في وساطة يسوع المسيح الخلاصيّة الوحيدة

 

 

في وساطة يسوع المسيح الخلاصيّة الوحيدة

 

في وساطة يسوع المسيح الخلاصيّة الوحيدة

القول بوساطة المسيح

تتجذَّر وساطة يسوع في عمق كيانه: لأنّه، إذ كان هو الإبن (عب 1/ 2 - 3)، قد "شارك في الدمّ واللّحم" (عب 2/ 14) صائرًا هو نفسه "إنسانًا" (1 تيم 2/ 5)، وجامعًا في شخصه الطرفين: الله والإنسان اللّذين صالحهما في شخصه. في ذلك، يضع الإبن حدًّا للوساطات القديمة، ويؤسِّس تلك الجديدة، بتحقيق الوساطة النهيويّة والنهائيّة في شخصه. هكذا، كلّ ما يفعله المسيح في حالته المُمجَّدة، يتجذَّر في ما كان قد أتمَّه في حياته الأرضيّة حتّى موته. بذلك، يستمدُّ عمل المسيح الممجَّد قوَّته من تقدمته الأرضيّة.

 

بشكل ملموس، يأخذ هذا العمل صفة الشفاعة. فالمسيح "يشفع لنا" (روم 8/ 34): وهو "حيٌّ دائمًا أبدًا ليشفع لنا" (عب 7/ 25). إنّه ذاك الذي أتى، ووضع نفسه داخل وضع البشريّة الأليم وغير القابل للشّفاء، ففيه إجتمع الله والإنسان، إبن الله وابن الإنسان. إنّه الكلمة المتجسِّد، ملء حضور الله في الجسد، وإنّه في هذا الجسد وفي هذا الحضور الإلهيّ يشفع لنا أمام الآب.

 

في تاريخ الوساطات البشريّة، يأتي مجيء المسيح بجديد جذريّ ونهائيّ، ففي الهيكل الذي لم تصنعه أيدي النّاس (عب 9/ 11)، لا يزال "وسيطًا حيًّا باقيًا ليشفع لإخوته" (عب 7/ 25)، وحقًّا كما أنَّ "الله واحد، فإنَّ الوسيط بين الله والإنسان واحد (1 تيم 2/ 5) وهو وسيط العهد الأبديّ. يتضامن المسيح معنا كليًّا بصفته إنسانًا كاملاً، غير منفصل عن الله، خاليًا من الخطيئة؛ ويبلغ هذا التضامن ذروته في مَوْتِه بهذا الجسد عينه، وبفضل هذا التضامن المزدوج الذي اٌقيم فيه، أصبح حزينًا حتّى الموت. وسيرفع على الصّليب، وسينبذ من مدينة البشر، وفي لحظة ألَمٍ قصْوى فيها مع الإنسان السّاقط صرخ: "إلهي، إلهي لماذا تركتني؟". هكذا تعبِّر شفاعة المسيح عن رغبته الحارّة والمستمرّة بخلاص كلّ إنسان. إنّها شفاعة كلّيَّة القدرة لأنّه الإبن الحبيب، ولأنَّ حياته الأرضيَّة كانت كلّها تكفيرًا عن الخطيئة، واستحقاقًا لكلِّ خير، للبشريّة كلّها كما لكلّ واحدٍ منّا.

 

تجليّات وساطة المسيح الوحيدة

تتجلَّى وساطة المسيح الخلاصيّة بالمجالات التالية:

في المجال الميتافيزيقيّ، يقف المسيح في وسط الكيان بصفته مبدأه ومثاله.

في المجال الشخصيّ/ الذاتيّ، يشكِّل المسيح، بصفته إبن الله الصائر بشرًا، نقطة التلاقي بين الله والإنسان.

في المجال الكينونيّ، يتواصل الله مع البشر من خلال وعي يسوع، وفي هذا الوعي تجتمع صلاة البشر، ورجاؤهم، وتسليمهم ذواتهم لله.

في المجال التاريخيّ، يقف عمل المسيح، وآلامه معنا ولصالحنا. فالمسيح ليس وسيطًا خارجيًّا أو محايدًا. إنّه عطيّة الله لنا، في تاريخ حياته وفي مصيره البشريّ يتحقّق مصيرنا الإلهيّ.

تختصر تجليّات وساطة المسيح هذه في حركتين: حركة تنازليّة، فيها يعطي الله خلاصه للإنسان من خلال شخص الإبن وعمله، وأخرى تصاعديّة، فيها يقدِّم الإنسان يسوع ذاته قربانًا لله باسم البشريّة ومكانها.

 

البعد الثالوثيّ لوساطة المسيح

على كلّ خطاب حول الخلاص أن يبدأ من الله. هذا ما تعبِّر عنه نصوص العهد الجديد حيث التركيبة هي عينها: ينبع الخلاص من الله بواسطة المسيح في الرّوح، ونحن نعيشه بالمسيح في الرّوح إلى الآب. تشير الصيغة الأولى إلى حركة العطيّة والتقدمة من قبل الله، فيما تعبّر الثانية عن جواب الإنسان. للتدبير الخلاصيّ تركيبة ثالوثيّة أساسيّة: المبادرة تأتي من الآب، وتحقيقها التاريخيّ هو في الإبن، وشخصنتها الذاتيّة وشموليّتها هما من عمل الرّوح القدس.

يجب فهم وساطة الخلاص في معنى مزدوج: إنّها وساطة يحقّقها المسيح بين الآب والبشر، وهي وساطة يحقّقها الرّوح بين عمل الإبن التاريخيّ وكلّ إنسان فرد ليجمعه ويقوده إلى الآب. بالتالي، لا يمكن للكريستولوجيا أن تكتمل من دون العودة الصّريحة إلى التيولوجيا والبنوماتولوجيا (تصميم الآب - عمل الرّوح الشامل - عودة البشريّة إلى الآب).

تظهر وساطة يسوع التاريخيّة أساسها الأخير والوحيد في الله، ما يجعل منها أمرًا متجذّرًا في عمق كيانه، لا أمرًا خارجيًّا أو غريبًا. لذا يحقّق عمل المسيح، في التاريخ ما كان الآب قد أمره به.

 

الخلاص هو شخص المسيح بمقدار ما يعطي لنا، في بشريّته، الآب والرّوح. هكذا يؤكِّد يوحنّا أنَّ الإيمان بالمسيح يعني الخلاص مسبقًا، وذلك بوصولنا من خلاله إلى الآب. كلّ من يرفض هذه الحياة يربط نفسه من جديد بصغر البشريّة غير الكافي لملء الرّغبة بالأزليّة التي تسكن كلّ واحد منّا. فالمسيح هو المكان الشخصيّ لتصميم الآب الخلاصيّ، وعلامته الشخصيّة، ومحقّقه الشخصيّ. فيه لدينا وصول إلى الحكمة والمصالحة والتقديس، التي لم تستطع التوراة العبريّة، ولا الحكمة اليونانيّة، ولا الطقوس الغريبة أن تقدّمها. يحقّق المسيح كلّ هذا بكونه "في شخصه" و"لأجلنا" الحكمة والبرّ والقداسة والفداء. لأنّه عطيّة الله التي تتخطّى كلّ مجد دنيويّ: "من يفتخر فليفتخر بالرَّبّ" (1 قور 1/ 31).

 

ليس الإنجيل تشريعًا أو تعليمًا خلقيًّا وروحيًّا، بل قوّة: "قوّة واقعيّة" فيه ينكشف بِرُّ الله يبرِّر الإنسان (روم 1/ 16). ضعف المسيح قوّة، صليبه "قوّة الله وحكمته" (1 قور 1/ 18 - 24). ما يجعل من المسيح وسيط الخلاص هو علاقته بالله. فما يعمله يعمله من قبل الآب بصفته مقيمًا فيه. هكذا يضحي الوجود المسيحيّ وجودًا في المسيح، ومع المسيح، ولأجل المسيح، وبواسطته في الله.

 

في أساس كلّ شيء، هناك حبّ الآب الذي يرسل إبنه الوحيد الذي يجسِّد، في وجوده التاريخيّ، وجود - الله - لأجلنا (pro-existence). فالمسيح، كما يسمّيه اللاّهوتيّ المعاصر هانس شورمان (H. Schurmann)، هو "الإنسان - لأجل - الآخرين" (l'homme-pour-les-autres). في التجسُّد لدينا الدّرجة القصوى من إعطاء الله ذاته لخليقته، وهذا ما يخلق الإمكانيّة القصوى للوصول إلى الله.

في تجسُّده، إتَّحد المسيح بكامل طبيعتنا البشريّة، لا بل بكامل الخليقة، ليجعل وجه الله يشعّ فيها ومن خلالها. إنّه يحملها بشكل دائم، ومعها أنين الألم المتصاعد ليلاً نهارًا من أفواه البشر والخلائق. لم يأتِ المسيح ليقلب القوانين والتركيبات، بل لينفذ إلى عمق معناها، وليكشفه لنا كفعل حبّ عميم، لقد جاء ليبدِّل قلب الإنسان، فيتمكَّن هذا الأخير من أن يتعاون ورحمة الله، من خلال جوابه وعمله بحريّة (برنانوس).

لقد إندمج المسيح كليًّا في العجين البشريّ، إتَّخذ عالمًا مكسورًا يضنيه الجوع والألم، وتشرذمه الإنقسامات، ويجتاحه الموت. فشفى المخلَّع وكثَّر الخبز، لا كساحر بل ككشاف للآيات التي تقود خطانا صوب الله. يعلِّمنا خطاب يسوع حول خبز الحياة (يو 6) أن نمضي بعيدًا في هذا التّعليم حول الخبز المكسور لحياة العالم. والماء الذي وعد به السّامريّة يجعل الطلب الذي يختصر كلّ طلباتنا ينبع من الأعماق: "يا ربّ أعطنا من هذا الماء لكَيْ لا نعطش ثانية" (يو 4/ 15).

 

 

هل تلغي شفاعة المسيح كلَّ شفاعة أخرى؟

في إهتمام مسكونيّ واضح، يؤسِّس الفصل السّابع من  الدّستور العقائديّ في المجمع الفاتيكاني الثاني "نور الأُمم"، الذي عنوانه " في الطابع النهيويّ لكنيسة الأرض وإتّحادها بكنيسة السّماء"، شفاعة القدّيسين على إتّحاد هؤلاء بالمسيح وبالمؤمنين، وهو بالدّرجة الأولى فعل شراكة أخويّة في المسيح، "وشهادة حبّ صادقة نبديها لسكّان السّماء، تنفذ من ذات طبيعتها إلى من هو غايتها، إلى المسيح إكليل جميع القدّيسين، وبه إلى الآب الذي هو عجيب في قدّيسيه، وبهم يتمجَّد" (عد 50).

 

من الناحية التطبيقيّة العمليّة، تستمدّ الحياة الرّوحيّة المسيحيّة أُسُسَها، وديناميَّتها، وفاعليّتها، من كَوْنها حياة في المسيح يسوع. فحجّ المسيحيّ على الأرض، والمحبّة التي يمكن أن تحرّكها، هو حجّ مبدأه المسيح. إنّه الحيّ الذي يحيا في المؤمن، والرّأس الذي يواصل ويكمِّل ما نقص من آلامه (كول 1/ 24) في جسده.

تلك هي القاعدة التي يجب أن تحرِّك كلّ صلواتنا، أقوالنا وأفعالنا، جهدنا الرّوحيّ، ومسلكنا الخلقيّ والإجتماعيّ. لكن أن تكون نعمة المسيح مبدأ كلِّ نعمة فينا، فهذا لا يسيء، بأيّ وجه من الوجوه، إلى حريّتنا، بالتالي إلى قيمة أعمالنا الإستحقاقيّة. لكنَّ هذه الأخيرة هي بالحقيقة أعمال المسيح فينا. ففي عمله يتأسَّس ويتجذَّر كلّ عمل صالح، وكلّ محبّة، وكلّ تضامن وشراكة إرادة مع الله.

في هذا المعنى، على المؤمن المسيحيّ أن يتعرَّف تمامًا على الأساس الذي ينبغي عليه بناء إختباره، وأن يرتِّب، بشكل صحيح، أولويّات هذا الإختبار. لنُعطِ مثلين على ذلك: عندما نصلّي، إلى من نتوجَّه بالصّلاة؟ نحن نُدرك تمامًا أنَّ الكثيرين منّا يستسهلون التوجُّه، في صلاتهم، إلى العذراء أو إلى أحد القدّيسين مباشرة، وهذا شيء مقبول. إلاّ أنّنا نتناسى أنَّ تركيبة الصّلاة المسيحيّة الكاملة هي تركيبة ثالوثيّة الإيقاع والحركة، أي إنّها صلاة نوجِّهها بالرّوح القدس بواسطة الإبن إلى الآب فقط.

 

يقول بولس إنّه في روح المسيح الذي ينشر المحبّة في قلوبنا، نصرخ: "أبّا، أيّها الآب"، ونصلّي (روم 8/ 15)؛ لا بل إنّه الرّوح نفسه الذي "يشهد مع أرواحنا بأنّنا أبناء الله" (روم 8/ 17). إنّه الرّوح الذي "يأتي لنجدة ضعفنا لأنّنا لا نحسن الصّلاة كما يجب، ولكنّ الرّوح نفسه يشفع لنا بأنّاتٍ لا توصف، والذي يختبر القلوب يعلم ما هو نزوع الرّوح. فإنّه يشفع للقدّيسين بما يوافق مشيئة الله" (روم 8/ 26 - 27). يمكن للرّوح أن يلهم صلاتنا وشفاعتنا لتكون مقبولة لدى الله. كما ألهم المسيح، وقاد صلاته.

 

عندما نريد طلب شفاعة، تعوَّدنا على طلب شفاعة العذراء لكَوْنِها أُمَّنا، أو أحد القدّيسين لأنّه أخ لنا ورفيق، وهذا شيء جميل، نفهمه ضمن شراكة القدّيسين. لكن هل سألنا أنفسنا: لماذا لا نطلب شفاعة المسيح لنا، وهو الشّفيع والحبر الرّحيم، الذي "إمتحن في كلّ شيء مثلنا ما عدا الخطيئة" (عب 4/ 17)، ما يضعه في مكان الشّفيع الدائم للبشريّة لدى الآب؟ ولماذا لا تكون صلاتنا إقتداءً بصلاة المسيح نفسه إلى الآب؟ فالأناجيل تصف، بشكل رائع ومؤثِّر، يسوع المصلّي بخاصّة في الجسمانيّة، وهي صلاة حرَّكت كيانه بكلّيّته، وإختصرت مسيرة حياته، وأعطت معنى لكلّ ما قاله وفعله. لماذا لا تكون صلاتنا إشتراكًا بصلاة المسيح من أجلنا، وهو الحمل المذبوح حتّى إنتهاء العالم (رؤ 5/ 6)؟ علينا أن نعلم جيِّدًا أن لا أحد يتشفَّع، في السّماء كما على الأرض، إلاّ بإشتراك شخصيّ وحرّ في شفاعة المسيح الوحيدة، ولا أحد يساهم في خلاص البشر، في أيّ خدمة أو عمل، إلاّ بمشاركة حرّة وإراديّة في عمل المسيح الخلاصيّ الحاليّ. هذا هو إيماننا وأساس ممارستنا كلَّها.

 

خاتمة

على كلّ لاهوت حول الوساطة أن يأخذ بالإعتبار الوحدة المتمايزة بين الفداء والخلق. فالفداء يضرب جذوره عميقـًا في أزليّة الله نفسه. وذاك الذي يقوم بعمل الفداء بلباس وسيط الخلاص، هو أيضًا الوسيط أمام الخليقة. ليس ممكنًا الفصل بين الشخص والعمل. كلّ تاريخ الخلاص في يسوع المسيح هو تاريخ وساطة خلاص في شخصه بصفته النبيّ والكاهن والرّاعي. الوساطة هي دخول إبن الله في حالة تواصل وتضامن خلاصيّ من خلال التجسُّد. لقد تصرَّف إبن الله بتمثيل عن البشر جميعًا، وهذا لا ينفي وجود وسائط أُخرى بل يحتويها، كَوْنها تتأسَّس جميعها على هذه الوساطة الخلاصيّة الوحيدة.

 

المونسنيور أنطوان مخايل

 

المركز الدائم للتنشئة المسيحية macro-max rebound mazar
CMS x