"وصعد إلى السّماء، وجلس عن يمين الله، الآب الضابط الكلّ"

 

 

 

 

"وصعد إلى السّماء، وجلس عن يمين الله، الآب الضابط الكلّ"

 

 

 

يعكس الكلامُ على الصّعود إلى السّماء أو على النّزول إلى الجحيم، في نظر جيلنا الذي فتح "بولتمان" (لاهوتي ألماني) عينيه على النّقد، هذه الصّورة للعالم ذي الطّبقات الثلاث التي نسمّيها وثنيّة، والتي نعتبرها باطلة نهائيًّا - فالعالمُ عالمٌ أكان "إلى فوق" أم "إلى تحت" إنّه مدبَّر ومحكوم بالنّواميس الفيزيولوجيّة عينها، ويمكن أن يُكتشف، أساسًا، بالأساليب عينها.

 

 فالطّبقات غير موجودة، وتصوّراتنا عن "فوق" وعن "تحت" هي نسبيّة ترتبط بموقع المراقب. كذلك، بما أنّ لا خطوط إنطلاق مطلقة (والأرض ليست، بالتأكيد، خطًّا من هذه الخطوط) فقد لا نعود نعرف أن نتكلّم، في الأساس، على "فوق" و"تحت" أو على "شمال" و"يمين" فالكون لا يحدّد لنا اتّجاهاتٍ ثابتةً. وما من أحد يريد، بعد اليوم، أن يجادل جديًّا في هذه المعطيات.

 

 

وإنّ مفهوم عالمٍ ذي طبقات ثلاث، بالمعنى المكانيّ للكلمة، قد إختفى. ولكن، هل إنّ هذا المفهوم هو ما أرادت تأكيده عقيدتا الإيمان حول نزول الربّ إلى الجحيم أو صعوده إلى السّماء؟

 

حقًّا، إنّ هذا المفهومَ قد قدّم لنا الصُّوَرَ التي تمثّلها الإيمان لهذه الأسرار، ولكنّه، وبدون شكّ أيضًا، لا يشكّل أساسَ الواقع المؤكّد. فإنّ العقيدتين تعبّران، مرتبطتين بالإعتراف بيسوع التاريخيّ، عن البُعد الكلّي للوجود الإنسانيّ الذي يضمّ لا ثلاثَ طبقات كونيّة فحسب، بل ثلاثة أبعاد ماورائيّة. لذا فهل من المنطقيّ، مقابل ذلك، أن تُبعِدَ الوضعيّةُ، المعتبرَة آنيًّا وكأنّها عصريّة، لا الصّعود إلى السّماء أو النّزولَ إلى الأرض وحسب، بل يسوع التاريخيّ أيضًا، أي أبعاد الوجود الإنسانيّ الثلاثة. وما يتبقّى لا يمكن إلاّ أن يكون شبحًا متنوّع الغرابة، ليس عجيبًا ألاّ يريد أحد، بعد اليوم، أن يركن إليه.

 

ولكن ماذا تعني، حقًّا، أبعادُنا الثلاثة؟

 

إنّ النّزول إلى الجحيم لا يستدعي، في الواقع، عمقًا خارجيًّا للكون. فهذا ليس ضروريًّا في أيّ حال. وليس في النصّ الأساسِ، صلاةِ المصلوب إلى الله الذي تخلّى عنه، أيّةُ إشارة إلى الكون. إنّ هذا النصّ يلفتنا إلى عمق الوجود الإنسانيّ الذي يغوص في لجّة الموت، في منطقة العزلة التي لا تُلمَس، والمحبّة المرفوضة، والذي يضمّ، بهذا، بُعْدَ الجحيم، ويحمله في دخله وكأنّه إمكانيَّتُه.

 

 

 فالجحيم، أي كونُ الوجود في الرّفض النهائيّ "للكائن في سبيل الآخرين"، ليس تعريفًا كونيًّا، بل هو بُعدٌ للطبيعةِ الإنسانيّة، للّجّة التي يغوصُ فيها.

 

 وإنّنا نعرف اليوم، أكثر من أيّ يوم مضى، أنّ وجودَ كلّ كائن يلامس هذه اللّجّة. وبما أنّ الإنسانيّة، هي، في النهاية، شخصٌ، فإنّ هذه اللّجّة لا تتعلّق بالفرد فحسب، إنّما فقط بجسد الجنسِ البشريّ كلّه الذي عليه أن يتحمّل، متكافلاً، عمق هذه اللّجّة. إنطلاقًا من هذا يمكننا أن نفهم، مرّةً أُخرى، أنّ المسيح "آدم الجديد" أخذ على نفسه أن يحمل معنا هذا العمق الذي لم يُرِدْ أن يبقى منفصلاً عنه في سموٍّ غير منقوض لا تشوبه شائبة. وإنّه لمن الصّحيح، بالمقابل، أن يضحي الرّفضُ الكلّيّ، الآن فقط، ممكنًا في عمق أعماقه.

 

يُذكِّر صعود المسيح بالقطب الآخر للوجود الإنسانيّ الذي يمتدّ إلى ما لا نهاية، إلى أبعد من ذاته، إلى فوق وإلى تحت.

 

وإنّ هذا الوجود، كونه قطبًا مواجهًا للعزلة الأساسيّة ولعدم محسوسيّة المحبّة الرّافضة، يحمل في طيّاته إمكان الإتّصال بسائر الناس جميعًا، في اتّصاله بالمحبّة الإلهيّة، إلى حدّ استطاعته أن يجد، نوعًا ما، مكانه اللاّزم (مساحته الهندسيّة) حتّى في مؤانسة الله تعالى.

 

وإنّه لمن الصّحيح أنّ إمكانيّتي الإنسان اللّتين تظهران هكذا في كلمتي نعيم وجحيم، لهما طبيعة مختلفة كليًّا. إنّهما إمكانيّتا الإنسان بمعنى كلّي التّفاوت والإختلاف.

 

فاللّجّة، أو الهوّة، التي نسمّيها جحيمًا، يستطيع الإنسان وحدَه أن يعطيها لذاته. وعلينا أن نقول بوضوح أكثر: إنّ الأمر يرتبط، صراحةً، برفضِ الإنسان رفضًا مطلقًا أن يتقبّل، فهو يريد أن يُبقي على استقلاليّته الكليّة.

 

 

 إنّه التعبير عن الإنطواء الكليّ على ذاته. وهو يتعلّق، في الأساس، بما يرفض الإنسان أن يتقبّله، أن يتلقّاه، وعلى العكس يتعلّق بإرادته ألاّ يتّكل سوى على نفسه فيكفي ذاته بذاته. فإذا بلغ هذا الموقفُ حدَّه الأقصى فمعناه أنّ الإنسان قد أضحى، عندئذ، ذاك المستوحد، المنبوذ، الذي لا يمكن مسُّه. فالجحيم أن ينطويَ الإنسانُ فيكون ذاته فقط. وهذا ما يتسبّب له عندما ينغلق على نفسه. وعلى العكس فإنّ من جوهر هذا "الفوق" الذي نسمّيه السّماء ألاّ يكون الإنسان سوى مقبول، مُحتفًى به، أمّا الجحيم فيستطيع، وحده، أن يعطيه لنفسه.

 

 فالسّماء ليست من صنعنا الشخصيّ ولن تكون كذلك. ففي لغة اللاّهوت المدرسيّ تعتبر، عدا أنّها نعمة، عطيّةً غير مُستحقّة أضيفت على الطبيعة. فالسّماء كونها محبّةً جمّة، لا يمكن إلاّ أن تُقدَّم للإنسان، بعكس الجحيم الذي هو عزلةُ من يرفض قبولَ هذا، أي يرفض حالة السّائل فينطوي على ذاته.

 

إنطلاقًا من هذا فقط يمكن إظهار ما يفهمه المسيحيّ، حقًّا، بكلمة "سماء" إنّ الأمر لا يتعلّق بمكان أبديّ أكثر من أرضيّ (أو أسمى من الأرض) ولا بمجال أبديّ ماورائيّ. بل يجب القول إن حقيقتي "سماء" و"صعود الربّ" هما مترابطتان كلّ التّرابط، ولا انفصال بينهما.

 

 فانطلاقًا من هذه العلاقة، فقط، يضحى واضحًا المعنى المسيحانيّ الشخصيّ والتاريخيّ للرّسالة المسيحيّة في موضوع السّماء. وبتعبير آخر فإنّ السّماء لم تكن مكانًا مغلقًا، قبل صعود المسيح، بقرار إيجابيّ من الله، لكي تعود فتفتح بعد ذلك بقرارٍ إيجابيّ أيضًا. وعلى العكس، فالواقع الذي هو "السّماء" لا يصبح حقيقةً إلاّ في اللّقاء الودّيّ بين الله والإنسان.

 

تُحدَّدُ السّماءً باتّصالِ كيانِ الإنسان بكيانِ الله. هذا اللّقاء الودّيّ بين الله والإنسان تحقّق نهائيًّا في المسيح، عندما تجاوز، من خلال الموت، الكائن إلى الحياة الجديدة. وهكذا فإنّ السّماء هي مستقبلُ الإنسان والإنسانيّة، هذه الإنسانيّة التي لا تستطيع أن تمنح نفسَها السّماء الباقية مغلقةً دونها طيلة اتّكالها على ذاتها، والتي فُتحت، للمرّة الأولى، وبصورة جذريّة، في الإنسان الذي كان اللهُ تعالى مكان وجودِه، والذي دخل به الله في كيان الإنسلان.

 

لذا، فإنّ السّماء هي دائمًا أكثر من مصير متميّزٍ خاصّ. إنّها ترتبط، بالضّرورة مع "آخر آدم"، مع الإنسان النهائيّ، وعليه مع المستقبل الإجماليّ للإنسان.

 

ويبدو لي أنّ هذا قد يوضح عدّةَ وسائل تفسيريّة للكتاب، مهمّة، لا نستطيع إلاّ أن نذكرها، هنا، باقتضاب: إنّ النقطة التي تلفتنا أكثر من سواها، في المسلّمات التوراتيّة، والتي تشغل وتقلق التّفسير التاريخيّ للكتاب المقدّس، واللاّهوت، منذ حوالي نصف القرن، هي ما يُسمّى بالأُخرويّات المداهمة. إذ يبدو أنّ نهاية العالم قد أُعلِنَت في رسالة المسيح والرّسل وكأنّها وشيكة. وهناك شعور بأنّ رسالة النهاية الوشيكة تشكّل النّواة الأساس في كرازة يسوع، والكنيسة في أوّل عهدها.

 

 فصورة المسيح، وموته، وقيامته رُبطت بهذا التمثّل بطريقة تبدو لنا غريبةً بقدر ما هي مُغلقة. وليس بإمكاننا، فعلاً، أن ندخل في تفاصيل الأسئلة الكثيرة التي يتناولها هذا الأمر. ولكن، ألم تدلّنا تأمّلاتنا الأخيرة إلى الطريق التي توصلنا إلى حيث نفتّش عن الجواب. لقد وصفنا القيامة والصّعود كلقاءٍ ودّيّ ونهائيٍّ بين كيان الإنسان وكيان الله الذي يفتح للإنسان السّبيل أمام إمكانيّة وجودٍ لامتناهٍ.

 

ولقد حاولنا أن نفهم السّرّين وكأنّهما انتصار للمحبّة الأقوى من الموت. الأمر الذي يمثّل التحوّلَ الحاسم للإنسان والكون، حيث تُتجاوزُ حدودُ الكائن وحيث تُخلَقُ دائرة للوجود جديدةٌ. فإذا كان حقًّا هكذا، فإنّنا أمام بدايةٍ لنهاية الكون. وبمجرّد أنّنا اجتزنا حدود الموت فإنّ مدى مستقبل الإنسانيّة قد فُتِحَ، وإنّ مستقبلها قد بدأ فعلاً. ولكنّنا نرى، بذلك أيضًا، كيف أنّ الرّجاء الذّاتي الفرديّ للخلود، وإمكانيّة الأبديّة للإنسانيّة، جمعاء، يتداخلان ويلتقيان في المسيح الذي يمكن أن نسمّيه بـ "الحيّز - أو نقطة الإرتكاز" وأيضًا بـ "النهاية" شرط أن نفهم ذلك جيّدًا.

 

يبقى علينا أيضًا أن نستعيد نقطةً تتعلّق بصعود الربّ. فهذا البند الإيمانيّ الذي، حسب ما رأينا، هو حاسم لنفهم الـ "ما بَعد" الوجود الإنسانيّ، ليس أقلّ حسمًا لفهم الوجود هنا، على هذه الأرض، أي لنعرف كيف أنّ الـ "هنا" والـ "ما بعد" يمكنهما التّلاقي، ولنعرف كذلك مسألة معنى صلةِ الإنسان بالله تعالى وإمكانيّتها.

 

 

إنّ المعتقد الحاليّ ملتزم، في معظم الأوقات، بالفكرة القائلة: إنّ الأبديّة، منغلقة، ثابتة مستقرّة في انغلاقها. ويبدو الله تعالى وكأنّه رهينةُ خطّته المصوغة "قبل الأزمنة جميعها" فـ "الكيان" و "المصير" لا يمتزجان. وهكذا فالأبديّة مفهومة بطريقة بالغة السّلبيّة وكأنّها غياب الزّمن. إنّها سواها في ما يتعلّق بالزمن، وليس في مقدورها أن تمارس أيّ تأثير على الزّمن، لأنّها عندئذ تفقد ثباتها واستقرارها، وتصير، هي ذاتها، زمنيّة.

 هذه الخواطر تنطلق من عمق مفهومٍ سابقٍ للمسيحيّة، حيث لم يؤخذ بالإعتبار مفهومُ الله، كما يظهر في الإيمان بالخلق والتجسّد.

 

إنّها تفترض أخيرًا - وهذا ما لا نستطيع التّوسّع به هنا - الإزدواجيّة القديمة، وتكشف سذاجة عقليّةٍ تُفهِّم الله بالطريقة الإنسانيّة. لأنّنا عندما نعتقد أنّ الله لا يستطيع أن يغيّر، بعد حين، ما قرّره "قبل" و"بعد" إذًا، فالأبديّة ليست ما هو أكثر قدمًا، ما كان قبل الزّمن، ولكن ما هو غير ذلك كلّيًّا.

 

 إنّها اليومُ الحاليّ لكلّ وقت زمنيّ يمرّ. إنّها له الحاضرُ. وهي ليست محصورة بين "قبل" و"بعد" بل، على العكس، هي قوّة الحاضر في الأزمنة جميعها.

 

الأبديّة ليست إلى جانب الزمن منقطعة الإتّصال به، إنّها القوّة المبدعة التي تحمل الأزمنة كلّها، والتي تشمل الزمن الذي يمرّ في حاضرها الوحيد وتسمح له بأن يكون. هي ليست غياب الزّمن، ولكنّها امتلاكُه والسّيطرةُ عليه. وبما أنّها اليومُ الحاضر "المعاصر" للأزمنة كلّها فيمكنها أن تعمل، أيضًا، في الزمن، في أيّ وقت من الأوقات.

 

 

إنّ تجسّد الله في يسوع المسيح الذي تلاقى اللهُ الخالد والإنسانُ الزّمنيّ في شخص واحد ليس سوى الإنجاز النّهائيّ لسيطرة الله على الزّمن. ففي هذه النقطة المحدّدة للوجود الإنسانيّ في يسوع أمسك الله بالزمن، وجذبه نحوه.

 

فالسّيطرة على الزّمن، تتمثّل جسديًّا، أمامنا، في يسوع المسيح الذي هو حقًّا "البابُ" - بحسب تعبير إنجيل يوحنّا (يو 10/ 9) والوسيطُ (1 طيم 2/ 5) الذي يجد فيه الله أنّه لقي زمنًا. ونستطيع، نحن الناس الزّمنيّين، أن نجد في يسوع محاورًا زمنيًّا، "مُعاصرنا" الذي يشاطرنا الزمنيّة، وبه نلامس، في الوقت نفسه، الله. فهو معنا زمنٌ، ومع الله أبديّةٌ.

 

لقد أوضح هانس أورس فون بلتازار، بكثير من العمق، على الرغم من الإختلاف اليسير في مجرى أفكاره، المعنى الرّوحيّ لهذه التصوّرات. فهو يذكر أوّلاً أنّ يسوع لم يكن، طول وجوده الأرضيّ، فوق الزمان والمكان؛ ولكنّه كان يعيش في زمنه، وكما يجب.

 وتظهر إنسانيّة يسوع، التي تضعه في وسط هذا الزّمن، في كلّ سطر من سطور الإنجيل. وإنّنا لنميّزها، اليوم، بصورةٍ أوضح وأكثر حياةً منها في أيّ وقتٍ مضى. ولكنّ هذه الوضعيّة في الزمن، ليست فقط إطارًا ثقافيًّا، تاريخيًّا قد يبقى خارجيًّا تقبع وراءه، في مكان ما، ودون أن نتموّه به، حقيقةُ كيانه الحقيقيّ الفائقةُ الزّمنيّة. إنّها بالأحرى حدث أنتروبولوجيّ يُحدّد بعمق شكلَ كيان الإنسان.

 

إنّ ليسوع الوقت الكافي، فهو لا يستبق، بنفادِ صبْرٍ مُنْكَر، إرادة أبيه "لهذا فإنّ الابن الذي عنده الوقتُ لله في العالم، هو المكانُ الأصليّ الذي فيه لله زمن في العالم. وليس لله زمن في العالم إلاّ في الابن، ولكنّ له الأزمنة كلّها فيه". ليس الله أسير خلوده. فعنده وقتٌ لنا في يسوع. وبهذا فإنّ يسوع هو حقيقةً "عرشُ النعمة" الذي نستطيع أن "نتقدّم نحوه بثقةٍ وثبات" في كلّ زمن (عب 4/ 16).

 

جوزف راتزنغر

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية