عقلانيّة الإيمان بالله

 

 

عقلانيّة الإيمان بالله

 

 

 

يسمح الإيمان بمعرفةٍ لله أصيلة تُشرك كامل الشخص الإنسانيّ: إنّها “sàpere”، (باللاتينية) أي معرفة تعطي طعمًا وملحًا للحياة، ونكهة جديدة للوجود، ووسيلة بهيجة للبقاء في العالم. يعبِّر الإيمان عن نفسه في وهب الذات للآخرين، في الإخاء الذي يجعلنا متضامنين، قادرين على المحبّة، متغلّبين على الوحدة التي تجعلنا حزانى. ليست معرفة الله هذه من خلال الإيمان بالتالي فكريّة فحسب، بل حيويّة.

 

إنّها معرفة الله المحبّة، بفضل محبّته نفسها. ومن ثمّ تجعلنا محبّة الله نرى، إذ تفتح أعيننا، وتسمح بمعرفة الواقع بكامله، ما وراء وجهات النظر الضيّقة للفردانيّة والذاتيّة التي تربك الضمائر. إنّ معرفة الله بالتالي هي خبرة إيمان تنطوي في الوقت نفسه على مسيرة فكريّة وأخلاقيّة، فنتغلّب، بعد أن يكون حضور روح يسوع فينا قد لمسنا بعمق، على آفاق أنانيّتنا حتّى ننفتح على القيم الحقيقيّة للوجود.


أريد أن أركِّز في هذا التعليم على عقلانيّة الإيمان بالله. لقد رفض التقليد الكاثوليكي منذ البداية ما يسمّى بالإيمانيّة، وهي الرغبة في الإيمان ضدّ العقل. Credo quia absurdum (أؤمن لأنّه غير معقول) ليست الصيغة التي تفسِّر الإيمان الكاثوليكي. فالله ليس منافيًا للعقل، بل يمكننا القول إنّه سرّ (mystère). والسرّ، بدوره، ليس بغير عقلانيّ، بل هو وفرة معنى ومغزى وحقيقة. إذا رأى العقل الظلام في نظره إلى السرّ،، فليس لأنّه لا يوجد نورٌ في السرّ، بل بالأحرى لأنّ هناك الكثير من النور.

 

كما عندما تتجّه عينا الإنسان مباشرةً نحو الشمس للنظر إليها، فتريان الظلمة فقط؛ ولكن مَن يمكنه القول إنّ الشمس ليست منيرة، لا بل مصدر النور؟ يتيح لنا الإيمان النظر إلى “الشمس”، إلى الله، لأنّه اقتبال لوحيه في التاريخ، ويمكننا القول، لأنّه يتلقّى حقًّا كلّ إنارة سرّ الله، معترفًا بالمعجزة الكبيرة: لقد اقترب الله من الإنسان، قدّم نفسه كي يتعرّف عليه، بقبول محدوديّة عقله الخليقيّة (المجمع المسكونيّ الفاتيكاني الثاني، الدستور العقائديّ كلمة الله. Dei Verbum,13).  

 

في الوقت نفسه، يُنير الله العقل بنعمته، ويفتح له آفاقًا جديدة، غير قابلة للقياس ولامتناهية. لهذا السبب، يشكِّل الإيمان حافزًا للبحث الدائم، وعدم التوقّف وعدم الهدوء أبدًا في الاكتشاف الذي لا ينضب للحقيقة والواقع. إنّه لزائفٌ حكمُ بعض المفكِّرين المعاصرين المسبق، الذين يقولون إنّ عقائد الإيمان تجمّد العقل البشريّ. فالعكس تمامًا هو الصحيح، كما أظهر ملافنة التراث الكاثوليكيّ الكبار. فقد بحث القدّيس أغسطينوس، قبل توبته، بقلق كبير عن هذه الحقيقة، من خلال كلّ الفلسفات المتاحة ووجدها جميعًا غير مرضية. وكان بحثه المضني العقلانيّ بالنسبة له تربية ذات مغزى للّقاء مع حقيقة المسيح.

 

فعندما يقول «اِفهمْ لتؤمن وآمِن لتفهم» (خطاب 43، 9: PL 38، 258)، لكأنّه يروي خبرته في الحياة. ليس الفكر والإيمان غريبَين أو خصمَين أمام الوحي الإلهيّ، بل كلاهما من شروط فهم معناه، لتلقّي رسالته الأصيلة، بالاقتراب من عتبة السرّ. ويشهد القدّيس أغسطينوس، جنبًا إلى جنب مع العديد من المؤلِّفين المسيحيّين الآخرين، بإيمان يُمارَس بالعقل، يفكِّر ويدعو إلى التفكير. على هذا المسار، يقول القدّيس أنسيلموس في كتابه Proslogion إنّ الإيمان الكاثوليكيّ هو fides quaerens intellectum (إيمان يبحث عن العقل) حيث البحث عن العقل هو عملٌ داخليّ في الإيمان. سيكون خاصّةً القدّيس توما الأكوينيّ – مستقينًامن هذا التقليد – مَن يتعامل مع فكر الفلاسفة، مبيِّنًا مدى الحيويّة العقلانيّة الجديدة التي تأتي إلى الفكر الإنسانيّ من خلال التطعيم بمبادئ الإيمان المسيحيّ وحقائقه.

الإيمان الكاثوليكيّ هو بالتالي عقلانيّ ولديه ثقة بالعقل البشري. أكّد المجمع الفاتيكانيّ الأوّل، في الدستور العقائديّ Dei Filius أنّ العقل قادرٌ على معرفة وجود الله على وجه اليقين من خلال طريق الخليقة، في حين تخصّ الإيمان وحده القدرة على معرفة الحقائق التي تتعلّق بالله «بسهولة، وبيقين ثابت لا يشوبه ضلال» (DS 3005)، على ضوء النعمة. كما أنّ معرفة الإيمان ليست ضدّ الفكر المستقيم. فالطوباويّ البابا يوحنّا بولس الثاني يوجز في رسالة جامعة Fides et ratio “الإيمان والعقل” بهذا الشكل: «لا يتلاشى العقل البشريّ ولا يُقهر عندما يذعن لمحتوى الإيمان. هذا المحتوى إنّما ندركه بفعل خيار حرّ ومسؤول» (عدد 43).


في رغبتنا التي لا تُقاوم للحقيقة، إنّما العلاقة المتناغمة بين الإيمان والعقل هي الطريق الصحيح الذي يؤدّي إلى الله وتحقيق الذات الكامل.يسهل التعرّف على هذه العقيدة في كلّ العهد الجديد. يؤكِّد القدّيس بولس، وهو يكتب إلى مسيحيّي كورنثوس، كما سمعنا: «وفيما اليهود يسألون آيات، واليونانيّون يطلبون حكمةً، نكرز، نحن، بمسيحٍ مصلوبٍ، عثرة لليهود، وجهالة للأمم» (1 كورنثوس 22-23). فالله لم يخلِّص العالم بعمل قدير، بل عبر تواضع ابنه الوحيد: وفقًا للمعايير الإنسانيّة، تتعارض الطريقة غير الاعتياديّة التي نفّذها الله مع احتياجات الحكمة اليونانيّة. مع ذلك، لصليب المسيح عقلانيّة يدعوها القدّيس بولس: ho lògos tou staurou ، “كلام الصليب وعقلانيّة” (1 كورنثوس 1، 18). ويشير هنا مصطلح lògos إلى الكلمة كما إلى العقل، وإذا كان يلمح إلى الكلمة، فلأنّه يعبِّر بالكلام عمّا يحلِّله العقل.

وهكذا، لا يرى بولس في الصليب حدثًا غير عقلانيّ، بل حدث خلاص لديه عقلانيّته الخاصّة التي يمكن التعرّف إليها على ضوء الإيمان. في الوقت نفسه، لديه جزيل الثقة بالعقل البشريّ، إلى حدّ التعجّب من أنّ العديدين، رغم رؤيتهم الأعمال التي يقوم بها الله، يصرّون على الكفر. يقول في الرسالة إلى أهل روما: «فإنّ صفاته غير المنظورة [لله]، ولا سيّما قدرته الأزليّة وألوهته، تُبصَر منذ خلق العالم، مُدركةً بمبروءاته» (1، 20). وهكذا أيضًا يحثّ القدّيس بطرس مسيحيّي الشتات على تقديس «الربّ المسيح في قلوبكم، وكونوا على استعداد دائم لتجيبوا كلّ مَن يسألكم حجّةً عن الرجاء الذي فيكم» (1 بطرس 3، 15).

 

في جوّ من الاضطهاد والحاجة القويّة للشهادة للإيمانيّة، يُطلب من المؤمنين أن يبرّروا بتعليلات لها أساس من الصحّة تمسّكهم بكلمة الإنجيل، حتى يقدّموا سبب رجائنا. حول هذه المقدّمات بخصوص الصلة المثمرة ما بين الفهم والإيمان، تتأسّس أيضًا العلاقة الفاضلة بين العلم والإيمان. فالبحث العلميّ يؤدّي دومًا إلى معرفة حقائق جديدة حول الإنسان والكون، كما نرى. والخير الحقيقيّ للبشريّة، الذي يمكن الوصول إليه في الإيمان، يفتح الأفق الذي يجب أن يتحرّك به دربه الاكتشافيّ.

 

ولذلك ينبغي، على سبيل المثال، تشجيع البحوث الموضوعة في خدمة الحياة والهادفة إلى التغلّب على الأمراض. هامّة هي أيضًا التحقيقات الهادفة لاكتشاف أسرار كوكبنا والكون، مع الوعي بأنّ الإنسان ليس في ذروة الخليقة لاستغلالها بتهوّر، بل للحفاظ عليها وجعلها صالحة للسكن. كذلك الإيمان، المُعاش حقًّا، لا يتعارض مع العلم، بل بالأحرى يتعاون معه، بتقديم معايير أساسيّة كي يعزِّز خير الجميع، طالبًا منه أن يتخلّى فقط عن تلك المحاولات التي – في تعارض مع تدبير الله الأصليّ - يمكن أن تنتج آثارًا تنقلب على الإنسان نفسه. لهذا أيضًا من العقلانيّ أن نؤمن: إذا كان العلم حليفًا قيِّمًا للإيمان في فهم مشروع الله في الكون، فإنّ الإيمان يسمح للتقدّم العلميّ بأن يتحقّق دومًا من أجل خير الإنسان ومن أجل حقيقة الإنسان، ويبقى وفيًّا لهذا المشروع نفسه.


لهذا السبب من الحاسم بالنسبة للإنسان الانفتاحُ على الإيمان ومعرفة الله وتدبيره الخلاصيّ في يسوع المسيح. تُدشَّن في الانجيل إنسانيّة جديدة، “نحوٌ” حقيقيّ للإنسان ولكلّ الواقع. يؤكِّد التعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكية: «حقّ الله هو حكمته التي تسوس كلّ نظام الخليقة ومسيرة العالم. الله الذي وحده خلق السماء والأرض (مزمور 115، 15)، يستطيع هو وحده أن يعطي كلّ شيءٍ مخلوقٍ في علاقته معه معرفةً حقيقيّة» (عدد 216).

لنثق إذًا بأنّ جهدنا في التبشير يساعد على إعادة أهميّة جديدة للإنجيل في حياة الكثيرين من رجال عصرنا ونسائه . ولنصلِّ كي يجد الجميع في المسيح معنى الوجود وأساس الحريّة الحقيقيّة: فمن دون الله يفقد الإنسان نفسه. إنّ شهادات أولئك الذين سبقونا وكرّسوا حياتهم للإنجيل تؤكِّد ذلك إلى الأبد. إنّه لمن العقلانيّ أن نؤمن، إذ إنّ وجودنا على المحك. من الجدير تكريس الذات من أجل المسيح، فوحده يُشبع رغبات الحقيقة والخير المتجذِّرة في روح كلّ إنسان: الآن، وفي الوقت الذي يمضي، وفي اليوم الذي لا نهاية له في الأبديّة الطوباويّة.

 

 

 

 

البابا بنديكتس السادس عشر - 2012