مفهوم الخطيئة ونتائجها في حياة الانسان

 

مفهوم الخطيئة ونتائجها في حياة الانسان

 

مفهوم الخطيئة ونتائجها في حياة الانسان 

 

الخطيئة تبدأ تعلقًا بالمخلوقات وابتعاد القلب والحياة عن خالقها. هي تعلّق بعطايا الله ونسيان أو إنكار معطيها هذا الواقع خطيئة ضدّ وصية الله الأولى من وصاياه العشر:"أنا هو الرب إلهك، لا يكن لك إله غيري". وتظهر في السعي إلى خيرات الأرض وحدها مع الاستغناء عن الله، وفي جعلها غاية في الحياة لا وسيلة للعيش الكريم من جهة، ولمعرفة الله أكثر وعرفان الجميل له. وتظهر في عبادة الاشياء والاشخاص والبدع، وفي البحث عن سعادة مزيّفة سرابية في تعاطي الدعارة والمخدرات والسِّكر ولعب القمار.

 

وتظهر في الابتعاد عن الكنيسة وتعليمها، وعن الممارسة الدينية في يوم الرب الذي هو يوم الأحد.

 

أما نتائج الخطيئة فهي العيش في حرية منفلتة من قواعدها، المؤدية إلى الافتقار من القيم الروحية والاخلاقية والاجتماعية. ومن نتائجها الانحطاط الشخصي، وفقدان الكرامة، وحالة الاذلال أمام الله والناس.

 

     التوبة ومراحلها 

 

    التوبة وقفة صريحة روحانية أمام الله والذات، وعودة إلى نقطة الانطلاق، إلى البيت الوالدي حيث البحبوحة والعيش الكريم. إنها بالحقيقة عودة إلى الله، الذي تعلّق قلبنا بغيره من الاشياء والناس، وابتعدنا عنه، ونسيناه. هذا يُسمى فحص الضمير كنقطة انطلاق، ويعني الدخول في حضرة الله، واستدعاء الروح القدس الذي يكشف خطاياي ومحبة الله ورحمته اللامتناهية. في هذا الجوّ من السكون أمام الله، بعيدّا عن كل تشتت وضجيج، وفي صفاء الذهن والقلب، أستطيع أن أقرأ حالة حياتي. عندها آسف وأشعر بندامة في القلب

 

    ويأتي قرار تغيير الواقع الحاضر، وهو الخروج من حالة الخطيئة وأسبابها وظروفها، والابتعاد عنها. إنه قرار صعب لأنه يقتضي حرمان النفس من ملذات ملموسة، لكنها في الواقع تؤدي إلى المزيد من نتائج الخطيئة؛ وتؤدي في نهاية العمر إلى الهلاك الأبدي.

 

    قرار التغيير هو علامة الندامة الحقيقية، ندامة القلب. وهو إقرار بالخطايا والشرور المقترفة، واعتراف بأنها كانت ضد الله والكنيسة والجماعة، وفرض تعويض عنها وتكفير، كضمانة لعدم العودة إليها، واقرار بفداحتها. 

 

     الغفران والمصالحة.

 

    التائب من القلب بروح الندامة الحقيقية، ينفّذ قرار التغيير ومقتضياته، ساعيًا إلى نيل المغفرة عن خطاياه وشروره من الله الغني بالرحمة. 

    هذا الرجوع، بالخروج من أسباب خطاياه وشروره والابتعاد عنها، بحركة عكسية للحركة الأولى التي نكبته، عندما خرج من بيت أبيه وابتعد عنه، كافٍ عند الله لكي تفيض عليه نعمته ورحمته التي تفوق من دون قياس خطايا الانسان.

    فالله المتألم بحنان الأب من ضياعنا، يعرف بؤسنا، ويتحيّن الفرص لعودتنا، ويبتكر الظروف، ليجتذبنا إليه، ويغفر خطايانا. 

    عظيمة رحمة الله ومحبته! لا ينتظر اعتذارنا، لكنه يتركنا نُقرُّ بخطيئتنا ونُعرب عن ندامتنا. 

 الله يعرف خطايانا بكل دقائقها وتفاصيلها. ربما نحن نحاول، حياءً أمام الكاهن، إخفاء بعضها. لكن الله يريد أن نعترف بها بلساننا تواضعًا وانسحاقًا، والتزامًا أمامه بعدم العودة إليها، وبالتعويض عنها بحياة بارّة مخلصة لله وللناس، وبأعمال محبة ورحمة وغفران، وبعيش الاتحاد مع الله بالصلاة وممارسة الأسرار والعبادة في يوم الرّبّ مع الجماعة المؤمنة.

  

   أما المصالحة، التي تأتينا من الله باستحقاقات آلام المسيح وموته فداءً عن خطايا البشرية جمعاء، فظاهرة بثمارها الثلاث 

 

    أ- تُلبسنا ثوب النعمة وتُعيد إلينا بهاء صورة الله.

  

  ب-  تُعيد إلينا رباط البنوة بأبوّة الله، وتعبّر عن أمانة الله لرحمته ومحبته لنا.

 

 ت-  تفتح أمامنا طريقًا جديدًا ونمط حياة جديدًا، ونظرة إلى الحياة وخيرات الدنيا جديدة، ومسلكًا جديدًا في حياتنا اليومية.

 

بالمصالحة يعيدنا الله إليه وإلى الكنيسة، وإلى جماعة المؤمنين، ويعيد معنا الفرح والسعادة "بذبح العجل المسمّن، وبدعوة جميع أهل البيت ليجلسوا معًا إلى مائدة الطعام والفرح، لأن ابنه هذا كان ميتًا فعاش، وكان ضالاً فوُجد" ( لو 23/15 - 24).

يرمز العجل المسمّن إلى وليمة جسد الرب ودمه في ذبيحة القداس. فيجلس إلى مائدتها المتصالحون مع الله والكنيسة. ومن هذه الوليمة تفيض سعادة المؤمنين، وتسود المحبة فيما بينهم وروح الأخوّة والتضامن، وتتشدد روابط الوحدة التي تجعل منهم "قلبًا واحدًا ونفسًا واحدة" (أعمال 4: 32).

   

المصالحة دورنا ورسالتنا

   

   رحمة الله واسعة بدون حدود، نحن، بضعفنا البشري وحقدنا وكبريائنا وحسدنا، نبقى دونها بكثير. لقد علّمنا المسيح في صلاة الأبانا التي أرادها صلاتنا اليومية أن نتوسّل إلى رحمة الله:"اغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، كما نحن نغفر لمن أساء إلينا" (متى 6: 12). وأضاف الرب على هذه الصلاة كلامًا صارمًا:"فإن كنتم تغفرون للناس زلاّتهم، يغفر لكم أبوكم السماوي زلاّتكم. وإن كنتم لا تغفرون للناس زلاّتهم، لا يغفر لكم أبوكم السماوي زلاّتكم(متى 6: 14).

     رافضو المغفرة والمصالحة، يعيشون أسرى مواقفهم وكبريائهم وحقدهم ومصالحهم. وهذا مؤلم للغاية، أكان بين الزواج والأخوة في العائلة، أم بين أبناء الكنيسة ورعاتها وإكليروسها، أم بين أبناء البلدة الواحدة والمنطقة، أم وبخاصة بين أفراد الجماعة السياسية وكتلها وأحزابها.

   إثنان يعيشان السعادة الحقيقية: الشخص التائب والشخص المسامح. التوبة عدالة والمغفرة مصالحة. ومعلوم أن "لا غفران من دون عدالة". ونصلي في المزمور:"المحبة والعدالة تتعانقان" (مز 84: 3).

     التائب يعود إلى الله من خلال الكاهن ممثله، المؤتمن على السلطان الإلهي. يعترف بخطاياه بتواضع وانسحاق قلب. والكاهن يستقبله بمحبة الله ورحمته، ويرشده إلى طريق جديد، ويمنحه الحلّ من خطاياه باسم الله الواحد والثالوث: باسم محبة الآب التي تظلله، ونعمة الابن التي تفتديه وحلول الروح القدس الذي يقدّسه ويحييه.

 

البطريرك الراعي - موقع بكركي

 

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية