّز على عودته إلى نقطة انطلاق رسالته، حاملًا معه كلّ جنى العالم من ثمار تلك الرِّسالة. وما جاء في الكتاب المقدّس حول هذا الموضوع يؤكّد أنّ المسألة ليست مسألة تبديل في المكان. فحين يَظهر يسوع لمريم المجدليّة المغرَوْرِقة بدموعها ولا يسمح لها بالإمساك به لأنّه لم يَصعد بعد إلى أبيه، فإنّما يريدها أن تَشهد أمام الرُّسل على هذه الديناميّة بالذات.

وإنْ هو، في نهاية الأربعين يومًا، قد صعد بمرأى من تلاميذه إلى السَّماء وهو يباركهم، فلكي يجعل أمام أعينهم على نحوٍ حسّيّ أنّ الزمن، الذي لم يكن أُوحي السرُّ فيه بعد، قد انتهى. ذلك بأنّه وصل الآن بعمله إلى تمامه لأنّه صار – الآن أيضًا – كائنًا سماويًّا.

 

وإذا به يفسّر لهم الكتب، ويعود فيحتفل معهم بالإفخارستيّا، ويختار بطرسَ راعيًا لقطيعه، ويعِد بأنّ الحبّ، الذي يرمز إليه يوحنّا، سيبقى في الكنيسة حتّى عودته. ومن الغباء أو الادّعاء الظنُّ أنّ اتّحاد القائم من الأموات بالآب لم يتمّ إلّا في نهاية تلك الأيّام الأربعين.

 

وعندما نقول أنّ يسوع القائم قد "جلس عن يمين الله"، فإنّنا بطبيعة الحال نلجأ إلى المجاز تعبيرًا عمّا وصلت الطبيعة الإنسانيّة من رفعةٍ فائقة، حتّى أنّها شاركت في جلال الآب. وعبارة "عن يمين" تشير إلى ما يؤدَّى إلى تلك الطبيعة من إكرام، ومِثلها تُشير صورةُ الجلوس. فإسْطفانُس، وهو يُلم روحه، شاهَد "ابنَ الإنسان قائمًا عن يمين الله"، ممّا يعني أنّ الممجَّد مستعدّ للعمل كأنّه يتهيّأ ليأخذ إلى جواره مَن يُرجم.

 

ومن هذا المنطق الديناميّ، يصعب التصوّر أنّ بولس، الذي روى ثلاث مرّات ما حدث له على طريق دمشق (أع 9، 22، 26)، قد رأى يسوع جالسًا. وهو يصفه في مكانٍ آخر ملكًا يمارس سلطانه "حتّى يجعل جميع أعدائه تحت قدميه" (1 قور 15: 25). كما أنّ سفر الرؤيا يروي أنّه فارس يمتطي جوادًا أبيضَ ويحارب القوى التي تناوئ المسيحيّين (رؤ 19: 11-16).

وعليه يصحّ القول إنّ ابن الإنسان، بعد وصوله في ذاته إلى الاكتمال، يتابع العمل من خلال تاريخ العالم حتّى "ينمو" الكلّ في اتّجاه ذاك الذي هو الرأس، المسيح (أف 4: 15). وهكذا، فما قاله يسوع الأرضيّ إنّه يفعل ما يرى الآب يفعله، لا يزال ساري المفعول وسيظلّ أبدًا (يو 5: 19 وما يليها). ففي الحياة الأبديّة الراحةُ والعمل متطابقان، وإنّها الطريقة الوحيدة لتكون حياةً حقًّا.

 

إنّ الذي رُفع إلى السَّماء يشارك "الضابطَ الكلّ" سلطانه، لأنّ الآب "جَعَلَ القضاءَ كلّه للابن، لكي يُكْرِمَ الابنَ جميعُ الناس كما يكرمون الآب" (يو 5: 23).

وهل من قدرةٍ أعظم من تلك التي تقضي في أخصّ ما في سرّ كلّ  إنسان، وتُنِيله بالتالي المصيرَ الأزليّ الذي يعود له؟

 

إنّ القدرة الكليّة (التي "تضبط" كلّ شيء) هي أبعد من أن تكون – كما يتخيّله الناس – تبديلَ الأمور بحسب الإرادة الشخصيّة، علمًا أنّ يسوع برهن من خلال معجزاته أنّه من هذا القبيل قدير. بل هي أكثر من ذلك بكثير، فإنّها القدرة على تحريك حرّيّة القلوب بدون التعدّي عليها، وعلى التوصّل إلى الحصول منها، بالقدرة السرّيّة الصادرة عن النعمة، على أن تقول بحرّيّةٍ "نَعَم" لما هو الخير حقًّا.

كان من عادة آباء الكنيسة القول إنّ نعمة الله لا تفعل عن طريق العنف والضغط بل من طريق "الإقناع"، إذ توصي باختيار ما هو الأفضل، وتهب الإرادةَ الإنسانيّة الضعيفة القوّة التي تمكّنها من قبول باقتناعها الخاصّ وسلطانها الخاصّ.

 فإلى أيّ حدٍّ تستطيع الإرادة الخاطئة مقاومةَ قدرة الخير على الإقناع؟ هل إلى حدّ النهاية؟ ومعرفة ذلك لا يقوى عليها إلّا ديّان القلوب الكلّيّ القدرة.

 

 

الأب هانس اورس فون بلستار

 

 

macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية