معمودية المسيح ومعموديتنا

 

معمودية المسيح ومعموديتنا

 

يتقدّم المسيح ليعتمد من يوحنّا، فيمانع يوحنّا قائلًا: "أنا المُحتاج أن أعتمد منك... وأنت تأتي إليّ!؟" (متّى 3/ 13-17).

 

مانع يوحنّا لأنّ معموديّته كانت لحثّ الناس على التوبة. فكيف يرضى بأن يعمّد ذلك البارّ يسوع المسيح، والذي كان يقول فيه: "أنا أعمّدكم في الماء من أجل التوبة، وأمّا الذي يأتي بعدي فهو أقوى منّي، وإنّي لست أهلًا لأنّ أحلّ نعليه. وهو يعمّدكم في الرّوح القدس والنّار" (متى 3/ 11). لكنّ المسيح أصرّ على أن يمنحه معموديّة التوبة في الأردنّ: "دعني الآن أفعل، إذ هكذا يليق بنا أن نكمّل كلّ برّ.

 

إصرار المسيح على تقبّل معموديّة التوبة يدلّ على إرادته في الانضمام إلى صفوف الخطأة، ورغبته في أن يتضامن والإنسان الفاشل روحيًّا، النادم، الطالب الغفران وإعادة الاعتبار... هذا هو نهج المسيح في رسالته الخلاصيّة، أن يتضامن مع الإنسان الخاطىء، حتّى تحمّل لعنة الصّليب، من أجل النهوض بالبشر من كبوتهم.

 

جاء ليخلّص العالم من خطيئته، فلم يشأ أن يفعل ذلك من الخارج، غصبًا عن الإنسان، بالإكراه... بل من الدّاخل لأنّ الخطيئة في القلوب، والقلب البشريّ - على حدّ قول أحدهم - لا يُنفذ إليه بالاقتحام بل على الرّكبتين... فانضمّ إلى صفوف الخطأة، ثمّ عاشرهم، وأقام معهم الحوار مقدّرًا ضعفهم، محترمًا حرّيتهم، ناذرًا نفسه لخدمتهم.

 

هذا ما لن يروق متزمتيّ عصره، فينتهي بهم الأمر إلى التخلّص منه على الصّليب تلك المعموديّة الثانية والحقيقيّة للمسيح: "عليّ أن أقبل معموديّة، فأيّ  كرب أعانيه حتّى تتمّ!" (لو12 / 50).

 

على ضفاف الأردنّ، ذلك النّهار، تلخّصت رسالة المسيح. ولكن، هل نحن معنيّون بالأمر؟

 

من دواعي الانشراح أن نعلم أنّ المسيح، ذلك الإله المتجسّد متضامن معنا في فقرنا، في ضعفنا... أن نعلم أنّه انحدر إلى مستوانا ليرفعنا إلى مستواه. أخذ ما لنا ليهبنا ما له. افتقر ليُغنينا. تواضع ليرفعنا. "غطس" معنا في ماء الغرق ليخلّصنا من الغرق...

ومن دواعي الأمل أن نعلم أنّنا لسنا وحدنا في خطيئتنا. إذن لا مجال لليأس، فالمسيح قد انضمّ إلينا، وأراد أن يُحصى بين الخطأة، لكي يأخذ عليه خطايانا، فيقضي عليها بصليبه المقدّس، حتّى إذا ما وقع علينا نظر الآب يرى فينا ابنه، وإذا ما وقع نظره عليه يرانا فيه ويقول: "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت"، فيكون لنا بذلك نعمة وبرارة وخلاص.

 

فلنفرح إذن ولنبتهج، لأنّ الله يوافينا في ذلك الذي كان يبعدنا عنه كوننا  خطأة. فإنّ ابنه الحبيب لمّا أخذ صورتنا، طبع فينا صورته، فحظينا برضى الآب ونلنا الخلاص ... نهار الغطاس غطس الله في العجين البشريّ الفاسد فكان له خميرًا مُحييًا. ومنذئذٍ أصبح سرّ الخلاص في أن ندع الخمير الإلهيّ يخمّر فينا العجين البشريّ بالتوبة والمحبّة.

 

فلنتأمّل في ما جرى يوم اعتماد المسيح، ندرك ما يحدث يوم اعتمادنا. اعتمد المسيح فحدث أنّه حلّ عليه الرّوح القدس بشكل طير حمام.

 

طير الحمام ، هل هو تلميح إلى الطير الذي أطلقه نوح، فعاد إليه وفي منقاره ورقة زيتون خضراء (تك 8/ 11)، فيكون ذلك تلميحًا إلى نهاية الطوفان الروحيّ الذي سببّته الخطيئة؟...  

 

هل هو إشارة إلى محبّة الله كما جاء على لسان الحبيب مخاطبًا حبيبته في نشيد الأناشيد:

"يا خليلتي، يا يمامتي، يا كاملتي..." (نش 5/2)؟... هل هو إشارة إلى ما جاء في سفر التكوين من أنّ روح الله كان "يرفّ على وجه المياه" (تك1/2)، فيكون ذلك تلميحًا إلى أنّ اعتماد المسيح كان خلقًا جديدًا؟ ... قد يكون كلّ ذلك معًا: نهاية الطوفان الروحيّ، محبّة الله للبشر، تجديد الخلق بيسوع المسيح.

 

وحدث أنّه سُمع صوت الآب وهو يقول "أنت ابني، أنا اليوم ولدتك" (مز 2/ 7).

 

هل هذا إحداث لبنّوة المسيح الإلهيّة، بمعنى أنّه لم يكن فصار ابن الله؟ طبعًا لا. فالمسيح ابن الله بالطبيعة منذ الأزل ("والكلمة صار جسدًا")... هذا إعلان لهويّته الإلهيّة وتجلٍّ لها، هذا إظهار لرسالته الخلاصيّة وتدشين لحياته العلنيّة.

 

ونحن، ماذا يحدث لنا في المعموديّة؟

تحضر جماعة المؤمنين إلى الكنيسة وتصلّي من أجل طالب العماد، كيما يعتمد "بالنّار والرّوح"، فيتنقـّى كما النّار تنقـّي الذهب، ويتزيّن "بمواهب الرّوح القدس" التي تمنح نور المعرفة وقوّة التنفيذ... ثمّ تطلب الجماعة للمعمّد أن يقدّس الله منه الجسد والنفس والرّوح مسكنًا للاهوته، ويطهّر منه القلب، وينير العقل، ويحمي السّمع والفكر من ضلال العالم... وتقسّم أخيرًا على الأبالسة الدّنسة، والأرواح النجسة، أن تخرج "من هذه الجبلة التي خُطِبَت للإله الحيّ" وهي معدّة لأن تكون "مسكنًا للرّوح القدس".

 

يحلّ الرّوح القدس على المعمّد و"يرفّ" عليه، فينشف فيه طوفان الخطيئة الأصليّة، ويقول له كلمة الحبّ الصادرة من قلب الآب السماويّ، ويجعل منه خلقـًا جديدًا فيتحوّل داخليًّا، ويتبدّل من الإنسان العتيق إلى الإنسان الجديد.

 

يقول الآب للمعمّد: "أنت ابني، أنا اليوم ولدتك"، لا بالطبيعة، بل بالتبنّي، بحيث يستطيع مثل المسيح أن يخاطب الله قائلًا "أبا!" (روم 8/15، غلا 4/6)... وكما أنّ رسالة المسيح دشّنت يوم اعتماده، كذلك حياة المعمّد المسيحيّة والرّسوليّة تدشّن يوم عماده.

 

هل نتذكّر كلّ ذلك يوم نعمّد أولادنا؟ هل نحاسب أنفسنا على ضوء متطلّبات المعموديّة؟ كم يكون مفيدًا أن نتأمّل ما يقوله القدّيس بولس في هذا المجال: "نحن الذين متنا للخطيئة، كيف نعيش بعد فيها؟ أم تجهلون أنّنا، جميع من اعتمدوا للمسيح، قد اعتمدنا لموته (جُعلنا متّحدين بموته لننال فوائد روحيّة؟)... فإن كنّا قد مُتنا مع المسيح، نؤمن أنّنا سنحيا أيضًا معه... فاحسبوا أنفسكم أمواتًا للخطيئة، أحياءً لله في المسيح يسوع... لا تجعلوا أعضاءكم أسلحة إثم للخطيئة، بل اجعلوا أنفسكم لله، كأحياء عادوا من الموت، وأعضاءكم أسلحة برّ لله" (عب 6/ 3-13).

 

بالمعموديّة نصير أبناء الآب، إخوة الابن، أصدقاء الرّوح. علينا إذن أن نسلك في الحياة "على ما يليق بإنجيل المسيح" (فيل 1/ 27)، و"بالله الذي يدعونا إلى ملكوته ومجده" (1تس 2/ 12)، و"بالدّعوة التي ندبنا إليها، بكلّ تواضع ووداعة وصبر" (أف 4/1)، فنسير "من ثمّ على ما يليق بالرّب، وفي كلّ ما يرضيه، فنثمر بكلّ عمل صالح، ننمو في معرفة الله" (كول 1 /10).

 

 

الأب جميل نعمة الله السقلاوي اللعازري 

المركز الدائم للتنشئة المسيحية macro-max rebound mazar
CMS x