"وسوف يأتي ليدين الأحياء والأموات"

 

 

"وسوف يأتي ليدين الأحياء والأموات"

 

 

"وسوف يأتي ليدين الأحياء والأموات"

 

قضيّة الإيمان بـ"نهاية العالم"، عند عودة الربّ كديّان، والمفاهيم الباطلة في نظر الإنسان العصريّ.

 

بحسب اللاهوتيّ  الألمانيّ البروتستانتي رودولف بولتمان كِلا الأمران في خانة واحدة .

فكلّ إنسان عاقلٍ مقتنعٌ، بحسب رأيه، أنّ العالم سيستمرّ كما استمرّ منذ ما يقرب من الألفيّ سنة، بعد الإعلان الأُخرويّ للعهد الجديد، إعلان نهاية الكون. إنّ تطهيرًا للفكر يبدو أكثر فأكثر فارضًا نفسه هنا، وهو أنّ الرسالة التّوراتيّة تحتوي، دون جدل حول هذه النقطة، عناصر كونيّة قويّة، وتتناول، هكذا، مجالاً نعرفه كحقل اختبار لعلوم الطبيعة.

وما من شكّ في أنّ كلمة "عالم" في تعبير "نهاية العالم" لا تعني بنية الكيان الطبيعيّة، بل العالم الإنسانيّ. إذًا، فالتعبير يعني، بصورة مباشرة أنّ هذا النوع من العالم، عالم الإنسان، سيصل إلى نهايةٍ يحتّمها اللهُ ويحقّقها.

 

 لكنّنا قد لا نعرف أن ننكر أنّ التوراة تمثّل هذا الحدث الأساس الذي يتعلّق بمصير الإنسان بصُوَرٍ كيانيّةٍ (وسياسيّةٍ في جزء منها)، فإلى أيّ حدّ يتعلّق الأمر بالصّور فقط، وإلى أيّ حدّ تُلامسُ هذه الصّورُ الحقيقة بذاتها؟

 

فالطريق الوحيد للوصول إلى هنا، إلى بعض اليقين، هو الإنطلاق من قرينةٍ أوسعَ لمفهوم العالم في التّوراة. وبالنسبة إلى هذه فليس الكيان والإنسان أبدًا حقيقتين منفصلتين، بنوع أنّ الكيان يشكّل المسرحَ العرَضيّ للوجود الإنسانيّ الذي قد يستطيع أن ينفصل عنه تلقائيًّا، ليحقّق ذاته خارج العالم. وبالفعل، فالعالم والوجود الإنسانيّ يسيران، بالضرورة، جنبًا إلى جنب، بنوع أنّنا لا نستطيع تصوّر الوجودِ الإنسانيّ دون العالم، ولا العالم دون الإنسان، فالنقطة الأولى لم تعد تشكّل اليوم، أدنى صعوبة؛ والثانيةُ كذلك، بعدما تعلّمناه من تيلار دي شاردن، على سبيل المثال، يجب ألاّ تبدو لنا غامضةً كليًّا، بعد اليوم. قد نقع في تجربة القبولِ بأنّ الرّسالة التوراتيّة لنهاية العالم، ولعودة المسيح، ليست تحديدًا بسيطًا لمصير الإنسان، معبِّرًا عنه بمظهرٍ كيانيّ، إلى جانب مظهرٍ أنتروبولوجيّ مصيريّ، لكن يصحّ القول، حسب المنطق الداخليّ للمفهوم التوراتيّ العام، إنّ هذه الرسالة تُظهر لنا تطابق - الأنتروبولوجيا - المصير مع الكيان في المسيحانيّة النهائيّة، وترى في هذه المطابقة نهاية "العالم".

 

وهذا العالم، بتركيبته الأُحاديّة والمزدوجة معًا للكيان والإنسان، يُرَدّ دائمًا وأبدًا إلى هذه الوحدة كما إلى غايته، فالكيان والإنسان، المتناسقان المنتظمان منذ الأبد، سيكونان، وإن تعارضا أحيانًا عدّة، واحدًا في "تمازجها" ضمن حقيقة أكبر هي حقيقةُ المحبّة التي تتجاوز الكائن وتشمله.

 

 وبذلك، يبدو لنا، مرّة أخرى، أيضًا، كم أنّ نهاية العالم الأُخرويّة، والنّصر الذي تحقّق بقيامة يسوع هما في الحقيقة، شيءٌ واحدٌ أحد. ونرى أيضًا، مرّةً أخرى، أنّ العهد الجديد كان على حقّ عندما اعتبر هذه القيامة وكأنّها حدَثٌ أُخرويٌّ.

 

ولكي نذهب إلى أبعد من ذلك، علينا أن نبسّط فكرتنا، ونوضحها أكثر.

 

 لقد سبق أن قلنا إنّ الكيان ليس إطارًا بسيطًا خارجيًّا للتاريخ الإنسانيّ، وليس بناءً متوازنًا، أو نوعًا من إناءٍ يتواجد فيه كلُّ أنواعِ الكائنات الحيّة التي يمكن تفريغُها، كذلك، في آنيةٍ أُخرى. هذا يعني إيجابًا أنّ الكيان هو حركةٌ، كما يعني أن لا تاريخ فيه، ولكنّه هو ذاتُه تاريخ. وهو ليس مسرح التّاريخ الإنسانيّ فقط، بل إنّه "تاريخٌ" ما قبل الإنسان بكثير، ثمّ، بعد ذلك، التاريخُ المصاحبُ للإنسان. وأخيرًا ليس للعالم سوى تاريخٍ واحد شاملٍ جامع، وهو مع هذا ذو اتّجاهٍ عام، يسير إلى الأمام من خلال عمليّة الفوق والتحت، والتقدّم والتأخّر التي يعرضها. وإنّه لصحيح أن يبدو ذلك، في نظر من لا يُدرك منه سوى جزءٍ مهما يكن هذا الجزءُ كبيرًا نسبيًّا، أنّه الحركةُ المرحليّة ذاتُها التي تتكرّر دائمًا. فلا يُعرَف فيها اتّجاه. ولكي يُدرك هذا الإتّجاه يجب التوصّل إلى رؤية الكليّة.

 

إذًا، وكما رأينا سابقًا، فإنّ الرّوح في هذه الحركة الكونيّة ليس مجرّد نتيجةٍ ثانويّة وعرضيّةٍ للتطوّر، لا معنى لها ولا دلالة بالنسبة إلى الكليّة؛ بل على العكس، فقد استطعنا أن نستنتج أنّ المادّة ونموّها يشكّلان ما قبل التاريخ للرّوح.

إنّ الإيمان بعودة المسيح، وبانقضاء العالم بفضله، قد يمكن أن يتحدّد وكأنّه الإقتناع بأنّ تاريخنا يتقدّم نحو نقطة النهاية. حيث يضحي بصورة نهائيّة واضحًا وظاهرًا كالعنصر الثابت، وعمق الحقيقة هذا  الذي يحمل الأشياء كلّها ليس المادّة البسيطة اللاواعية، إنّه، على العكس، المعنى الذي يكوّن الأرضيّة الثابتة الحقيقيّة، المعنى الذي يمنحُ التصاقـًا بالكائن فيعطيه الحقيقة، إذ هو الحقيقة.

 

 فالكائن لا يقتبل ديمومته من تحت، بل من فوق. أن يوجد "تمازجُ" الكائن الماديّ بالرّوح، وأن يُعاد تركيبُ هذا الكائن في شكل وحدةٍ جديد، لما نقومُ اليوم باختباره في تغيير شكل العالم الذي تحقّقه التقنيّة. وفي إمكانيّة معالجة الواقع هذه بدأت تمحّي الحدودُ بين طبيعةٍ وتقنيّةٍ. فإثنتان لا يمكن أن تكونا، بعد اليوم، منفصلتين. وممّا لا شكّ فيه أنّ هذه المجانسة، في نظر الكثيرين، غيرُ مضمونة؛ إلّا أنّه، من خلال معطياتٍ كهذه، يُطلّ شكلُ عالمٍ حيثُ الرّوحُ والطبيعة لم يعودا، فقط، متوازيّين، ولكن حيث الرّوح يضمّ إليه، في "تمازج" جديد، ما هو ظاهريًّا، طبيعيٌّ صرف، وهكذا يخلق عالمًا جديدًا يمثّل، في الوقت نفسه، وبالضرورة، نهاية العالم القديم. طبعًا، إنّ نهاية العالم التي يؤمن بها المسيحيّ هي شيءٌ آخر مختلف عن فوز التقنيّة النهائيّ؛ ولكن الخلط الذي أحدثته التقنيّة بين الطبيعة والرّوح يسمح لنا أن نفهم، بطريقةٍ جديدة،

كيف يجب أن يتوجّه تفكيرنا حول حقيقة الإيمان بعودة المسيح: كإيمان بتوحيدٍ نهائيّ للحقيقة إنطلاقـًا من الرّوح.

 

يسمح لنا هذا أن نخطو خطوةً جديدةً إلى الأمام. لقد قلنا إنّ الطبيعة والرّوح يكوّنان تاريخًا واحدًا يتطوّر بنوعٍ أنّ الرّوح يبدو أكثر فأكثر وكأنّه الناموسُ الذي يشمل كلّ شيء، إلى حدّ أنّ الكيانيّة والكونيّة تنتهيان وبشكل ملموس، إلى التّلاقي. إذًا، فإنّ هذا التأكيد للتمازج المتنامي بين العالم والرّوح يعني، بالضرورة، توحيده حول حيّزٍ خاصّ لأنّ الرّوح ليس شيئًا غير محدود. فحيثما يوجد في تطابقه ينوجد كفرديّة، وكشخص. وممّا لا شكّ فيه أنّ هناك شيئًا "كروحٍ موضوعيّ" روحٍ (توظّف) الشغل في الآلات، وفي أعمال أخرى مختلفة؛ ولكنّ الرّوح لا يحيا ولا يستمرّ في شكله الصليّ (المصفّى بالنار).

 

فالرّوح الموضوعيّ يتأتّى دائمًا من الرّوح الذاتيّ، إنّه يرجع إلى الشخص الذي هو طريقةُ الوجودِ المطابقة والوحيدة للرّوح. وإذ نؤكّد أنّ العالم يتطوّر نحو التمازج بالرّوح، فإنّنا نؤكّد أنّ الكون يتطوّر نحو التوحيد في فلك خاصّ.

 

هكذا يتأكّد التفوّق اللامتناهي للخاصّ على العام. هذا المبدأ الذي بسّطناه سابقـًا يظهر، هنا، من جديد، بكلّ ثقله. إنّ العالم يسير نحو الوحدة في الفرد (الشخص) فالكلّ يتلقّى معناه من الخاصّ وليس العكس. تُبرّر هذا الإستنتاج، مرّةً جديدة، إيجابيّةُ الظاهريّة المسيحانيّة، والإقتناعُ الذي كثيرًا ما يشكّك الناس في الأزمنة كلّها والذي يريد أن يصنع من كائن خاصّ قُطْبَ التاريخ، ومدار كلّ شيء. تكشف هذه "الإيجابيّة" مرّة أُخرى عن ضرورتها الأساسيّة: فإذا كان انتصارُ الرّوح، حقًّا، في المنتهى، أي انتصار الحقيقة، والحريّة، والمحبّة، فإذا، ليس، في النهاية، من قوّة معيّنة يكون النصر من نصيبها؛ إنّه وجهٌ يكون عندئذٍ في المنتهى.

 

فنهاية العالم إذّاك هي "أنت"، شخصٌ، وكائنٌ خاصّ. عندها، فإنّ التمازج الذي يضمّ الأشياء كلّها، أو التّوحيد الذي يشمل كلّ ما هو حقيقيّ، هو، في الوقت عينه، النفيُ النهائيّ لكلّ جماعيّة، النفيُ لتعصّب الفكرة البسيطة كلّه. والأولويّة هي، دائمًا، للإنسان، للفرد، على الفكرة البسيطة.

 

يصدر عن هذا نتيجةٌ أخرى، بالغةُ الأهميّة. إذا كان العبورُ إلى الإمّزاج الفائق للحقيقة الأخيرة، يرتكز على الرّوح والحريّة، عندئذ لا يمكن أن يكون، بأيّ حال، انحرافًا محايدًا كونيًّا؛ إنّه يتضمّن إذّاك المسؤوليّة. فلا يجعل من نفسه وكأنّه تطوّرٌ ماديّ، بل يستند إلى قرارات. لهذا، فإنّ عودة الربّ ليست سلامًا فحسب، وليست، فقط، النهاية التي توضح كلّ شيء، بل هي، أيضًا، دينونةٌ. ويمكننا، إنطلاقـًا من هذا، أن نحدّد ماذا يُفهم بالدّينونة. وأن نتكلّم على الدينونة معناه أنّ مرحلة العالم الأخيرة ليس نتيجة تطوّرٍ طبيعيّ ولكنّها ثمرةُ المسؤوليّة المرتكزة بذاتها على الحريّة.

يُفهمُ من هذا، أيضًا، لماذا يؤكّد العهد الجديد، على الرّغم من رسالته الرّحوم، أنّ الناس، في النهاية، سيُحاكمون "حسب أعمالهم" ولن يُستثنَى أيٌّ منهم من تأدية على العكس، تعطيها أن تكون ذاتها بكلّ معنى الكلمة. فمصيرُ الإنسان النهائيُّ ليس مفروضًا عليه دون مراعاة الاختيار في حياته. يفرضُ هذا التأكيدُ نفسه كحاجز في وجه نظريّةٍ فاسدة مغلوطة، وتطامُنٍ مسيحيٍّ مزيّف. هذه الحريّة، وحدها، ترسّخ المساواة بين الناس عندما تثبّت هويّةً مسؤوليّتهم. كان هذا دائمًا منذ آباء الكنيسة، ولا يزال، أيضًا، واجبًا حاسمًا للكرازة المسيحيّة لتوقظ الضمير على هذه الهويّة للمسؤوليّة، ولتجعلها في مواجهة الثّقة المزيّفة في الابتهال: "يا ربّ، يا ربّ".

من المُجدي أن نذكّر هنا بنظريّات اللاهوتيّ اليهوديّ الكبير ليوبيك التي لا يمكن أن يلتزم بها المسيحيّ؛ ولكنّ أهميّتها تلفته، وتدفعه لأن يبالي بها.

 

 يُظهرُ بيك أنّ وجود إسرائيل الممتاز أضحى دخيلةً (ضميرًا) لخدمةٍ تُؤمّنُ من أجل مستقبل الإنسانيّة: "إنّ فرادة الدعوة مطلوبةٌ ولكن دون الإعلان عن أيّ استثناءٍ للخلاص.  لقد حُفِظَتِ اليهوديّة من الإنزلاق في المعارج الدينيّة الضيّقة لتصوّر كنيسةٍ تؤمّنُ الخلاصَ وحدها. فهناك حيثُ العملُ يقود إلى الله لا الإيمان فقط، وحيث الجماعةُ تقدّمُ لأبنائها، كعلامةٍ للإنتماء روحيّةٍ، المثال والواجب، هناك لا يمكن، أيضًا، أنّ شموليّة الخلاص هذه المرتكزة على العمل، تجمّدت أكثر فأكثر في التقليد اليهوديّ، لكي تظهر أخيرًا، واضحةً في الكلمة "الكلاسيّة" "المألوفة": "إنّ لأهل الصّلاح، من غير الإسرائيليّين، حصّةً في السّعادة الأبديّة". من منّا لا يشعر بالتأثّر عندما يؤكّد بيك، بعد ذلك، أنّه يكفي أن نقارن هذه الجملة بالوصف الذي نقله الشّاعر دانته، لمكان الهلاك حيث ينتهي، ودون أيّة شفقة، حتّى الأفاضلُ من الوثنيّين، بالإضافة إلى صُور الرُّعب المتطابقة مع التمثّلات المسيحيّة للقرون السابقة واللاّحقة، لكي نحسّ بالتناقض في كلّ شدّته.

من المؤكّد أنّ كثيرًا من هذه الأشياء ليس صحيحًا، في هذا النصّ، ويدفع إلى الجدال. غير أنّه يحتوي على تأكيد خطير، يمكنه أن يُرينا، وعلى طريقته الخاصّة، على ما تقوم الأهميّة الحاسمةُ لعقيدة الإيمان حول الدينونة العامّة للناس جميعًا "حسب أعمالهم". وليس من واجبنا أن نفحص، بالتفصيل، كيف أنّ هذا التأكيد يمكن أن يتوافق التعليم العقديّ كلّه حول النعمة. ألا يمكن، مع هذا، أن نتحاشى، في نهاية المطاف، زعمًا لا ينكشف منطقه، كاملاً، إلاّ في تجربة حياةٍ مفعمةٍ بالإيمان. إنّ من يقبل بهذا الزّعم يكتشفُ اثنتين:

 

أصوليّة النعمة التي تخلّص الإنسان العاجز، ولكن، أيضًا، جديّةَ المسؤوليّة، وهي فرضٌ يوميٌّ على الإنسان.

 

وتعني الاثنتان معًا أنّ المسيحيّ يملك، من جهة، الطمأنينة المحرّرة الصّافية لمن يعيش من جزالة عطاء العدالة الإلهيّة المسمّاة يسوع المسيح.

 

 هذه الطمأنينة تعرفُ أنّني في النهاية، غيرُ قدير على هدم ما قد بناه - هو. يعيش الإنسان، من تلقاء نفسه، مع هذه المعرفة الرّهيبة وهي أنّ قدرته على التخريب تفوق قدرته على البناء، ولكنّ هذا الإنسان عينه يعرف أنّ قدرة البناء، عند المسيح، هي ذاتُ قوّةٍ لامتناهية.

 

من هنا تولد حريّةٌ عميقة، وثقةٌ أكيدة في محبّة الله الدائمة التي لا تزول، والتي تظلّ مفيدةً لنا على الرّغم من ضلالنا كلّه. يمكننا، كبشر، أن نتمّمَ عملَنا دون وجل. لقد فقد هذا  العملُ مظهره المقلق لأنّه فقد قدرته على التخريب.

 

 فمصير العالم لا يتعلّق بنا، بل هو بين يدي الله، ولكنّ المسيحيّ لا يعرف، في الوقت نفسه، أنّه لا يستطيع، مهما كانت الحال، أن يتصرّف كيفما اتّفق، وأنّ تصرّفه ليس لعبةً قد يفسحُ له الله في مجال القيام بها دون أيّة جديّة.

 

 هو يعرف أنّ عليه أن يكون مسؤولاً، وأن يؤدّيَ حسابًا عمّا أوتُمن عليه وأوكل إليه، فلا مسؤوليّة إلاّ حيثُ يكونُ مسؤولٌ يُستدعى ويُسأل. يذكّر بهذه الدعوة، وبهذه الأسئلة، دون أيّ لبس، عقيدةُ الإيمان حول الدينونة. ما من شيء ولا من إنسان يسمح لنا بالتقليل من الجديّة العميقة التي يحتويها تأكيدٌ كهذا.  وهكذا تبدو حياتُنا وكأنّها قضيّةٌ خطيرة، ومن هنا، بالتحديد، تنطلق عظمتُها.

 

 

"ليدين الأحياء والأموات" - هذا يعني، كذلك، أنّ الدينونة تختصّ به وحدَه، في النهاية. أي إنّ الكلمة الأخيرة لن تكون للظلم في العالم.

 

هذا الظلم الذي لن يُمّحى، بالتالي، بمجرّد غفرانٍ عام (حلّةٍ عامّة) وعلى العكس، فإنّ هناك مطلبًا أخيرًا ملحًّا يحافظ على سلامة العدالة فيستطيع هكذا، أن يعطيَ المحبّة كمالها.

 فإنّ محبّةً تُبطِلُ العدالة، وتمحوها، لتخلُقُ ظلمًا، ولا تكون سوى صورةٍ مشوّهةٍ للمحبّة.

فالمحبّةُ الحقيقيّة هي جزالةُ عطاء العدالة، جزالةٌ تفيض عن العدالة الضيّقة، ولكن دون أن تهدمها أبدًا، لأنّ العدالة يجب أن تكون، وأن تظلّ، الصيغة الجوهريّة للمحبّة.

إنّه لمن الصواب أن نتجنّب التعارض المفرط. لا نستطيع أن ننكر أنّ عقيدة الدينونة، في الضمير المسيحيّ، ارتدت أحيانًا طابعًا كان يدفعها، عمليًّا، إلى تفويض الإيمان الكامل بالفداء وبوعْد النعمة. نذكر، دائمًا، في هذا الخصوص، التناقض العميق بين "يا ربّنا، تعال" و"يوم الغضب". ففي الإبتهال "يا ربّنا تعال" فسّرت المسيحيّةُ الأولى عودة المسيح كحدثٍ يحمل الرّجاء والفرح، عبّرت فيه عن انتظارها الورع لعودة، كانت، بالنسبة إليها، زمن الإستكمال النهائيّ. وعلى العكس، فإنّ مسيحيَّ العصر الوسيط يرى في هذا الحدث "يوم الغضب" المريع، الذي ينهار الإنسانُ فيه من الهلع والألم، والذي يواجهه بخوف ورعشة.

 

لم يعد رجوع المسيح سوى الدّينونة، سوى يوم تأدية الحساب الذي يهدّد كلّ فرد.

ومن منظور كهذا، ننسى أمرًا أساسيًّا وهو أنّ المسيحيّة تبدو، عمليًّا، وكأنّها تحوّلت إلى مسلكيّة، ووجدت نفسها محرومةً من نفحة الرّجاء والفرح هذه، التي هي التعبيرُ الأكثر تطابقًا لحياتها.

قد يتوجّب علينا القولُ إنّ أوّل مدخلٍ لانحرافٍ كهذا يرى فقط مخاطرَ المسؤوليّة لا حريّة المحبّة، موجودٌ فعلاً في عقيدة إيماننا؛ ففي هذه العقيدة تبدو فكرةُ عودةِ المسيح، وقد تحوّلت كليًّا، أقلّه من خلال الألفاظ، إلى فكرة الدّينونة "حيث يأتي ليدين الأحياء والأموات".

صحيح أنّ الإرْثَ المسيحيّ الأوَّل، حيث نشأ قانون الإيمان كان لا يزال في ميعة حياته، وكانت كلمةُ الدينونة مفهومةً، تلقائيًّا وببساطة، في اتّحادها مع رسالة النّعمة.

وكان يكفي القولُ إنّ يسوع هو الديّان لترتدي الدينونةُ طابع الرّجاء. وأودُّ، هنا، أن أذكر، فقط، فقرةً من مُستند قديمٍ معروفٍ تحت اسم: رسالة كليمنضوس الثانية حيث يظهر ذلك بوضوحٍ كليّ: "علينا أيّها الأخوة، أن نعتبر يسوع المسيح كالله تعالى، كديّان الأحياء والأموات. وعلينا ألاّ نقلّل من قدْر افتدائنا. فإذا لم يكن لنا سوى فكرة هزيلة عن يسوع فإنّنا نكوّن لأنفسنا فكرةً هزيلةً عن رجائنا أيضًا".

 

نكتشف هنا، البُعد الحقيقيّ .

 

إنّ من يدين، ليس فقط، الله، اللامتناهي المجهول والخالد، كما قد نتوقّع، لأنّ الله قد ترك أمر الدّينونة إلى آخر هو، بإنسانيّته، أخٌ لنا، لا غريبٌ يديننا، بل من نعرفُه في الإيمان، ولن يَحضر إلينا كأيٍّ آخر، بل كواحدٍ منّا يعرف دخيلة الوضع الإنسانيّ لأنّه قد عاشه.

وهكذا يُشرق، تلقائيًّا، فجرُ الرّجاء في سماء الدّينونة، ليس يومُ الغضب فقط، بل عودةُ الربّ. ويعود بنا الفكر إلى الرؤية العظيمة للمسيح في مستهلّ رؤيا يوحنّا (رؤ 1/ 9 - 19)؛ فالنبيُّ يقع شبه مَيْت أمام هذا الكائن ذي السّلطان المخيف. ولكنّ الربّ يلمسُه بيده، ويقول له؛ كما في يوم عبورهما بحيرة طبريّا، وَسْطَ العاصفة: "لا تخشَ شيئًا، هذا أنا" (رؤ 1/ 17).

 

فالربّ الكليّ القدرة هو يسوعُ الذي أضحى النبيُّ، قديمًا، في الإيمان، رفيق دربه. فعقيدة الدينونة، في قانون الإيمان تستعيد هذه الفكرة لتطبّقها على لقائنا ديّان الكون. وسيتمكّن المسيحيّ، في هذا اليوم العصيب، من أن يستنتج بدهشةٍ مفتونة، أنّ من "أُعطيَ له كلُّ سلطانٍ في السّماء وعلى الأرض" (متى 28/ 18) كان، في الإيمان، رفيق دربِ أيّامه الأرضيّة.

 

وهذا، وبفضل كلمات قانون الإيمان، كما لو أنّ يسوع يلمسُه بيده، الآن، قائلاً له: "لا تخشَ شيئًا، هذا أنا".

 

 قد لا نعرف أن نجد جوابًا، عن مسألة علاقة النّعمة والدينونة، أجمل من هذه الفكرة التي هي في خلفيّة قانون إيماننا.

                                                                      

 

   جوزيف راتسنجر

   

         

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية