كيف نعيش المجيء الثاني؟

 

 

 

 

كيف نعيش المجيء الثاني؟

 

مقدّمة

إنَّ المرحلة الزمنيَّة التي تبدأ بعد عيد إرتفاع الصّليب المقدَّس، ولكونها المرحلة الأخيرة من السّنة الطقسيَّة، تركِّز على النّهايات، نهاية الأزمنة ونهاية العالم.

 

 ولكنّ هذا التّركيز لا يهدف إلى خلق حالة رعب وهلع عند المؤمنين، بل إلى تحضيرهم للثّبات في الإيمان والصَّبر على الكوارث والمحن والإضطهادات العديدة التي سيتعرَّضون لها.

 هم الذين وضعوا ثقتهم في الله وآمنوا بيسوع المسيح ابنه، عليهم أن يستعدّوا لمواجهة ما واجه يسوع من رفض واضطهاد. المهمّ بالنّسبة إلى المؤمنين، لا أن يقضوا الوقت منتظرين ومتسائلين متى تكون النّهاية، بل أن يعيشوا حقيقة البُشرى المسيحيّة بفرح وسلام، ساعين إلى نشرها بين الأُمم.

 

 سنحاول أن نظهر محاور الفكر اللاّهوتيّ والرّوحيّ التي ينبغي للمؤمنين في أيّامنا أن يركِّزوا عليها في هذه المرحلة الأخيرة من السّنة الطّقسيَّة.

 

نسبيَّة الهيكل

كان للهيكل الأورشليميّ المكانة الأولى بالنسبة إلى اليهود. فهو مكان سُكنى الله مع شعبه وإليه يحجّ اليهود من كلّ أنحاء العالم. وكانت كرامته من كرامة الله، ومَن جدَّف عليه فكأنّه جدَّف على الله. وإذا تعرَّض الهيكل للتدنيس والهدم فما ذلك إلاّ دلالة على غضب الله على شعبه وعلامة لانقطاع العهد بينه وبين الشّعب. وكان بناؤه فخمًا ومتقنًا ومزيّنًا بالحجارة الكريمة، يثير إعجاب الزّائرين، ويشكّل بالتالي مدعاة فخر واعتزاز لليهود. ويُمكننا أن نتصوَّر دهشة تلاميذ يسوع الجليليّين أمامه ممّا دفعهم إلى لفت نظر المعلّم إليه. ولربّما تعمَّد يسوع أن لا يوليه أهميَّة. من هنا نفهم مدى تأثُّر التلاميذ عندما سمعوا يسوع يتنبّأ عن خرابه "لن يترك هنا حجر على حجر إلّا ويُهدَم".

 

 فهذا الهيكل، مركز عبادة العهد الأوّل، كان لا بدَّ له من أن يُهدَم ويزول. إنَّ قيمته أصبحت نسبيَّة أمام يسوع الذي يجسِّد حضور الله الجديد على الأرض. وجماله ينبغي أن لا يفتن من بعد عقول النّاس.

فالهيكل الجديد، جسد يسوع السريّ، أكثر منه روعة وجمالاً وقداسة. ولا ينبغي أن يحوّل أيّ شيء نظر التّلميذ أو المؤمن عن يسوع. فكلّ شيء على الأرض عرضة للزّوال.

العلاقة بيسوع هي وحدها التي تدوم وتتخطّى جميع الكوارث والمحن والإضطهادات.

 

التساؤل المؤمن

يسأل التّلاميذُ يسوعَ عن نهاية الأزمنة: متى ستكون؟

والسؤال نفسه ما زال يراود الجميع من جواب يسوع نفهم أنّه ليس من المهمّ تحديد الزّمان ومعرفة الوقت لكي يتحضَّر التّلاميذ، بل المهمّ هو الإستعداد الدّائم لمواجهة مثل هذه الأحداث.

 هذا الإستعداد يتَّصف باليقظة وعدم التسرُّع والإنجراف وراء المسحاء الدجّالين وعدم الإضطراب والقلق من أخبار الحروب والفتن والأوبئة والكوارث الطبيعيَّة. كما يتّصف أيضًا بالشّجاعة والعزم على مجابهة أي اضطهاد مهما كان قاسيًا. التلميذ الحقيقيّ ليسوع يتحمَّل بصبر جميع هذه الأمور إقتداءً بمعلِّمه.

فالعالم سيزول حتمًا، لكنّ يسوع لم يشأ أن يُحدِّد زمن النهاية، بل أعطى علامات تدلّ على أنَّ نظام العالم، كما خلقه الله، سيتزعزع وسيتحوَّل، لأنَّ هناك نظامًا آخر سيظهر في النهاية: هو نظام الخضوع التامّ من قبل العالم وما فيه لله بواسطة المسيح.

 

والتساؤل الصّوابيّ من قبل التلميذ ينبغي أن يكون: ماذا عليَّ أن أعمل لأُساهم في تغيير هذا العالم وتحويله من عالم متمرِّد على إرادة الله إلى عالم خاضع له؟

 هذا التساؤل ينبغي أن يكون تساؤلنا نحن اليوم أيضًا لنعرف كيف نقدر أن نُساهم في تلطيف العنف والحدّ من الحروب وبلسمة الجراح الناتجة عن الكوارث الطبيعيَّة، لكي يولد العالم الجديد. كيف يُمكننا أن نصبر ونثبت في وسط المحن والإضطهادات التي نتعرَّض لها لنشكّل في قلب هذا العالم قطب رجاء وأمل، يشدّ بالنّاس نحو الملكوت الآتي؟

 

 

إعلان البشارة

في قلب التغيّرات والكوارث التي ستحصل هناك شيء واحد فقط ينبغي أن يتابع مسيرته. إنّها البشرى، بشرى الحياة والخلاص لجميع الأُمم والشعوب. هذه البشرى ينبغي أن تحافظ دائمًا على نضارتها. فلا تشيخ أو تعتق بل تبقى أبدًا جديدة. ومهما قست الإضطهادات لا يمكن للتلاميذ أن يتناسوا تلاميذ مَن هم وما هي رسالتهم الخاصّة. كما لا يمكنهم بسبب الإضطهاد والمتغيّرات أن يغيّروا في البشرى أو أن يساوموا عليها فيصبحوا بدورهم مسحاء كذبة يضلّون النّاس بدلاً من أن يهدوهم إلى المسيح وبشراه. هذه البشرى ليست جامدة أو متحجّرة بل إنَّ الأساليب والتعابير المتّبعة ينبغي أن تتطوَّر وتتأقلم مع الحضارات المختلفة. أمّا الأساس فيبقى هو هو، أمس واليوم وإلى الأبد.

 

 

عيش الكلمة

هل نُدرك نحن اليوم، ما هو دورنا في قلب العالم؟

 

وهل نسعى حقًّا لنشرِ بُشرى الخلاص بشهادة الحياة والكلمة؟

 

هل نتبنّى الطّرق التي تتيح لبيئتنا ومجتمعنا أن ينفتحا عليها ويتقبّلانها؟

 

المؤمن خلاّق ولا يعدم الواسطة. فإذا انكبَّ بجديَّة على مُعطيات مجتمعه وتطلّعات الإنسان الأصيلة، فإنّه، مع ما يمنحه الرّوح القدس من مواهب وقدرات، سيجد دائمًا الطّريقة المجدية والفعّالة لعيش البُشرى وإيصالها إلى الآخرين.

 

الأباتي بولس تنّوري

 

               

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية