من حوّاء التّراب إلى حوّاء الرّوح

 

 

 

 

من حوّاء التّراب إلى حوّاء الرّوح

 

منذ ما خلق الله الكائنات ختم الخلق بالإنسان، وفي خلقه للإنسان ختم الخلق بحوّاء. وحوّاء هي التي تحيا، وهي أُمُّ كلِّ حيّ. يرتبط اسمُها بالحياة. والحياة مصدرها الله. لا حياة إلاّ من الله وإلى الله مآلها.

فالحياة التي يعطيها الله أبديَّة في بُعدها الرّوحي الذي عبره تكمن هويَّة الإنسان: خلقه على صورته كمثاله. هذه هي صورة الله. ولكن عبر الخطيئة التي إرتكبها. بات الإنسان مشوّهًا: حين إنفصل عن الله بات كائن إنحلال. فالحياة فيه لم تعد أبديَّة، بل مؤقّتة على قياس الخليقة التي بموجبها إستمدَّ حياته من عناصر الكون التي عبدها حين وضع شجرة معرفة الخير والشرّ، وسيِّدتها الحيَّة، في وسط الجنَّة واستبعد شجرة الحياة، التي سيِّدها الله.

 

 ماذا تعني خطيئة الإنسان الأوَّل؟

 

الخلق الأوَّل ختمته حوّاء

بعد أن خلق الله الكائنات كلّها بترتيبها التطوّري بخمسة أيّام، تابع في اليوم السّادس بخلق الطّعام، وختمه بخلق الإنسان على صورته كمثاله. نحن أمام مبدأ الحياة ولو كان على الصّعيد الماديّ، بالنهاية الحياة هي الحياة، أكانت مؤقّتة أم دائمة. تمرُّ الواحدة بالأخرى. في الخلق الأوَّل حين خلق الله الإنسان خلقه على صورته كمثاله وكان حسنًا جدًّا، وكان تعبير الإنسان "ها آدماه" بالعبريَّة، أي آدم، المأخوذ من أديم، المأخوذ من أديم الأرض، من التّراب. وبعد أن خلق الله الإنسان من التّراب، ورد أنّه خلقه على صورته كمثاله، ذكرًا وأُنثى خلقهم، على صورته كمثاله خلقهم (تك 1/ 27). في رواية الخلق هذه، ما يُذكَر هو خلق الإنسان من التّراب. وبعدها إستراح الله في اليوم السّابع (تك 2/ 2). أمّا خلق الإنسان من نفس الله، فقد حصل في اليوم السّابع، يوم إستراحة الله، الذي هو يوم إهتمام الله بالإنسان. لذلك يقول يسوع لليهود إنَّ "ابن الإنسان هو ربّ السّبت" (متّى 12/ 8)، والسّبت هو يوم إستراحة الله؛ ويقول لهم إنَّ "السّبت جُعل للإنسان وليس الإنسان للسّبت" (مر 2/ 27). لذلك حين لم يُرِد الله أن يترك الإنسان "آدم" لوحده، صنع حوّاء.

 

كيف تمَّ خلق حوّاء؟

"قال الله: "لا يحسن أن يكون الإنسان (آدم) وحده، فلأصنعنَّ له عونًا يناسبه" (تك 2/ 18). "فأوقع الربّ الإله سباتًا عميقًا على الإنسان فنام. فأخذ إحدى أضلاعه وسدَّ مكانها بلحم وبنى الربّ الإله الضّلع التي أخذها من الإنسان امرأة. فأتى بها الإنسان. فقال الإنسان: هذه المرَّة هي عظم من عظامي ولحم من لحمي، هذه تسمّى امرأة لأنّها من امرئٍ أُخذت" ولذلك يترك الرّجل أباه وأُمَّه ويلزم امرأته فيصيران جسدًا واحدًا" (تك 2/ 21 - 24).

 

لقد صنع الله حوّاء بمبادرة حنان منه على آدم لكي لا يبقى لوحده. والإنسان جماعة على صورة الله كمثاله (تك 1/ 27). أخذها من آدم المرتبط بالتّراب، بالقوّة والحراثة والحراسة.

 

 كلمة حوّاء تعني "التي تحيا" وهي المرتبطة بالحياة وتعطي الحياة. وخلق حوّاء هذا يتمّ يوم الربّ، يوم إستراحة الله حيث كان آدم مستريحًا (سبات آدم).

 بحسب اللاهوت الرّبّيني، لا يبدو أنَّ الولادة قبل الخطيئة كانت بالألم، بل بالرّاحة، لأنَّ الألم ثمرة الخطيئة. ومبدأ الحياة المطلق هو الله. فحوّاء إذًا، هي الأقرب بصفتها معطية الحياة إلى الله الذي هو مصدر الحياة. آدم مأخوذ من التّراب، وحوّاء مأخوذةٌ من آدم. وهي قمَّة هرم الخلق. لذلك أنهى الله الخلق لها. فآدم قويّ، يحمي الحياة التي تعطيها حوّاء. كانت حوّاء خاتمة الخلق في يوم الربّ.

 

مفاعيل الخطيئة

كان الإنسان الأوَّل بعد خلق الله له، كائن سلام وفرح وتعاون، وتضامن. لم نلحظ خلافًا بين آدم وحوّاء. بل آدم قال فرحًا: "هذه المرَّة هي عظمٌ من عظامي ولحمٌ من لحمي، هذه تُسمّى امرأة لأنّها من امرئٍ اُخذت" (تك 2/ 23)، وكلّ هذا يُشير إلى الإنسجام والحبّ والتّفاهم بينهما.

ويُتابع الله: "ولذلك يترك الرّجل أباه وأُمّه ويلزم امرأته فيصيران جسدًا واحدًا" (تك 2/ 24). فالله يُبارك هذه الحياة الإنسجاميَّة ويُقيم عائلة بشريَّة منفصلة عن الأهل. وهذا ما يقوله الله منذ نقطة إنطلاق العائلة الأولى التي يتمّ وصفها، أنّها خرجت مباشرة من يد الله. هذه العائلة كانت تعمَّها البراءة: "وكان كلاهما عريانيّين، الإنسان وامرأته، وهما لا يخجلان" (تك 2/ 25). لم تكن تطغي عليها الشّهوة حتّى الغرائزيَّة. ينتهي عهد البراءة عند هذه النقطة قبل العبور إلى الخطيئة.

 

ما هي مفاعيل الخطيئة؟

يبدأ التّحضير للخطيئة بخلق الحيَّة. وهذه حكمة تعني أنَّ الخطيئة ليست من تكوين الإنسان بل من مفعول خارج عنه: الحيَّة التي تتَّصف بنعومة الملموس وعنف السمّ القاتل، مثل التّجربة التي يقع فيها الإنسان. الحيَّة أفقيَّة، ترابيَّة، هي تمثِّل رمز الشرّ المنفصل عن الإنسان. ولكن الإنسان يستقبله. بماذا تبدأ التجربة؟

 

بسؤال يزرع الشكّ. هذا أشرّ ما يمكن أن نتصوّره: سؤال يتغطّى بالبراءة ويزرع الشكّ الذي يزعزع الثقة بالشّخص الآخر: "أيقينًا قال الله: لا تأكلا من جميع أشجار الجنّة؟" (تك 3/ 1). شعرت حوّاء بالشّهوة تتكوَّن بموضوع ممنوع. زرعت الحيَّة الشكّ. إنكشفت الشّهوة الحسيَّة لدى حوّاء بكذبها بالتضخيم: "من ثمر أشجار الجنّة نأكل، وأمّا شجر الجنّة التي في وسط الجنّة، فقال الله: لا تأكلا منه ولا تمسّاه كيلا تموتا!" (تك 3/ 3). هذا غير صحيح، لم تكن شجرة معرفة الخير والشرّ في وسط الجنّة، بل كانت شجرة الحياة في وسط الجنّة، بل كانت شجرة الحياة في وسط الجنّة (تك 2/ 9)، ثمّ لم يقل الله "لا تمسّاها!". هي إذًا فريسة الشّهوة. هي تشتهي أن تأكل منها حين جمّلتها الحيَّة بعينها. فانتقلت الحيَّة إلى التأكيد المكذّب لله: "موتًا لا تموتان، فالله عالم أنّكما يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتصيران كآلهة تعرفان الخير والشرّ" (تك 3/ 4 - 5). كذّبت الحيَّة الله وزعزعت ثقة الإنسان به، حين نقلت الموت من الإنفصال عن الله الذي هو مصدر الحياة، إلى الموت الجسدي: "لن تموتا!" باتت كلمتها محلّ كلمة الله وباتت هي المشرّعة: شريعة الخطيئة وهي تكذيب الله.

 

وعبرت المرأة من التجربة في الفكر والحوار التجريدي في الخيال إلى التنفيذ وتتميم الخطيئة بالفعل: "رأت المرأة أنّ الشّجرة طيّبة للأكل ومتعة للنّظر ومنية للعقل، فأخذت من ثمرها وأكلت وأعطت أيضًا زوجها الذي معها فأكل. فانفتحت أعينهما فعرفا أنّهما عريانان" (تك 3/ 6 - 7). باتت المرأة التي خلقها الله لتعطي الحياة هي وزوجها، تعطي الموت.

ركَّز المجرّب على أهمّ صفة لدى الإنسان والتي فيها هو يشبه الله، ليضربه فيها: فالتي تعطي الحياة سيجعلها تعطي الموت.

وآدم كان معها، ولم تكن حوّاء لوحدها.

وثمرة الخطيئة هي إخضاع الإنسان بكامله للمجرّب: صفته النباتيَّة: الأكل، والغرائزيَّة، النّظر، والإنسانيَّة، العقل. إذًا فصل الإنسان كلّ الخليقة عن الخالق حين إنفصل هو عنه، لذلك يقول له الله: "ملعونة الأرض بسببك!" (تك 3/ 17). وبات عريانًا ويخجل ويختبئ.

سوف لن يتركه الله، بل وعده بمخلّص (تك 3/ 15)، وصنع له الله أقمصة من جلد (تك 3/ 21). وتابع الإهتمام به. ولم يتخلَّ عنه.

 يلخّص المسيح كلّ تاريخ الخلاص بمثل الخروف الضالّ (متّى 18/ 12 - 14). فالمسيح هو الله الذي أخلى ذاته وأتى وراء الإنسان الذي تاه وضلَّ، ليعيده بموته وقيامته، وسوف يكون هو صليبه الذي حمله على درب الجلجلة.

إنَّ كلَّ تاريخ الخلاص، العهد القديم، هو تاريخ الإنسان وغوصه في الخطيئة، ولحاق الله به ليعيده بواسطة الآباء والتوراة والأنبياء ونبوءاتهم، والمزامير وتعابيرها المرتكزة على التّوبة والعودة إلى الله، والتّسبيح وعبادة الله. بين الخيانة والتوبة، والأمانة والإيمان.

 

مريم العذراء حوّاء الجديدة

وفي ملء الزمن وصل الملاك جبرائيل إلى زكريّا، ليعدَّ ليوحنّا المعمدان الذي يهيّئ بشكل مباشر لمجيء المسيح. وأرسله الله إلى النّاصرة، إلى العذراء مريم ليطلب إليها أن تقبل بمشاركته لها معه في مشروع الخلاص، لتكون هي من يمثّل البشريّة بالـ"نعم!" التي رفضتها حوّاء القديمة، ولكنّها هي العذراء التي قبلت مشروع الله الآتي به الملاك: "فقالت مريم: "ها أنا أمَةُ الربّ فليكن لي بحسب قولك!" وانصرف من عندها الملاك" (لو 1/ 38). لم تقدِّم مريم مشروعها على مشروع الله. ألم تجب الملاك، حين قال لها: "ها أنت تحملين، وتلدين ابنًا، وتسمّينه يسوع" (لو 1/ 31). "كيف يكون هذا وأنا لا أعرف رجلاً؟" (لو 1/ 34) وهي لم تكن تنوي أن تعرف رجلاً بمعنى العلاقة الزّوجيَّة، فمعنى كلامها يشير إلى أنّها ويوسف لم يكونا ينويان إقامة علاقة زوجيَّة. ومع ذلك لم تتراجع أمام المخاطر:

خطر الرّجم إذا إعتُبرت زانية، أو خطر إحراجها أمام يوسف الوحيد الذي يعرف إن كان الولد شرعيًّا أم لا. بالإضافة إلى خطر التّشهير بها أمام المجتمع، كلّ هذا لم يمنعها من أن تقول بثقة مذهلة: "ها أنا أمَةُ الربّ فليكن لي بحسب قولك!"

 إنّها حوّاء الجديدة أُم الحيّ ابن الله، وأُمّنا التي أعطانا إيّاها يسوع على الصّليب، هي التي شريعتها الطاعة المطلقة لكلمة الله. كما قال لها الملاك: "ممتلئة نعمة، الربّ معك!" ما أروع إختيار الربّ! ما أروع أن تكون امرأة بهذا النّقاء حتّى أنّها حظيت باختيار الله لها وقد نالت إعجابه. ما هذه النّعمة التي حصلنا عليها حين وهبنا إيّاها الله أُمًّا! من يتصوَّر أن تكون أُمّه بمواصفات العذراء! طاعة مُطلقة لله! ممتلئة نعمة! الربّ معها! أن تقول نعم لله في كلّ شيء! وتنتهي بأن تكون أُمّ البشريَّة وملكة السّماء والأرض! وتنتقل إلى السّماء بالنّفس والجسد لتكون سلطانة السّماء والأرض!

 

الخلاصة

كانت مفاعيل خطيئة الإنسان الأوَّل، بحسب لاهوت البدايات، مرتبطة إرتباطًا حتميًّا بالمرأة حوّاء، مع العلم أنَّ آدم كان بقربها، ولكن العموم لا يرى حضوره هذا ليلقي على المرأة كامل مسؤوليَّة فقد الفردوس.

 بحسب النّهج الإجتماعي، كان الإنسان بحاجة لكبش محرقة يلقي عليه مسؤوليَّة فشله. كان هذا الكبش هو حوّاء - المرأة، ولكن لا يتنبّه الكثيرون إلى أنَّ لهذه المرأة دورًا ومفعولاً مصيريًّا للبشريَّة.

 خلق الله الإنسان - آدم، من تراب. أمّا حوّاء فمن آدم أُخذت. تكون هي هرم البشريَّة التّسلسلي. عند التدّقيق نجد أنَّ المجرّب ركّز عليها لأنّها أقرب صورة إلى الله، لأنّها تعطي الحياة.

 

لذلك ركّز المجرّب على التي تعطي الحياة ليجعلها تعطي الموت. هو يعرف أّنّه لا يقوى على الله، ويقبل مرغمًا واقع أن يكون الله هو الله. فكيف ينتقم من الله ويهينه؟

 

بانقضاضه على رأس هرم البشريّة، أي الإنسان بصفته معطي الحياة، وبالتالي يكون هذا الإنسان هو حوّاء، أُمّ كلّ حيّ، وصورة الله في إعطاء الحياة، وكانت تُحدِّد مسار البشريَّة برمّتها. لذلك صوّب عليها المجرّب، ليهين الله. ولكنّ المصير النّهائي الحاسم لن يتركه الله للمجرّب يقرّره، لذلك، أخذ القرار هو نفسه بإعادة خلق ما دمّره الإنسان. حوّاء قدّمت مشروعها على مشروع الله، وأدارت ظهرها لوصيَّة الله، التي هي مصدر الحياة، ووجهها للحيَّة السّامّة. غيّب الإنسان الله، وليوقظه نادى الله عند وقوفه أمام واقعه المأساوي بعد الخطيئة: "آدم أين أنت؟" ليأتي إليه وينقذه! لماذا أعرضت عن النّور وطرحت نفسك في الظلام؟ فلم يتحمّل مسؤوليَّة الحراسة، فاتّهم آدم امرأته بعد أن سلّمها قيادة الحراسة، والمرأة شعرت بفداحة ما فعلت، فاتّهمت الحيّة.

 

كيف تمَّ إصلاح ما دمّره الإنسان الأوّل؟

كانت مريم معطية الحياة، وقد أطاعت مشيئة الله بشكل مطلق، وكان يوسف يقوم بدور مسؤوليّة حراسة الحياة التي تعطيها مريم. وقد إحترم الجميع الأدوار. مريم تنازلت هي ويوسف، وبكلّ رضى، عن مشروعهما لصالح مشروع الله في حياتهما ولصالح البشريَّة قاطبة. إستدارا صوب الله بشكل مطلق.

 

 

 ونحن عندما يتعارض مشروع الله مع مشروعنا ماذا نفعل؟

هل نختار مشروعنا ونقدّمه على مشروع الله، أم نختار مثل مريم ويوسف مشروع الله على البشريَّة ونقبل به برضى وفرح؟

 

المطران الياس سليمان

 

  

macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية