كهنوت السماء على مذابح الأرض!

 

 

 

كهنوت السّماء على مذابح الأرض!

 

 

كهنوت الإله في يدي أبناء البشر!

 

كهنوت المسيح وكهنوتنا!

 

"إنّ الله، بعدما كلّم الآباء قديمًا بالأنبياء مرّات كثيرة وبوجوهٍ كثيرة، كلّمنا في آخر الأيّام هذه بابن جعله وارثًا لكلّ شيء وبه أنشأ العالمين.

 

هو شعاع مجده وصورة جوهره، يحفظ كلّ شيء بقوّة كلمته. وبعدما قام من التطهير من الخطايا، جلس عن يمين ذي الجلال في العلى، فكان أعظم من الملائكة"...

(الرسالة إلى العبرانيين 1/ 1 - 4)

 

بهذه الكلمات الأولى من الرسالة إلى العبرانيين، سنترافق طوال هذا الأسبوع فكأنّي بكاتبها - وحتى الآن ما زالت هويّته قيد الدرس - يذكّرنا بمعرفتنا للمسيح، رأس إيماننا ومكمّله وعظيم كهنتنا.

... ومسحه الإله بزيت الإبتهاج (عبرا 1/ 9) ليكون لنا "عظيم كهنة" رحيمًا مؤتمنًا عند الله (عبرا 2/ 17)

"يستطيع أن يرثي لضعفنا" (عبرا 4/ 15)

"ويُقام للناس في صلتهم بالله" (عبرا 5/ 1).

"وإذ بلغ الكمال، صار سبب خلاص أبدي، والله أعلنه "عظيم كهنة" على رتبة ملكيصادق". (عبرا 5/ 9 - 10)

هؤلاء الذين يوجّه إليهم الكاتب رسالته - العظة، رجال ونساء إنضمّوا إلى المسيح بحماس. لكن عامل الزمن وثقل الشدائد والإضطهادات نالا من اندفاعهم الأوّل فغدوا وكأنّهم يحارون في أمرهم أمام تطوّر الأشياء وتراكم الضيقات...

فيناشدهم صاحب الرسالة بالتعمّق في إيمانهم وأن يضعوا نصب أعينهم رأس إيمانهم، المسيح، عظيم كهنتهم...

 

هذه الرِّسالة هي في غاية البساطة (حسب قول الأب فانوا اليسوعيّ)، إذ أنّ صاحبها يعالج فكرة واحدة: وهي أنّ يسوع هو عظيم كهنتنا!

 

لا يتطرّق إلى مواضيع كثيرة كما يفعل بولس (وهذا نوعًا ما الدليل الذي يتذرّع به بعض العلماء للقول أنّ هذه الرِّسالة ليست لبولس)؛ لكنّه يعمّق هذا التّعليم - (وربّما هنا صعوبة الرسالة).

يقلّب الكاتب "المسيح" إلى جميع وجوهه لنستنير بكلّ تألّقاته، ونُبهر بغناه، ابن الله وأخينا، الذي تعلّم من طريق الألم، ما هو ثمن تأنّسه.

ففي يسوع المسيح ظهر كلّ الكهنوت، ونحن (الكهنة والمسيحيِّين) نشترك في كهنوته ونتقرّب بعد الآن من الله الآب.

 

ومع كلام الوحي الإلهيّ في هذه الرِّسالة، سأضيف كلامًا روحيًّـا آخر، أيضًا عميقًا، هو كلام تفوّه له في مناسبة أو أخرى خلال سنة واحدة ونيّف قداسة البابا بندكتوس السادس عشر.

(مَن لا يعرف لاهوت وروحانيّة هذا الذي كان يدعى Joseph Ratzinger  اللاهوتيّ الألمانيّ والمطران البافاري ورئيس مجمع عقيدة الإيمان وراعي أبرشيّة ميونيخ!)

لن أعود إلى كتاباته السابقة، أكتفي بما قاله في سنة من حبريّته، ففيها من الغنى الرّوحيّ والفكريّ ما يكفي وحتى يفيض.

 

 

"كهنوت السّماء على مذابح الأرض"

ليس أهم من أن يعيد كلّ كاهن وكلّ أسقف (وهو الكاهن بملئه أو الكاهن بامتياز)، يعيد النظر والتعمّق في معنى كهنوته وجوهره، وأيضًا في عيشه كهنوته (نوعيّته وفعاليّته).

 

يقول الإقتداء بالمسيح، (السِفر الرابع، الفصل الخامس):

"في سموّ هذا السرّ وفي درجة الكهنوت":

 

1- "إنّك، ولو كانت لك طهارة الملائكة، وبرّ القدّيس يوحنّا المعمدان،

لما كنت أهلاً لقبول هذا السرّ ولا للمسِه،

لأنّ استحقاقات البشر، لا يمكن أن تخوّل الإنسان حقًا بأن يقدّس سرّ المسيح ويلمسه، ويغتذي بخبز الملائكة.

عظيمة هي مهمّة الكهنة، وعظيمة رتبتهم!

فلقد أعطي لهم ما لم يعطَ للملائكة...

فالكاهن هو خادم الله، يستعمل كلام الله، بأمر الله وترتيبه، ولكنّ الفاعل الأهمّ هنا، والعامل غير المنظور، إنّما هو الله،  الذي كلّ شيء يخضع لإرادته، وكلّ شيء يطيع أمره".

 

2- "فعليك في هذا السرّ السّامي جدًّا،...

أن "تلاحظ نفسك" (1 تيمو 4/ 16)

وتحرص على أن تتقرّب من الله، بإيمان وتقوى،... وأن تحفظ نفسك بغير لوم.

إنّك لم تخفّف حملك، بل أصبحت مقيّدًا بوثاق من النّظام أشدّ إحكامًا، وأصبح الواجب عليك البلوغ إلى قداسة أعظم.

على الكاهن أن يكون متحلّيًا بجميع الفضائل، فيعطي الآخرين مثال السيرة الصّالحة، فليس نهجه نهج الرَعاع والعامّة، بل هو نهج الملائكة في السّماء أو أهل الكمال على الأرض.

 

الله يريد أن يقرأ الإنسان حياته الدّاخليّة تحت نظره، وحسب مقصده وبهدي كلمات إنجيله...

ومتى تدخّل الله، نزع من الحياة الخطيئة ووضع النّعمة؛

ومتى تدخّل الله، نزع من الحياة المتاهة ووضع البركة؛

ومتى تدخّل الله، نزع من الحياة المرض أو المصيبة ووضع الأعجوبة!

فعلاً، حين "تحشّر" المسيح بالمرأة السّامريّة عند بئر يعقوب (يوحنّا 4/ 1 - 30) زعجها في داخلها وتدخّل في حميميّتها الأنثويّة (لكِ 5 أزواج والذي عندك الآن ليس بزوجك) وقال لها كلّ ما فعلت...

لكن في هذا التدخّل أعطاها المسيح ماء الحياة الذي فيه عين ماء، والذي لا يعطش مَن يرتوي منه أبدًا، وأوصلها إلى عبادة الآب بالرّوح والحقّ...

لم تبقَ في عبادة خارجيّة شكليّة بالذبائح والفداء، بالمادّة والشريعة الوثنيّة، بل عبرت إلى الآب بالرّوح والحقّ... وعرفت عطيّة الله!

"لو كنت تعرفين عطيّة الله!" (يوحنّا 4/ 10)

حقًا عَرَفَت السّامريّة عطيّة الله، إذ عرفَت يسوع وسمحت له التدخّل معها! وحتى عدد أكبر من السّامريين آمنوا به وسألوه أن يقيم عندهم وعلموا أنّه مخلّص العالم حقًّـا. (يوحنّا 4/ 39 - 42).

الله يكلّمنا من جديد بوجوه جديدة وأشكال كثيرة، ويعطينا حقيقة مجد ابنه.

 

آبائي!

إسمحوا في هذا الأسبوع لله التدخّل في حياتكم، ولو كنتم خلال السنة كلّها تتدخّلون في حياة العالم باسمه!... غامروا هذا الأسبوع برحلة مع المخلّص... في قيادته السفينة يفتح أمامكم آفاقًا جديدة ويعبّر بكم أمواجًا عاتية كثيرة وحتمًا يصل بكم إلى ميناء أمين!

 

 

يقول الإقتداء بالمسيح، (السفر الثالث، الفصل الأوّل):

1- "طوبى للنّفس التي تسمع الربّ يتكلّم فيها، وتقبل من فمه كلام الحياة!

طوبى للآذان التي تقبل همس الإلهام الإلهيّ، ولا تأبه البتة لمهامسات هذا العالم!

أجل طوبى للآذان المصغية، لا إلى صوت يطنّ في الخارج، بل إلى الحقّ الذي يعلِّم في الدّاخل!

طوبى للعيون المغمضة عن الأمور الخارجيّة، الشّاخصة إلى الدّاخليّة!

طوبى للذين يلجون الأمور الدّاخليّة، ويجتهدون بالتدرّب اليوميّ، أن يستعدّوا أكثر فأكثر، لإدراك الأسرار السّماويّة!

تأمّلي يا نفس في هذه الأقوال،

وأغلقي أبواب حواسك،

لتستطيعي أن تسمعي ما يتكلّم فيك الربّ إلهك!"

 

في التوصيات في آخر الرِّسالة إلى العبرانيِّين (فصل 13/ 7 - 8 و 17 - 21)، يخاطب صاحب الرسالة المؤمنين، وأيضًا المسؤولين السّاهرين عليهم:

"أذكروا رؤساءكم، إنّهم خاطبوكم بكلام الله، واعتبروا بما انتهت إليه سيرتهم واقتدوا يإيمانهم. إنّ يسوع المسيح هو هو أمس واليوم وإلى الأبد.

أطيعوا رؤساءكم  لأنّهم يسهرون على نفوسكم سهر من يُحاسَب عليها...

صلّوا من أجلنا، فإنّنا واثقون أنّ ضميرنا صالح وأنّنا نرغب في أن نحسن السير في كلّ أمر. جعلكم إله السَّلام الذي أصعد من بين الأموات، بدم عهد أبديّ، راعي الخراف العظيم، ربّنا يسوع، جعلكم أهلاً لكلّ شيء صالح للعمل بمشيئته، وعمل فينا ما حسن لديه بيسوع المسيح له المجد أبد الدّهور".

 

من كلام قداسة البابا بندكتوس السادس عشر، في قدّاس له يوم خميس الأسرار (13 نيسان 2006)، وفي مخاطبته إخوته في الأسقفيّة والكهنوت، يقول:

"في مثل هذا اليوم أعطى الربّ الإثني عشر الواجب الكهنوتيّ للإحتفال، من خلال الخبز والخمر، بسرّ جسده ودمه. بدل حمل الفصح وكلّ ذبائح وتقادم العهد القديم، أعطى الربّ ذاته.

 

 فالعبادة الجديدة إذن تأسّست بالربّ الذي أعطى ذاته، ونحن حين نمتلئ بهذه العطيّة نصبح خاصّته. فالكهنوت ليس بعد، كما كان قبلاً سلالة، إنّما لقاء في سرّ المسيح.

هو الذي يُعطينا دومًا ويجذبنا إليه، إلى فوق.

وحده يستطيع القول: هذا هو جسدي - هذا هو دمي!

وسرّ الكهنوت في الكنيسة يكمن في أنّنا نحن الضعفاء البشر، من خلالنا يعمل المسيح ونحن نتكلّم باسمه (in persona Christi).

يريد المسيح تحقيق كهنوته هو، من خلالنا؛

وكي لا تُضعِفَ حياتُنا اليوميّة بما يعتريها من (ضعف) وخلل عظمةَ سرّ الربّ، فلنتذكّر دومًا هذه السّاعة التي فيها وضع يسوع يديه علينا، واللحظة التي مُسِحت فيها يدانا بميرونه القدّوس.

فالربّ الذي وضع يديه على رأسنا، يقول لنا:

 

أنت ملكي،

أنت خاصّتي، أنا اليوم ولدتك،

أنت تحت عناية يديّ وقلبي، أنت محفوظ في قعر يدي،

أنت في حماية حبّي،

إبقَ في مسامحة يدي، وأعطني يديك!

 

لماذا يريد الربّ أن يمسح يدينا؟

 

يد الإنسان هي أداة عمله، هي الرمز لقدرته على مجابهة العالم، ولأخذ العالم بيده.

يريد الربّ منّا أن نأخذ العالم بيده ونقوده إلى فعله الإلهيّ.

 

اليدان الممسوحتان بالميرون الإلهيّ هما الطاقة التي يريدها الربّ أن تجبل العالم وتصنعه جديدًا من خلال الحبّ: صورة روحيّة، عالمًا روحانيًّـا.

 

فليتذكّر كلّ منّا في السيامة وضع اليد على رأسه؛ هي يد الربّ وُضِعت علينا ومسحتنا؛ هذا الرمز السرّي يلخّص بالواقع مسيرة وجوديّة نعيشها.

في أحد الأيّام إلتقينا كالتلاميذ الأوّل، المسيح وسمعنا كلمته: إتبعني؛

وربّما تبعناه متردّدين، وناظرين إلى الوراء، ومتسائلين: هل حقًّـا هذه هي طريقنا؟ وربّما في الطريق خبّرنا ما خبّره بطرس بعد عجيبة الصّيد (لوقا 5/ 8) وخفنا من عظمة واجب إتّباع المسيح ووعينا ضعفنا: "تباعد عنّي يا ربّ، إنّني  رجل ضعيف خاطئ".

لكنّه هو أخذ بيدنا، وجذبنا من جديد: "لا تخف، إنّي معك"، لن أتركك، فلا تترك يدي!

وأكثر من مرّة عشنا أيضًا ما عاشه بطرس حين مشى على المياه ليلاقي الربّ، ولم تكن تحمله المياه وكاد يغرق، وصرخ: "أنقذني يا ربّ" (متى 14/ 30).

لكنّ الربّ هو مدّ يده... وأعطانا وزنًا خاصًّـا وشريعة جاذبيّة مختلفة، لا نسقط فيها، بل نرتفع!...

لنضع يدنا من جديد وكلّ يوم في يد الربّ، ولا نتركها أبدًا!

... الربّ الذي وضع يده علينا، جعلنا أحبّاءه، "لن أدعوكم بعد اليوم عبيدًا، بل أحبّاء، لأنّي أعلمتكم بكلّ ما سمعته من أبي" (يوحنّا 15/ 15).

... الربّ أيضًا وضع في يدينا مفاتيح ملكوت السّماء،

"من غفرتم له غفرت خطاياه،

ومن لم تغفروا له، لم تغفر خطاياه"...

هذه هي "حالة الكاهن!" "حالة حبيب المسيح!" ولهذه "الحالة" السّامية الكاهن مدعوّ أن يلتزم كلّ يوم.

 

... العالم بحاجة اليوم إلى الله، العالم بحاجة اليوم إلى كهنة يعيشون الله ويعكسون حياته على الأرض، العالم بحاجة إلى "أحبّاء للمسيح أصيلين".

 

لكي يكون كهنة الأرض عاكسين لكهنوت السّماء! (لكهنوت الكاهن العظيم).

1- كاهن المسيح يعيش المسيح، يلتقيه في لقاء شخصيّ وحيّ،

يفتح عيونه على تعليمه وينبض به قلبه. يحمله في داخله، لكن لا يخلطه بأفكاره البشريّة ولا بميوله الخاصة.

يدع نوره يسطع ولا تحجبه مطامعه ولا خداعات عقله، إنّما هو إنجيل حيّ مُعاش بفرح!

 

(في 6/ 6/ 2006 حين افتتح قداسته في اللاتران مؤتمر العائلة قال للكهنة والمكرّسين: "الكنيسة بحاجة إلى دعوات. لاجتذابها نحتاج الصلاة، لكن أيضًا إلى شهادة حياة كهنة ومكرّسين سعداء أن الربّ دعاهم").

 

 

2- الإيمان بالمسيح ليس نتيجة لمعرفة بشريّة، ولا حصيلة للعلوم!

يعيشه الكاهن حين يلتقي المسيح بالخلوة والصلاة؛

"الحياة لي هي المسيح" (فيل 1/ 21). في المسيح الحياة وخارجًا عنه لا حياة!

 

 

3- الكاهن يشترك في كهنوت المسيح ويتابع عمله في العالم.

في خطاب التنصيب في (24/ 4/ 2005)، في أوّل كلام رسميّ له قال قداسته للعالم بأسره: "الكنيسة حيّة، الكنيسة شابة. هي حيّة وشابة لأنّ المسيح حيّ فيها، هي حيّة لأنّنا كلّنا إكليروسًا وعلمانيِّين نريد الإلتزام وخدمتها. مستعدّون للعمل والتعب، وشرح معنى Pallium رمزًا لنير المسيح، إنّما سيحمله بفرح".

 

 

4- الكاهن هو مسيح آخر! الكاهن سفير المسيح! (2 كور 5/ 20).

واجبه الأوّل أن يكون أمينًا للمسيح!

لن يحمل الكاهن المسيح إلى الغير، إلاّ بمقدار ما أعطاه (هو الكاهن) وقتًا وطاقة.

التبشير يعلن أوّلاً بشهادة الحياة!

 

 

5- الكاهن لا يعيش فقط  للأرض ولخدمة أمور الإنسان الزمنيّة.

الكاهن يعمل ويسعى للسّماء، ويجدّد في الحياة القيم فائقة الطبيعة.

 

 

6- كلّ كهنوت يأتي من المسيح ولا يستطيع أن يأتي من دونه أو غيره.

لا يُشترى ولا يُباع.

لا يستورد ولا يُملَّك.

لا يورّث، لا بالوكالة ولا بالوصاية.

لا يكون إلاّ في مَنْ اتّحد بالمسيح ونضج فيه فعل الحبّ الأكمل.

 

 

شكرًا لك أيّها المسيح، لأنّك عُدتَ إلى حياتنا، وتعود كلّ لحظة في كهنوتنا تملأها معنى وخيرًا وبركة.

أيقظ فينا روح الكهنوت الأصيل واجعلنا شهودًا أصيلين.

تكلّم هذه الأيّام فينا واجعلنا كهنة على حسب قلبك. آمين.

 

 

                                                                   الأب مالك أبو طانوس

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية