فصح الربّ

 

فصح الربّ

 

 

أودّ  أن أُظهر التحوّل الذي أثاره فصح يسوع في تلاميذه. نبدأ من مساء يوم القيامة. كان التلاميذ مجتمعين والأبواب مغلقة خوفًا من اليهود (يوحنّا 20، 19). يعصر الخوف القلوب ويمنعها من الذهاب للقاء الآخرين، للقاء الحياة. المعلِّم لم يعد ههنا. وتغذّي ذكرى آلامه الحيرة والارتباك. لكنّ يسوع يهمّه أخصّائه وهو على وشك تحقيق الوعد الذي كان قد قطعه خلال العشاء الأخير: «لن أترككم يتامى، إنّي آتي إليكم» (يوحنّا 14، 18)، وهذا ما يقوله لنا أيضًا، حتّى في الأوقات القاتمة: «لن أترككم يتامى». تغيّرت حالة الكآبة هذه لدى التلاميذ جذريًّا مع وصول يسوع.

 

لقد دخل والأبواب مغلقة، ووقف في وسطهم ووهب السّلام المطمئن: «السّلام عليكم!» (يوحنّا 20، 19ب). إنّها تحيّة عاديّة، ومع ذلك، فهي تكتسب الآن معنىً جديدًا، لأنّها تقوم بتغيير داخليّ؛ إنّها التحيّة الفصحيّة، التي تجعل التلاميذ يتغلّبون على كلّ خوف. السّلام الذي يجلبه يسوع هو هبة الخلاص الذي وعد به خلال خطاباته الوداعيّة: «السّلام أستودعكم، سلامي أُعطيكم. لا كما يعطيه العالم أنا أعطيكم. لا يضطرب قلبكم ولا يخف!» (يوحنّا 14، 27). في يوم القيامة هذا، إنّه يعطيه بالملء فيصبح للجماعة مصدرًا للفرح، واليقين بالنصر، والأمان في الاعتماد على الله. «لا يضطرب قلبكم ولا يخف» (يوحنّا 14، 27) يقولها لنا أيضًا.

بعد هذه التحيّة، أظهر يسوع للتلاميذ الجروح في يديه وجنبه (يوحنّا 20، 20)، دلائل على ما جرى وهي لن تُمّحى أبدًا: ستبقى إنسانيّته الممجَّدة «جريحة». تهدف هذه البادرة إلى تأكيد الواقع الجديد للقيامة: المسيح الذي هو الآن بين أخصّائه هو شخص حقيقيّ، إنّه يسوع نفسه الذي كان قد سُمِّر قبل ثلاثة أيّام على الصّليب. وهكذا، في ضوء الفصح الباهر، في اللّقاء مع القائم من الموت، يدرك التلاميذ المعنى الخلاصيّ لآلامه وموته.

 

وينتقلون بالتالي من الحزن والخوف إلى الفرح الكامل. تصبح الحزن والجراح نفسها مصدرًا للفرح. الفرح الذي يتولّد في قلوبهم ينتج عن «رؤية الربّ» (يوحنّا 20، 20). إنّه يقول لهم مرّة أخرى: «السّلام لكم!» (الآية 21). فمن الواضح الآن أنّها ليست مجرّد تحيّة. بل هي عطيّة، عطيّة يريد القائم من الموت أن يمنحها لأصدقائه، وهي في الوقت نفسه تسليم: هذا السّلام، الذي اشتراه المسيح بدمه، هو لهم ولكن أيضًا للجميع، ويجب على التلاميذ أن يحملوه إلى مختلف أنحاء العالم. فهو يضيف: «كما أرسلني الآب، أُرسلكم أنا أيضًا» (يو20/ 21). لقد عاد يسوع القائم من الموت بين تلاميذه ليرسلهم. فهو قد أكمل عمله في العالم، وحان الآن دورهم كي يزرعوا الإيمان في القلوب حتى يجمع الآب، وقد أصبح معروفًا ومحبوبًا، كلّ أبنائه من التشتّت.

 

لكنّ يسوع يعلم أنّ هناك بعد الكثير من الخوف لدى أخصّائه، ودومًا. ولهذا يقوم بهذه البادرة وينفخ فيهم فيلدهم من جديد من روحه القدّوس (يوحنّا 20، 22)؛ هذه البادرة هي علامة الخليقة الجديدة. مع هبة الرّوح القدس التي تأتي من المسيح القائم من الموت يبدأ عالم جديد حقـًّا. مع إرسال التلاميذ ليبشِّروا، يدشّن الدّرب في العالم لشعب العهد الجديد، شعبٍ يؤمن به وبعمله الخلاصيّ، شعبٍ يشهد على حقيقة القيامة.


هذا الجديد في الحياة التي لا تموت، الذي حمله عيد الفصح، يجب نشره في كلّ مكان، لكي تترك أشواك الخطيئة التي تجرح قلب الإنسان مكانها لبراعم النِعمة، لحضور الله ومحبّته اللذان ينتصران على الخطيئة والموت.

أصدقائي الأعزّاء، اليوم أيضًا يدخل القائم من الموت إلى بيوتنا وقلوبنا، على الرّغم من أنّ الأبواب مغلقة في بعض الأحيان. يدخل واهبًا الفرح والسّلام، الحياة والأمل، وهي عطايا نحتاج إليها في ولادتنا الجديدة الإنسانيّة والروحيّة. هو وحده يمكنه أن يدحرج حجارة القبور تلك التي يضعها الإنسان في كثير من الأحيان على مشاعره وعلاقاته وسلوكه؛ هي حجارة تقرّ الموت: انقسامات، عداوات، حقد وحسد وارتياب، ولامبالاة. هو فقط، الحيّ، يستطيع عطاء معنىً للوجود، وجعل مَن هو تعب وحزين، يائس ولا أمل له، يبدأ دربه من جديد.

 

هذا ما اختبره التلميذان اللذان كانا في طريقهما نهار الفصح من أورشليم إلى عمّاوس ( لوقا 24، 13-35). كانا يتحدّثان عن يسوع، ولكن «وجههما العابس» (انظر الآية 17) كان يُعرب عن خيبات أملهم، عن شكوكهم وكآبتهم. كانا قد تركا بلدتهما لتتبّع يسوع مع أصدقائه، واكتشفا واقعًا جديدًا، حيث المغفرة والمحبّة لم تكونا مجرّد كلمات، بل يلمسان الوجود واقعيًّا. يسوع الناصريّ كان قد جعل كلّ شيء جديدًا، كان قد حوّل حياتهما. ولكنّه الآن قد مات، وبدا أنّ كلّ شيء انتهى.

وفجأةً، لم يعد هناك شخصان يمشيان، بل ثلاثة. فقد اقترب يسوع من التلميذين وراح يسير معهما، ولكنّهما لم يكونا قادرَين على التعرّف إليه. بالتأكيد، لقد سمعا شائعات عن قيامته، إذ يقولان له: «لكنّ بعض النساء من جماعتنا أدهشننا، لأنهنّ ذهبن إلى القبر عند الفجر، ولم يجدن جسد يسوع، فرجعن وقلن إنّهن شاهدن ملائكة تراءوا لهنّ وقالوا إنّه حيّ!» (الآيات 22-23). ومع ذلك، لم يكن كلّ ذلك كافيًا لإقناعهما، لأنّ «يسوع لم يروه» (الآية 24). حينها فسّر لهما يسوع، وبصبر، «ما يتعلّق به في كلّ الكتب المقدّسة، مُبتدئًا بموسى وجميع الأنبياء» (الآية 27).

شرح القائم من الموت الكتاب المقدّس للتلميذَين، مقدِّمًا مفتاح قراءته الأساسيّ، أي هو نفسه وسرّه الفصحي: له تشهد الكتب المقدّسة ( يوحنّا 5، 39-47). معنى كلّ شيء، معنى الشّريعة والأنبياء والمزامير، ينفتح فجأة ويتّضح أمام أعينهما. يسوع قد فتح أذهانهم ليفهموا الكتب ( لوقا 24، 45).

في هذه الأثناء، وصلا إلى القرية، على الأرجح إلى منزل أحدهما. وتظاهر الجوّال الغريب «بأنّه ذاهب إلى مكان أبعد» (الآية 28)، ولكنّه يتوقّف لأنّهما طلبا منه ذلك باتّقاد: «امكُث معنا» (الآية 29). ونحن أيضًا، يجب أن نقول دومًا من جديد إلى الربّ باتّقاد: «امكُث معنا». «وفيما كان مُتَّكئًا معهما، أخذ الخبز وبارك وكسر، وناولهما» (الآية 30). الإشارة إلى الأفعال التي قام بها يسوع في العشاء الأخير واضحة. «فانفتحت أعينهما، وعرفاه» (الآية 31).

 

حضور يسوع، أوّلاً بالكلمات، ومن ثمّ بحركة كسر الخبز، يعرّفه على التلميذَين، وهما يستطيعان أن يشعرا بشكلٍ جديد ما شعرا به وهما يسيران معه: «أما كان قلبنا مُضطرمًا فينا، حين كان يُكلِّمنا في الطريق، ويشرح لنا الكتب؟» (الآية 32). هذه الحادثة تشير إلينا بِـ «مكانَين» مميّزَين يمكننا فيهما أن نلتقي القائم من الموت الذي يحوِّل حياتنا: الإستماع إلى الكلمة، بالشّراكة مع المسيح، وكسر الخبز، وهما «مكانان» مرتبطان بعمق في ما بينهما لأنّ «الكلمة والإفخارستيّا ينتميان إلى بعضهما البعض بشكلٍ حميميّ لدرجة لا يمكن فهم الأولى من دون الأخرى: كلمة الله تصير جسدًا سريًّا في الحدث الإفخارستيّ» (الإرشاد الرسوليّ ما بعد السينودس، كلمة الله، 54-55).

بعد هذا اللقاء، «قام التلميذان في تلك السّاعة عينها، ورجعا إلى أورشليم، فوجدا الأحد عشر والذين معهم مُجتمعين، وهم يقولون: «حقًّا إنّ الربّ قام، وتراءى لسمعان!» (آيات 33-34). يسمعان في أورشليم خبر قيامة يسوع، وبدورهما، يُخبران عن تجربتهما، ملتهبين بمحبّة للقائم من الموت، الذي فتح قلبيهما على فرحة غامرة. لقد كانا يختبران - كما يقول القدّيس بطرس - «ولادة جديدة لرجاء حيّ، بقيامة يسوع المسيح من بين الأموات» ( 1 بطرس 1، 3). في الواقع يلد فيهما من جديد حماسُ الإيمان، المحبّةُ للجماعة، والحاجة إلى البشارة بالخبر السارّ. لقد قام المعلّم من بين الأموات ومعه تقوم كلّ الحياة من جديد؛ تصبح الشّهادة لهذا الحدث ضرورة لا يمكن كبتها بالنسبة إليهما.

أصدقائي الأعزّاء، ليكن زمن عيد الفصح فرصة مؤاتية لنا جميعًا لإعادة اكتشاف منابع الإيمان بفرح وحماس، وحضور المسيح القائم من الموت بيننا. يجب أن نقوم بنفس المسيرة التي قام بها يسوع مع تلميذيّ عمّاوس، من خلال إعادة اكتشاف كلمة الله والإفخارستيّا، علينا أن نذهب مع الربّ وندعه يفتح أعيننا على المعنى الحقيقي للكتاب المقدّس وحضوره في كسر الخبز. ذروة هذه المسيرة، حينها كما الآن، هي الشّراكة الإفخارستيّة: في القربان المقدّس يقوتنا يسوع بجسده ودمه، ليكون حاضرًا في حياتنا، ليجعلنا جُدُدًا، تحيينا قوّة الرّوح القدس.

في الختام، تدعونا تجربة التلاميذ إلى التأمّل بما يعنيه لنا عيد الفصح. لندع أنفسنا نلتقي بيسوع القائم من الموت! إنّه حيّ وحقيقيّ، وحاضر دائمًا بيننا؛ إنّه يسير معنا كي يقود حياتنا، ليفتح أعيننا. لنثق بالقائم من الموت الذي لديه القدرة على منح الحياة، وعلى أن نولد من جديد كأبناء الله، قادرين على الإيمان والمحبّة. إنّ الإيمان به يحوِّل حياتنا: يحرِّرها من الخوف، ويمنحها الرّجاء الثابت، ويُحْييها بما يعطيها معنى الوجود الكامل، أي بمحبّة الله. 

 

البابا بنديكتس السادس عشر - 2012

 

 

 

macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية