قلب يسوع، القلب الرّمز!

 

 

 

قلب يسوع، القلب الرّمز!    

                                                               

يتمّ وصف الإنسان بـ"الكون الصغير"، لأنّه غاية التطوّر الكوني، وفيه تتجمَّع بكثافة فريدة كلّ معطيات الطبيعة وعناصرها ومعناها حيث تتعانق المادّة والرّوح.

 

في الإنسان يتركَّز المعنى في الكون وهو الذي يسكب المعنى على كلّ شيء. إن كانت توجد أجمل زهرة في العالم في صحراء بعيدة لا يراها إنسان ليقيّم جمالها، تبقى، بشكل أو بآخر، غير موجودة. فالإنسان الذي سلّمه الله مسؤوليّة الكون حين أوكل إليه أن يعطي للأشياء أسماءها (تك 1/ 28؛ 2/ 19 - 20)، أي "معناها"، هو الوسيط بين الله والكون وبين المعنى واللامعنى، وبين التّراب والرّوح.

 

 في الإنسان يتّحد التّراب والرّوح لتتجسّد الرّوح ويتروحن التّراب. فالإنسان، على الرّغم من ضعفه وسرعة عطبه، محور الكون؛ والله محور الإنسان. سار الكون في تطوّره حتّى بلغ إلى الإنسان الذي يحتوي على كلّ مسار التطوّر.

 

مليارات المصانع الكيميائيّة وغيرها تعمل في جسد الإنسان. في هذا الإنسان، بطريقة مُدهشة، يلتقي الرّوح والمادّة باتّحاد وثيق منقطع النّظير، وبكثافة فريدة، في منطقة تحتفظ بسرّها "المستور - المكشوف" تشبه عمليّة ولادة المجرّات والكواكب في الكون، في هذه المنطقة الدماغيّة يتمّ العبور من المادّة إلى الرّوح، ومن المرئيّ الذي يقع تحت الحواسّ إلى اللامرئي الذي يدعو الحواسّ إلى تخطّي المادّة إلى اللاّمادّة لتتدرَّب المادّة على العبور نحو الرّوحنة، وتدريجيًّا نحو مصدرها الأوَّل الذي منه خرجت لكي يكون مرجعيّتها في مسارها الكوني بفضل اتّحادها بالرّوح، منقذة المادّة من انحلاليّتها الفنائيّة.

والمادّة الجسديّة تجتذب الرّوح إلى التجسُّد فيها لتعانق الكون من خلال اتّحادها بالمادّة الجسديّة فتبثّ فيه المعنى الإلهيّ وترفعه إلى معانقة الخالق "منتظرة بفارغ الصّبر تجلّي أبناء الله" (روم 8/ 19).

 

ما هو دور القلب في كلّ هذا؟

من ماديّة القلب إلى رمزيّته

إنّ القلب مضخّة لحميّة تغذّي كلّ أنحاء الجسد وكلّ أطرافه البعيدة عن المركز من خلال الشرايّين الغليظة حتّى العروق الأكثر دقّة والشعريّة منها، وبفضله تجري الأنهار الدمويّة نحو الجسم، ومن كلّ الجسم نحو القلب. فمركز الجسم التوزيعيّ كلّه هو القلب. فالعضو الذي لا يصله الدمّ يجفّ ويموت. فالدمّ، بفضل القلب، يسكب الحياة في كلّ الجسد. والدمّ الذي لا يجري بضخّ القلب ويرفض التجاوب مع هذه المضخّة المركزيّة الآمرة، ييبس ويعطّل العضو الذي يتجمَّد فيه، فيموت هذا العضو، وأحيانًا كثيرة يقتل الإنسان بما يُسمَّى "الجلطة".

 

القلب ينعش الإنسان بوساطته الديناميكيّة التي لا تكفّ ولا تهدأ. إنّه رمز القيادة التي تسهر على مسار كلّ الجسم في خدمة ضخّ الحياة ليبقى حيًّا وسليمًا، والسّخاء الذي يعطي ولا يحتفظ لنفسه بشيء.

 

 لو احتفظ هذا القلب لنفسه بالدمّ ورفض إرساله إلى الجسم يقتل صاحبه ويموت معه. وظيفة القلب السّخاء والعمل على إحياء الجسم برمّته من أنهار عطاياه. هو يوحِّد الجسم الذي يبقى في حالة حوار دائم معه ويلتفّ حوله بيقظة دائمة. هو لا يُعطي ما لا يأخذ ولا يأخذ ما لا يعطي. يأخذ من الجسم الدّماء التي ينقّيها ليعيدها إلى الجسم نظيفة محيية. يأخذ سموم الجسم بتعاونه مع الرّئتين والكلى وكلّ المصانع والمصافي في الجسم ويرسل إليه الحياة في الدمّ النظيف المحيي.

 

وبالتالي فهو رمز الحوار التبادلي الذي من خلاله يعطي كلّ ذاته للجسم ويتقبَّل كلّ ذات الجسم فيصبح والجسم واحدًا دون أي انفصال بينهما. إنّه القائد المخفيّ والجالس في وسط مملكته يعمل فيها بدأب لا يكنّ ونسيان ذات مطلق. إنّ حركته من ذاته، من العقدة التابعة له، ولا يتلقّى الدّفع لخفقانه من خارج تكوينه الذاتيّ.

 

أليس صورة المسيح الذي لا يعتمد على قوّة خارجة عن ذاته في سلطته؟ هو لا يحتاج إلى اعتراف أحد به ليكون، بل في اعتراف الآخرين به يحيون هم ولا يغيّرون فيه شيئًا.

 إنّ صمت الجسم كلّه يستمرّ القلب بالخفقان إلى حين، أمّا إنّ صمت القلب فيموت الجسم كلّه، باستثناء خصوصيّات الدّماغ التي لها سرّها المذهل! ومع ذلك فالقلب يغذّي الدّماغ بالدمّ، وإلاّ يموت هذا الدّماغ!

للقلب معانٍ كثيرة في كلّ الحضارات والديانات والمجتمعات. هو "يعني باطن" الإنسان، والمشاعر (الحبّ، والمحبّة)، والأحاسيس (الفرح والحزن) والذكريات، والأفكار، والمشاريع، والقرارات. اعتبره المصريّون القدامى مركز الضمير، وهو العضو الوحيد الذي لا يُنزَع من الجسم عند التحنيط.

 

وهو مركز الحقيقة في ديانات كثيرة، وهو عرش الإله وهيكله، في اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام، وهو الموضع الذي يلتقي فيه الإنسان مع الله" (الخوري ناصر الجميّل، الرموز المسيحيّة، بيروت 2007، ص 92).

 وبالتالي فالقلب يعني الإنسان برمّته ماديًّا ورمزيًّا. إنّه الكتلة اللّحميّة في صدر الإنسان، وأيضًا الإنسان الذي "لا قلب له" هو الخالي من الرّحمة والرأفة. في المثل الشعبيّ: "قلبي عا إبني وقلب إبني عالحجر"، كلمة "قلب" تعني المحبّة والعناية والإنتباه، وليست الكتلة اللّحميّة. فهل في المسيح يعمل فقط المعنى الرّمزي أم أيضًا المادّي؟

 

اتّحاد القلب الإلهيّ والقلب الإنسانيّ في المسيح

في المسيح طبيعتان، إلهيّة وإنسانيّة، ولكلّ منهما قلبها النّابض والمغذّي. تعايشتا وعملتا بتنسيق مع بعضهما دون أن تلغي إحداهما الأخرى. لا يعمل في المسيح "مبدأ الدّرجة الأعلى تبتلع الدّرجة الأدنى". فحين يصبح أحدنا شمّاسًا ثمّ كاهنًا، يبتلع الكهنوت الشمّاسيّة، ولا نتصرَّف بعدها كشمّاس بل فقط ككاهن. في المسيح لا تلغي الطبيعةُ الإلهيّةُ الطبيعةُ الإنسانيّة، ولا يريد المسيح أن يخفي الطبيعة الإنسانيّة في ظلّ الطبيعة الإلهيّة، بل العكس، هو يضع الطبيعة الإنسانيّة في المقدّمة ويضع الطبيعة الإلهيّة في خدمة الفداء الذي تقوم به الطبيعة البشريّة في موته وقيامته لخلاص شموليّة البُعد الإنسانيّ وخصوصيّاته في البشريّة.

 

 ففي المسيح لا يخدم الضعيفُ القويَّ بل القويُّ يخدم الضعيفَ. وبالتالي فقلبه الإلهيّ يحضن قلبه الإنسانيّ ويفيض فيه قوّة الحبّ التي تتخطّى المفهوم البشريّ المألوف. ألا يقول لنا المسيح: "تعلّموا منّي أنّي وديع ومتواضع القلب تجدوا راحة في نفوسكم" (متّى 11/ 29)؟

 هذا يعني كلّ كيان المسيح الداخليّ (في أُلوهيّته وناسوته) المتّصف بالوداعة والتواضع والذي يسكب الرّاحة في من يتعلَّم منه ليسلك مثله؛ إنّها راحة الحبّ. لا يميِّز المسيح ما بين الطبيعة الإلهيّة والطبيعة الإنسانيّة في مثله هذا. يقول الكثيرون عن بعض المواقف السلبيّة الصّعبة التي يريدون أن يثابروا فيها ويتهرّبون من كلّ محاسبة: أنا لست المسيح، فهو الله. هذا صحيح أنّ المسيح هو الله، ولكنّه إنسان لم يستخدم القوّة الإلهيّة يومًا ليهرب من الإلتزام البشريّ في المحبّة العمليّة المتجسّدة في الواقع المأساويّ البشريّ.

 

كان قلبه الإلهيّ منحنٍ على قلبه البشريّ يشجّعه على المضي في الحبّ حتّى النهاية وكمال الفداء للبشريّة التائهة في وادي ظلال الموت.

 

تبع آدم حتّى في أعماق ظلام الجحيم حيث تمّ الحكم عليه بسبب معاصيه وملاحقة "المجرّب - المتّهم" له الذي يشكوه ليلاً ونهارًا أمام العدل الإلهيّ ليحرج الله في عدالته، هذا الإله الحبّ المُطلق؛ هنا تألَّق حبّه في مكان الحكم على آدم، في أعماق الجحيم حيث ظلام الموت يلفّ كلّ شيء، والتّراب الفنائي يسطو على كلّ شيء، وتألّقت أنوار قلبه المتدفّق أنهار حبّ لا يقف في وجهها شيء. فاض من قلبه الإلهيّ - الإنسانيّ الدّم والماء حتّى يبست عظامه وفرغ جسده من الدّم - الحياة الذي سكبه فينا حتّى آخر قطرة.

سكب فينا لاهوته وناسوته من فيض قلبه مقرّ الحبّ والرّحمة والفهم والعطاء اللامتناهي.

 

 وقد سلك درب الفداء هذا بكامل لاهوته وناسوته كما يتفاعلان في ديناميكيّة متأجّجة في قلبه المضطرم حبًّا حتّى نموّ العطاء إلى أعلى قمم حرارة العبور العموديّ والأفقيّ على الصّليب الذي بدأ في بستان الزيتون.

 

 

في بستان الزيتون

أمام هول خيانات البشريّة عبر التاريخ صرخ النّاسوت رعبًا: "يا أبتِ إن أمكن أن تُبْعِد عنّي هذه الكأس!" فأيقظه الحبّ المُطلق العاصف من أعماق قلبه منتشرًا في كلّ كيانه، فائضًا من لاهوته وناسوته على ناسوتنا المستغيث، فهتف مستدركًا: "ولكن لا مشيئتي بل مشيئتك!" مشيئة الحبّ المعطى في الفداء لمن هم بأمسّ الحاجة إليه! إنّهم الخطأة الغائصون في أوحال الموت وظلام العصيان... وهو يراهم كيف يغوصون! فارتمى على تلك الصّخرة الصمّاء يسقيها بدمّ حبّه إلى أن حوّلها إلى نبع حبّ يشرب منها العِطاش في القبور المظلمة والهائمون في صحارى هذه الدّنيا والمستغيثون: "يا ابن داود ارحمني!" ومَن أعمى أكثر منهم؟ فانحنى عليه اللاّهوت حاضنًا ومشجّعًا!

 

لم تتدخَّل الأُلوهة لتعفي المسيح من العرق دمًا من الرّعب في بستان الزيتون حين رأى نفسه بلحظة أمام ما سيحلّ بالبشريّة عبر التاريخ من رفضهم له وما سيحلّ به من هذه البشريّة التي سكب عليها كلّ ذاته قلبًا معصورًا على الصّليب. راح قلب يسوع، في بستان الزيتون، في خفقانه الذي ربّما لأوَّل مرّة ّفي التاريخ بلغ حدّ الإنفجار فتفجَّرت عروق جسده الشعريّة في كلّ كيانه تحت عنف هذا الضغط المنقطع النّظير، فراح يعرق دمًا؛ هنا ربّما تدخَّل القلب الإلهيّ ليمنع القلب البشريّ من الإنفجار تحت وطأة هذا الألم عابر التاريخي برمّته والمركَّز في لحظة واحدة ودفعة واحدة وبيقظة كليّة ومطلقة في وعيها... لكي يصل إلى نهاية الدّرب على قمّة الصّليب ومنه إلى العالم قاطبة.

 

على الصّليب

لما بلغ القمّة، قمّة عطاء الذات على الجلجلة، تحقّقت فيه الآية التي قالها سابقًا: "ما من حبّ أعظم من حبّ من يبذل نفسه عن أحبّائه!" لقد صُلب يسوع على صليب العار واللّعنة، لأنّه مكتوب: "ملعون كلّ من عُلّق على خشبة" (تث 21/ 23). هل اكتفى يسوع بهذا؟

 

 كلاّ بل أراد أن يترك الكلمة الأخيرة لقلبه: "طعنه أحد الجنود بحربة في جنبه فخرج منه دم وماء" (يو 19/ 34). وهكذا أراد أن يسكب كلّ دمائه على البشريّة. والدّم يعني الحياة الفيّاضة من القلب على من ينسكب عليهم. فالقلب مقرّ الحياة لأنّ وظيفته إعطاء الدمّ، وبمفهوم الكتاب المقدَّس تسكن الرّوح في الدَّم.

 

هذا عنوان السّخاء المُطلق: هو الكلمة الذي فتح صدره حتّى الأعماق وسكب ذاته بلاهوته وناسوته بكلّ دمائه حتّى الماء على البشريّة وعلى الكون قاطبة.

 

 لم يتحمَّل هذا الملك والقائد في سخائه المنقطع النّظير أن يترك دمه ينطفئ في صدره ويحشّي قلبه بدم "مخنوق" بل أراد أن يبقى قلبه قلبًا نابضًا بالحياة ولكن لأجل كلّ البشريّة وبحوار أبديّ معها ذهابًا وإيّابًا فتذهب الدّماء منه نقيّة إلى البشريّة وحين تعود إليه منها ملوّثة بالخطايا والخيانات ينقّيها بكور حبّه المتأجّج ويرسلها إليهم متفِّقةً حياةً أبديّةً منه... وهكذا في هذه الجدليّة الحواريّة ما بين حياته وموتنا تعبر حياته من أعماق قلبه المتأجّج حبًّا إلينا وتنسكب في ظلامنا وتشرق شمس قيامته في كلّ كياننا منادية إيّانا إلى العبور إلى الضفّة الأخرى.

 

خلاصة

القلب مقرّ الحبّ والحكمة والرّحمة والضمير... أمّا قلب يسوع فقد بلغ به الحبّ حتّى عطاء الدمّ حتّى الماء بكلّ لاهوته وناسوته.

 

إنّه القائد المتناهي الرّحمة الذي سكب على البشريّة كلّ حياته التي لا تنضب، هو نبع الحياة. والحياة فيه أبديّة. أعطى حياته وتدفّقت حياة على الكون ولا سيّما على الإنسان، كنبع يعطي الماء من دون حساب ومن دون أن ينضب أو يجفّ ومن خلالها يفيض الحياة على العطاش. إنّه السّخاء المُطلق الذي لا يعطي إلاّ ليحيي، ويحيي المائتين. هو القوي الذي يأتي إلى نجدة الضعفاء اليائسين، والغني الذي يسكب غناه الحياتي على الفقراء المستنجدين الرّحمة. منه يفيض اللاّهوت على ترابيّتنا لينعشها حياة أبديّة.

 

 هل من قلب يعطي اللاّهوت والناسوت، والحياة الأبديّة والسَّعادة التي لا تذوي، سوى قلب يسوع؟

 

قلب يسوع هو القلب الإلهيّ - الإنسانيّ الذي تتدفَّق فيه الحياة الإلهيّة على الحياة الإنسانيّة لتحوِّلها إلى حياة أبديّة ومنه تتدفَّق على كلّ البشريّة لتخلّص جميع البشر دون استثناء. هذا هو القلب الوحيد الذي يمكن وصفه "بالقلب الرّمز". منه يستمدّ كلّ قلب صفاته النبيلة لأنّه يحبّ ليحيي حتّى الأعداء. هو لا يحتوي إلاّ على الحبّ الذي يفيضه على الخليقة كلّها، وقيمتها الإنسانيّة.

 

                                                       الخوري الياس سليمان

                 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية