ما الإيمان؟

 

 

 

ما الإيمان؟

 

 

إنَّ الإيمان هو خيرٌ أسمى، شأنه عظيم، حتَّى إنَّه من الأسهل التعريف عبر الأمثلة أكثر منه عبر الكلمات. يظهر في مثل إبراهيم الذي يجيب: "هاءنذا"، عندما ناداه الربّ لامتحانه (التكوين 22: 1). وهو يظهر في موسى الذي أجاب: "هاءنذا" عندما ناداه في العلّيقة المضطربة (الخروج 3 :4) والإيمان يكمن في موقف صموئيل الذي قال: "هاءنذا"عندما ناداه الربّ في رابع الليل (1صموئيل 3 :4-10) إنَّه يتجلَّى في موقف مريم التي قالت: "هاءنذا خادمة الربّ، فليكن لي بحسب قولك" (لوقا1: 38). 

 

فعلى حدّ قول "التعليم الكاثوليكيّ" (الرقم 1814، وهو يستشهد بدستور المجمع الفاتيكانيّ الثاني، كلمة الله، الرقم 5) عندما نسلِّم أمرنا إلى الله، فهو يتجلَّى لنا ويكشف عن حضوره ويوجِّه إلينا كلمته. أمَّا فعل "آمنَ" والمصدر "إيمان" فإنّهما يتردَّدان بتواتر كبير في العهد الجديد (في الأناجيل وأعمال الرّسل ورسائل القدّيس بولس والقدِّيسَين بطرس ويعقوب)، لأنَّ الإيمان هو المنطلق وهو مصدر انتمائنا الأوّل إلى الله.

  ففي حين أنَّ العهد القديم يشير إلى "نعم" الإنسان التي لها علاقة بمختلف الأفعال الإلهيَّة (إنَّه الربّ الذي يخلِّص ويدعو ويحرِّر ويستضيف)، يدلُّ العهد الجديد على الإيمان الذي يرتبط، بوجه مميَّز، بالخلاص الذي يعرضه الله علينا في ابنه يسوع. فالمقصود إذاً هو ذلك الفعل الحاسم والأساسيّ الذي بموجبه يتقبّل كلُّ واحد منَّا المخطَّطَ الخلاصيّ ويُقبِلُ عليه.

فهذا قد اكتمل في المسيح يسوع الذي مات وقام ويفيض علينا الرّوح. تلكَ هي البُشرى، إنجيل الخلاص الذي نجيب عليه قائلين: "نعم". وذلك هو محتوى القانون الذي نقوله في كلِّ إفخارستيَّا نحتفل بها في يوم الربّ أو في صلاتنا اليوميَّة. وكلُّ ذلك في إشارة الصّليب التي نقوم بها "باسم الآب والابن والرّوح القدس"، وهي علامة خاصّة بالمؤمن المسيحيّ.

 

وهكذا فإنَّ "الإيمان هو الفضيلة اللاهوتيَّة التي بها نؤمن بالله" ونقول له "نعم"،ونسلِّم إليه أنفسنا بصورة كاملة، وإلى كلِّ ما قاله وكشفهُ لنا، وإلى ما تعرض علينا الكنيسة المقدَّسة بأن نؤمن به لأنَّه هو الحقّ بعينه. (تعليم الكنيسة الكاثوليكيَّة، رقم 1814). الإيمان في حياتنا، الإيمان هو كلّ شيء، لا بل إنَّه الخير الأسمى. فبدون الإيمان، لا شيء إلهيٍّ فينا. فإن لم يكن لنا الإيمان، نبقى غارقين في الخطيئة وفي الجحود وفي عدم معرفة الله وفي عبثيَّة الحياة. على نقيض ذلك، مع الإيمان نبدأ نشعرُ بأنَّنا موجودون. لذلك عندما حَمَلنا أهلنا إلى جرن المعموديَّة، طرح الكاهن السؤال على عرَّابتنا وعرَّابنا: "ماذا تريدان؟" فكان جوابهما: "نريد نعمة الإيمان". نعترف بإيماننا ونعلنه في كلِّ مرَّة، أثناء القدَّاس الإلهيّ، نجيب بـ"آمين" أي"نعم"، أو"فليكن كذلك"، و"أُؤمن بأنّ تلك هي الحقيقة".  

 

ونستطيع أن نقول أكثر من ذلك: إنَّ كلَّ عمل صالح وكلَّ نشاطنا الأخلاقيّ إنَّما ينبعان من الإيمان، لأنّنا نصنع الخير ونعيش الفضائل البشريَّة من ضمن الإيمان بالله الذي يحبُّنا. فالإيمان يحرِّك إذاً أيّامنا وكلَّ تنفُّس من تنفُّساتنا. الإيمان هو ينبوع الصّلاة والمواقف المسيحيَّة والمشاركة في الإفخارستيّا والنضال في سبيل العدالة. فالإيمان هو في كلِّ عمق وجودنا، هو تلك المادَّة الحيويَّة التي تغذي كلَّ خلايا وجودنا.

 

لمَ نؤمن؟

 إنّ تعليم الكنيسة الكاثولكيَّة يؤكّد في الرقم 1814 المشار إليه سابقاً أنَّنا نؤمن بالله "لأنَّه الحقيقة بالذات". أريد بالتالي تقديم هذا المفهوم بحسب طريقين متوازيين: الأوَّل بما يخصُّ فكرنا وذهننا والثاني بما يخصُّ إرادتنا.  

 

 أولاً: 

ينبغي لنا أن نؤمن قبل كلِّ شيء لأنّ الله هو الحقيقة المعصومة، والله الحقيقة كلَّمنا بحيث أعطانا علامات متعدِّدة تحثُّنا على الإقرار بوحيه. فتاريخ الخلاص كلُّه وحياة يسوع المسيح كلُّها، من التعليم إلى الآيات والنبوءات وموته وقيامته، وحياة الكنيسة كلُّها هي شاهدة على أنَّ الله تكلَّم. فعندما نقبل الدّعوة إلى الإيمان به، نعلن إيماننا بحقيقة الله نفسه وبكونه لا يَغِشّ ولا يُغَشّ. وهكذا فإنَّ إيماننا يجد أساسه في الله بذاته.

 

 ثانيًا: 

وبالإضافة إلى الدوافع التي تحثُّ فكرنا على الإيمان بالله، فإنَّ أسباباً أخرى تقود قلوبنا إلى الإيمان عينه. إنَّنا نؤمن لأنَّ في ذلك خير الإنسان الأسمى، إذ إنَّ الإيمان يجعلنا كائنات شريكة في المعرفة الإلهيَّة، فنعرف ما يعرف الله وكما هو عارف. والإيمان يجعلنا منفتحين على الحياة الإلهيَّة ويتيح لنا الشّركة مع الربّ بحيث نستطيع أن نقول له: "أنت لنا" وهو يقدر على القول لنا: "أنا لكم".

وباختلاف العبارة، يضعنا الإيمان في وحدة الله الآب والابن والرّوح القدس التي لا تتفسَّخ.  فذلك هو السبب الذي يجعل الكنيسة في وضعيَّة الرِّسالة: بما أنَّها تدرك أنَّ الإيمان هو الخير الأسمى، فهي تريد أن تُعلن للعالم كلِّه أنَّه من الممكن ومن الجائز أن تصبح الشّرِكة مع الله شِركةً تعمُّ العالم كلَّه.

 

ما هي الصعوبات التي تعترض الإيمان؟  بعد أن حاولنا فهم ماهيَّة الإيمان في الكتاب المقدَّس، وماهيَّته في حياتنا والأسباب التي تدفعنا إلى الإيمان، نريد الآن أن نطرح السؤال لا بل أن نُعيد طرح السؤال:

لمَ يُلاقي الإيمان كمًّا وفيراً من الصعوبات؟ الواقع أنَّ مقرَّ الصعوبات ربَّما يكون على مستوى الفكر أو على مستوى العواطف.

 

 أولاً: إنّ مصدر بعض الصعوبات هو الفكر والعقل، حيث إنّه، بصورة فُجائيَّة، تنتابنا الاعتراضات حيال الإيمان وتُعَكّر صفونا.

هل الإيمان هو حقاً من باب المعقول؟ كيف أستطيع القبول بحقائق تتجاوز الفهم والإدراك؟  

ففي هذه الظروف، نستطيع أن نقاوم تلك الصعوبات وأن نكافحها عبر توسيع إطار معارفنا، وعبر محاولة إدراجها في لائحة مستفيضة فنعمل على حلِّها الواحدة تِلوَ الأخرى! ولا ننسى في هذه الأحوال أن نتمتّع بفضيلةِ الصبر وأن نضع أنفسنا أمام الحقائق التي يستند إليها الإيمان، بحيث نجد أنفسنا آمنين مطمئنِّين. في ذلك الوقت، من المهمّ أن نقرأ الكتاب المقدَّس والأناجيل التي تضع أمام أعيننا وباستمرار اليقين الذي يوقِظ الإيمان ويغذِّيه.  

ومن البديهيّ، إن لم يكترث المسيحيّ بتغذية إيمانه، فإنَّ ذلك الإيمان يصبح في خطر الموت جوعًا، بحيث يبدأ بالذبول ثمَّ تتآكلُه الاعتراضات. فانعدام المشاركة في الدروس التعليميّة وعدم التعمُّق في معرفة الكتاب المقدَّس بعهدّيه القديم والجديد يُعَرِّضان الإيمان بوجهٍ حتميّ للصعوبات الفكريَّة التي تنقل المؤمن، عند تفاعلها، من حالة الرَّيبة والشَكّ إلى حالة الإنكار والجحود.

 

  ثانيًا: إنَّ من شأن العاطفة أن تقوم بأدوار خبيثة بحقّ الإيمان. فعندما أقول، على سبيل المثال، إنَّني لم أعد أشعر بأي شيء، وبأنَّ الجفاف استولى عليَّ، وإنَّ الربَّ لم يعُد يُكلّمني، وإنهُ لم يعد يسمع صلاتي واستغاثتي، وبأنَّه أصبح أخرس، فذلك كلُّه يُشكِّلُ تهديداً عاطفيًّا للإيمان. فصمت الله، كما يُقال، واليباس الروحيّ والصحراء الباطنيَّة، أحوالٌ من شأنها كلِّها أن تكون مصدرَ صعوبات خطيرة.  

 

فكيف نتغلب على هذه الأحوال؟

 أوَدّ، بادئ ذي بدء، التذكير بمبدأ أساسيّ: إنَّ الإيمان، في تلك الأحوال ذات الطابع العاطفيّ، يتطَهَّر، فهو لا ينقص ولا يزول، إذ عندما ندخل في حالة اليباس أو تلك الليلة المظلمة، نفهم أنَّ الله هو "المختلف" عنّا، بحيث لا يمكننا أن نخلطَه بعواطفنا وأذواقنا وخيالاتنا، بل هو دوماً المتسامي. وهكذا فإنَّ الإيمان يصبح أشدّ مصداقية وأشَدّ نقاوة، وعندما نثابر على السّير في الصّحراء، إذَّاك نكتشف وجهَ الربّ الإله الحقيقيّ.

  في تلك الحالة، تصبح المثابرة الكُبرى والشجاعة العُظمى ضروريَّتَين لمقاومة التجارب المناهضة الإيمانَ والناتجة من واقع أنَّنا لا نشعر بشيء ولا نحسّ بشيء. فعلينا بالتالي الصّلاة بإلحاح، وعلينا، بواسطة فعل الإيمان، أن نُعَزِّز اتِّحادنا بسرِّ الله الذي لا يرتبط بأيّ اخيتارٍ حسِّيّ. إذاك يُصبح الإيمان أشدّ صلابةً ومتانةً.  

 

 ثالثًا: إلَّا أنَّ صعوبات الإيمان ربَّما تُسَبِّبُها إرادة ملتوية. فعلى سبيل المثال، عندما أُقَرِّر التصرُّف من دونَ أن آخُذ الوصايا بعين الاعتبار، فذلك يعني أنّي أُفَضِّل ألاَّ يكون الله موجودًا، وهكذا أترك المجال لأُذُنيَّ لتكونا مُصغيتَين إلى الاعتراضات التي تؤذي الإيمان بالله. وهذه الاعتراضات مردُّها، ويا للأسف، إلى أنَّ حياتنا المسيحيَّة وطريقة وجودنا وسلوكنا غير مطابقة للإنجيل.

 

فواجبنا إذَّاك أن نتَّخذ طريق اهتداءٍ يقودنا إلى التفكير والسلوك بموجب الحقيقة وبموجب وجود الله. عند ذلك يصبح الإيمان أسهل ممّا كان عليه في الماضي. فلنطرح السؤال على ذواتنا!  اقترح عليكم أربعة أسئلة من شأنها المساعدة على التأمُّل الشخصيّ في الإيمان ودوره في الحياة:

 

1-   السؤال الأول: هل يحدث لي أن أُفكِّر أحياناً في أهميّة الإيمان، وفي أهمّيَّة الإيمان على مستوى حياتي؟ فعندما أرسم إشارة الصليب على وجهي وصدري، وعندما أتلو فعل الإيمان، أو عندما أُجيب بكلمة "آمين"، فهل أُفكِّر حقيقةً في إيماني وفي معناه على مستوى أحداث حياتي؟

 

2-   السؤال الثاني: هل أنا مقتنعٌ جدّيًّا بأنَّ كلَّ فعل من أفعالي هو مرسَّخٌ في الإيمان وبأنَّ كلَّ ما أقوم به من الخير ينبع من الإيمان؟

 

3-   السؤال الثالث: ما هو الدافع الذي يُساعدني على الإيمان أكثر من غيره؟ هل هي الصلاة، أم قراءة الكتاب المقدَّس، أم التعليم المسيحيّ؟ هل هو قراءة أحد النصوص التي تتكلَّم على الإيمان وتُتيح لي أن أجد حلًّا لمشكلةٍ ما، أم هو محادثة بعض الأشخاص الرّاسخين في إيمانهم، أو المشاركة في إحدى المجموعات حيث تُقام الصّلاة ويُعاش الإيمان؟

 

4-    ما هو العائق الأكبر الذي يواجه إيماني؟ أهو في اعتراضاتٍ من نوعٍ فكريّ عقلانيّ؟ أهو جفاف روحيّ؟ أهو سلوك لا يتوافق ومقتضيات الإيمان؟ كيف أستطيع تجاوز هذه الاعتراضات والعوائق والتغلُّب عليها؟  

 

فلنطلب إلى الربّ أن يزيدنا إيماناً بحيث نجعل صلاة شارل ده فوكو الجميلة صلاتنا الخاصَّة:

 

"أبتِ، إنّي أسلِّمُ إليكَ ذاتي، فافعل بي ما تشاء.

ومهما فعلتَ بي، فأنا شاكرٌ لكَ. إنّي مستعدٌّ لكلِّ شيء.

ليسَ لي رغبةٌ أُخرى يا إلهي،

سوى أن تَكمُلَ إرادتُكَ فيَّ وفي جميعِ خلائقك.

إنّي أستودعُ روحي بين يديك،

وأهبها لكَ يا إلهي، بكلِّ ما في قلبي من الحبِّ،

لأنّي أحبُّكَ،

ولأنَّ الحبَّ يتطلَّبُ منِّي أن أهبَ نفسي،

أن أودِعها بين يديك،

من دون ما قياس،

وبثقةٍ لا حدَّ لها... لأنَّكَ أبي" آمين.

 

 

  من كتاب "الفضائل" للكاردينال كارلو ماريا مرتيني اليسوعي

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية