عطيَّة آباء الأرض وعطيّة أبينا السماويّ

 

 

عطيَّة آباء الأرض وعطيّة أبينا السماويّ

 

مقدمة

في زمن العنصرة، تدعونا الكنيسة لنتأمَّل بدور الرُّوح القدس الذي هو عطيَّة الله للإنسان وموزِّع المواهب في سبيل بنيان جسد المسيح. ألم يَبنِ الرُّوحُ جسد المسيح في جسد مريم؟

أليس هو الذي حلَّ على مريم فحملت في حشاها ابنَ الله؟

لا يقوم جسد المسيح من الموت إلّا كما تكوَّن في مريم بفعل الرُّوح القدس.

إنَّ الرُّوحَ الذي أقام يسوع من بين الأموات يحيي أجسادنا (روم 8/ 11).

 

 

عطيّة الآب بالمسيح يسوع

الآب  السماويّ هو الذي يُعطي ما لم تَرهُ عين ولا سمعت به أذن. إنّه الذي يعطي الرّوح. رغم الشرّ الذي فينا، نحن آباء الأرض، نعرف كيف نعطي العطايا الصالحة، فما أحرى أن يُعطينا أبونا الذي في السّماء الرّوح القدس.

 فلو قرأنا انجيل متّى، لوجدنا أنّ الآب السماويّ يُعطي الصالحات للذين يسألونه (متى 7/ 11).

فالرُّوح هو عطيَّة الآب الذي في السماء، للإنسان الذي على الأرض.

 قبلت مريمُ الرّوح فأصبحت أمَّا للمسيح. وإذا قبِلنا نحن الرُّوح من الآب، حَملْنا إلى العالم يسوع المسيح. فبهذا الرّوح نعرفُ مَن هو يسوع ونعترف بأنَّه الرَّبّ. وبغير هذا الرّوح لا يُمكن أن نعرفَ من هو يسوع ولا أن نعترف به (1 قور 12/ 13). إنّنا، مع مريم وعلى مثالها، قبِلنا الرُّوح فنِلنا يسوع ذخيرة من الآب، ومعها وبالرّوح الذي قبلته مريم من الآب، عرفنا يسوع واعترفنا أنّه الربُّ المسجود له إلى الأبد.

 

 

الرُّوح القدس والجسد

ذهب يسوع إلى الآب ليُرسل المعزّي. أليسَ هو القائل: "أقول لكم الحقّ: خيرٌ لكم أن أمضي. فإذا لم أمضِ فلن يأتيكم البارقليط، وإذا مضيت أرسلتُهُ إليكم" (يو 16/ 7).

 

يسوع يصعد إلى العلى ليُرسل لنا الرُّوح، هذا هو المعنى الذي يعطيه القدِّيس بولس للمزمور 68/ 19. من السَّماء أرسل يسوع روحهُ ووزَّع المواهب على بني البشر. لا يُبنى جسدُ المسيح فقط في حشا العذراء مريم ولا في القربان فقط، بل أيضًا في الكنيسة.

الكنيسةُ هي جسد المسيح الذي يُبنى كي يبلغ الإنسان ملءَ قامة المسيح.

المواهب هي عطايا الرُّوح في سبيل بنيان جسد المسيح. المواهب كثيرة وكلّها تصبُّ في خدمة الجماعة. هذا كلّه يتمُّ بتحقيق المحبَّة والسَّلام بين الجميع.

 

 

واليوم؟

واليوم، أين تجلّيات الرّوح؟ أين المواهب؟ أين وحدة الجسد؟ كيف تبدو حقيقةُ الإيمان الواحد والمعموديَّة الواحدة والرّجاء الواحد؟

 

هي أسئلة تطرح نفسها على ضمير كلِّ واحدٍ منّا. بحلول الرُّوح القدس على العذراء مريم تجسَّدَ الابن فيها. وبحلول الرّوح القدس يتجسَّد الابن في الجماعة الكنسيّة وتصبح البشريّة جماعة روحيّة يتجلّى المسيحُ فيها. والكنيسة تُبنى بما يمنح اللهُ أبناءَها من مواهب الرُّوح.

 فأين نحن من ما منحنا اللهُ من مواهب؟ ماذا نعمل بعطايا الله؟

 هل نخبِّئها في الأرض كما فعلَ صاحبُ الوزنة الواحدة (متى 25/ 24-29)؟ هل نتاجر بها كما فعل صاحبا الوزنتين والوزنات الخمس (متى 25/ 13-23)؟ إنّه من غير الممكن أن يتهرَّب الإنسانُ من الحقيقة. لقد أغدق اللهُ على كلِّ واحدٍ منّا مواهبَ الرّوح. كيف نستفيد من مواهبنا ونُفيد؟ هل أعترف بالمواهب التي منحها اللهُ للآخر، وأقبل بتواضع، أن أستفيد ممَّا منحهُ الله، ولا أرفض بكبرياء، النعمة التي أهدِيَت للكنيسة من خلاله؟ هل أعرف أن أسخِّر كلَّ ما منحني اللهُ من مواهب في سبيل الجماعة؟ هل أؤمن بأنّني "قناة نعمة"؟

هل أهدم أهرائي وأبني أكبرَ منها لأخزِّن ما حباني الله من المواهب (لو 12/ 13-21)؟ كيف أقبل مواهبَ الرّوح وأعطيها للآخر؟ مريم أمامي هي المثال: يسوع هو موهبة الرُّوح لها، حملته فورًا إلى نسيبتها أليصابات. وهل أعي تمامًا، أنَّ الرُّوح يكوِّن فيَّ وفي الكنيسة المسيح يسوع؟

ماذا أعمل بيسوع الذي فيَّ وفي الكنيسة؟

هل أجعلُ من بيت القربان أهرائي التي أخفي فيها يسوع؟

هل أحمل يسوع الذي قبلتُه في المعموديّة، والقربان إلى إخوتي البشر، كما حملتهُ مريم إلى أليصابات؟

 

هلّا جلستُ كلَّ ليلة، أسأل نفسي: ما الفُرص التي أعطاني اللهُ اليومَ، لأبني جسد المسيح بالرُّوح القدس؟

هل قرأتُ اليوم، كلمة الله وتأمّلتُ بها؟ هل تأمّلت بما يعطيني روحُ المسيح في تفاصيل أحداث حياتي، اليوم؟

هل سعيتُ من خلال ما أتاني، أن أبني جسد المسيح؟ هل أعطيتُ الآخرين ما أعطاهم اللهُ، من أجلهم ومن أجلي؟ هل رغبتُ بطمع، بعطايا الله دون ثقة منّي بأنّه يُعطي دائمًا، كما فعل الذين كانوا يجمعون المنَّ يوم السبت؟

 هل قتلتُ موهبة الله التي فيَّ لأنّني خفتُ أن أخسرها أذا بذلتُ في سبيل الآخر؟ أليست ذاتي هِبةً من الله؟ أليس يسوع هو مَن قال: "من أراد أن يُخلّص نفسه يُهلكها ومن يُهلك نفسه من أجلي ومن أجلِ البشارة يجدها" (مر 8/ 35)؟

 

إذا وضعت ذاتي، وذاتي هي هبة من الله، في خدمة الآخر وجدتُ ذاتي وخلّصتها ووجدتُ الآخرَ وخلّصتُهُ.

الرّوحُ واحد مهما تعدّدت المواهب. المواهب تتعدّد لخدمة الجسد الواحد، جسد المسيح الذي هو الكنيسة (1قور 12/ 13). فليحتمل كلُّ واحدٍ منّا الآخر بالمحبّة وليصبر كلُّ واحد منّا على أخيه، لأنّنا معًا، حجارةٌ مرصوفة في بناء جسد المسيح، بقوّة الرُّوح القدس.

 

الخوري داود كوكباني

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية