مفاعيل المعمودية

 

مفاعيل المعمودية

 

ميلاد ثانٍ وخلق جديد

هذا ما يؤّكده المسيح بقوله: "المولود من الجسد هو جسد، والمولود من الرّوح هو روح" (يو 3/ 5-6).

والقدّيس بولس: "إن كان أحد في المسيح، فهو خليقة جديدة. فالقديم قد اضمحّل، وكلّ شيء قد تجدّد" (2كور 5/ 17)،" لأنّ الختان ليس بشيء ولا القلف، بل الخليقة الجديدة" (غل 6/ 15).

خلق جديد؟ ماذا يعني؟

يعني أنّنا بالمعموديّة نتحوّل إلى كائن جديد، كائن المخلوق الذي انتقل من كونه ابنًا للإنسان إلى كونه ابنًا لله. هذا الواقع الجديد ليس أقلّ ولا أكثر من أنّنا، بالمعموديّة، نصبح "شركاء في الطبيعة الإلهيّة" (2 بط 1/ 4).

يقول نيقولاوس كباسيلاس: "ماء العماد يُبيد حياةً ويوجد حياة أخرى... بالعماد نخلع الثوب الجلديّ ونرتدي المعطف الملوكيّ" (بول أفدوكيموف، Les âges de la vie spirituelle  ص 63).

 

إلتزام حياة جديدة

خلع اللّباس قبل العماد كان يعبّر عن الواقع الجديد الذي صار إليه طالب العماد، بعدَ الكفر بالشيطان وفعل الإيمان بالمسيح، أي تعرّيه من ذاته القديمة، ذات الإنسان العتيق، والتزامه نوعيّة حياةٍ جديدة حياة الإنسان الجديد، الذي يتجدّد بالمعرفة على صورة خالقه، كما يقول بولس الرسول... "فالبسوا إذًا أحشاء الرّحمة واللّطف والتواضع والوداعة والصبر. احتملوا بعضكم بعضًا وتسامحوا... وفوق كلّ شيء البسوا المحبّة التي هي رباط الكمال. وليَسدْ في قلوبكم سلام المسيح..." (كول 3/ 9-15)، لأنّ إنساننا العتيق قد صلب معه" (روم 6/ 8، 6).

 

اتّباع المسيح

بالمعموديّة يتطّعم الإنسان عضوًا في جسد المسيح السرّي (روم 12/ 5، 1 كور 10/ 17). ومن ثَمّ يصبح خاصة المسيح وملكه.

 

هذا ما يقوله المجمع الفاتيكاني الثاني: "لقد طعّم البشر بالعماد على سرّ المسيح الفصحيّ: فماتوا معه، ودفنوا، وقاموا، ويقبلون روح تبنّي الأبناء" ( ل، 6).

 

هذه الصفة تجعل المؤمن خاصة المسيح ومتّبعًا له  حتّى الاستشهاد: كان قديمًا كلّ طالب عماد يسجّل اسمه في سجّل المسيحيّين والموعوظين، فيعرّض بذلك نفسه للموت زمن الاضطهاد.

فما الذي كان يمنحه هذه الجرأة؟ الإيمان بأنّ مسحه بالميرون، يوم العماد، يمنحه قوّة ومناعة، كالمصارع النازل إلى المصارعة.

 

موت وقيامة مع المسيح

يقول بولس الرسول: "فلنعلم أنّ إنساننا العتيق قد صلب معه، لكي يتلاشى جسد الخطيئة، بحيث لا نستعبدُ بعد للخطيئة" (روم 6/ 6).

كيف نتعرّى من إنساننا العتيق؟ لقد اعتدنا القول إنّ مفعول المعموديّة هو "محو الخطيئة الأصليّة". لكنّه قولٌ ناقص. محو الخطيئة الأصليّة ليس إلّا مفعولًا ثانيًا.

 

المجمع الفاتيكانيّ الثاني لا يأتي ولا مرّة، في موضوع العماد، على ذكر الخطيئة الأصليّة، بل يركّز على كون المعمّدين قد أصبحوا مكرّسين: "ليكونوا بيتًا روحيًّا وكهنوتًا مقدّسًا" (ك، 10)، و"أبناء الله، وأعضاء في جسد المسيح، ومولودين روحيًّا" (ك،11، 21، 18)، "وشركاء الطبيعة الإلهيّة وبالتالي قدّيسين حقًّا" (ك، 40)، و"أبناء حُبِلَ بهم من الرّوح القدس ومولودين من الله" (ك،64)، و"شبيهين بالمسيح و"جسدًا واحدًا وإيّاه" (ك، 7)،  "فتألّف منهم شعب الله، وأصبحوا شركاء في وظيفة المسيح الكهنوتيّة والنبويّة والملكيّة" (ك، 31).  

 

فالقول إنّ العماد يمحو الخطيئة الأصليّة قولٌ ناقص وغير موفّق. الانتماء إلى جسد المسيح السرّي هو المفعول الأوّل وهو الذي يمحو الخطيئة الأصليّة، كما أنّ حلول النّور هو الذي يُقصي الظلمة، والصحة تقصي المرض.

 

يقول بولس الرّسول: "إذًا، بالمعموديّة، صرنا متّحدين مع المسيح بشبه موته، نصير أيضًا بشبه قيامته" (روم 6/ 5).

 

كما ويقول  تيودورس المبسوسطي (القرن الرابع): "كان سلطان الموت علينا عظيمًا لكنّ سيّدنا المسيح، بموته وقيامته، أبطل سلطان الموت، لأنّه باكورة الراقدين (اكور 15/ 20). فعندما أعتمد بصبّ الماء على رأسي، إنّما هو موت المسيح ما أقبل، وهو كفنه ما أتوق إلى اتّخاذه. وبذلك أعترف أيضًا بقيامة سيّدنا ما دمتُ، لدى خروجي من الماء، أعتبر نفسي، على نحوٍ رمزيّ، قد قمت من بين الأموات".

 

الأب جميل نعمة الله السقلاوي اللعازريّ

macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية