وقام في اليوم الثالث كما جاء في الكتب

 

 

 

 

وقام في اليوم الثالث كما جاء في الكتب

 

"وقام في اليوم الثالث كما جاء في الكتب، وصعد إلى السماء وجلس عن يمين الله الآب، وأيضًا يأتي بمجدٍ عظيم ليدين الأحياء والأموات، الذي لا فناء لملكه".

"لِمَ تطلبنَ بين الأموات مَن هو حيّ؟ إنّه ليس ههنا، لكنه قد قام" (لو 24: 5). بهذه الكلمات أعلن الملائكة بشرى قيامة المسيح للنسوة اللواتي جئن قبره مع الفجر اليوم الأول من الأسبوع.

 

وبعد أن ارتفع يسوع عن أبصار التلاميذ ظهر لهم ملاكان وقالا: "ما بالكم واقفين تنظرون إلى السماء؟ إنّ يسوع هذا، الذي ارتفع عنكم إلى السماء، سيأتي هكذا، كما عاينتموه منطلقًا إلى السماء".

 

إنّ قيامة المسيح وصعوده إلى السماء ومجيئه الثاني المجيد هي ثلاثة أحداث تعبّر من خلالها المسيحية عن إيمانها بمصير يسوع الناصري من بعد موته ودفنه. وتلك الأحداث الثلاثة مرتبطة بعضها ببعض بحيث لا يمكن أن يُفهم الواحد منها دون الآخرين.

إنّ يسوع "من بعد تألمه أرى نفسه حيًا" (أعمال 1: 3) لشهود كثيرين. فمن هم شهود القيامة وكيف عبّروا عن إيمانهم بقيامة المسيح في مختلف أسفار العهد الجديد؟

 

 ثمّ ما هي أبعاد قيامة المسيح وعلاقتها بصعوده إلى السماء وجلوسه عن يمين الآب؟

شهود قيامة المسيح

 

إنّ الحدث التاريخي الذي يرتكز عليه إيماننا بقيامة المسيح هو إيمان الرسل بها.

 

 لقد عاش الرسل مع يسوع في حياته وشاهدوا صلبه. ومن بعد موته نسمعهم يعلنون إيمانهم بقيامته ويشهدون لهذا الإيمان حتى الموت. لا يمكن أحدًا أن يشكّ بأنّ الرسل آمنوا بقيامة المسيح. وقد يقدم أحد على التهوّس لأمر يتخيّله، ولكنه لا يُعقل أن يقدم الرسل كلهم على الشهادة حتى الموت لأمر ما، إن لم يختبروا في هذا الأمر اختبارًا خاصًا يجدر الموت في سبيله.

 

 إنّ المسيح قد "قد أرى نفسه حيًّا لهم". لقد اختبروا أنّه حيّ وسمعوه يرسلهم إلى التبشير وراحوا يعلنون ما اختبروا ويكرزون بما سمعوا. قبل القيامة كانوا "مختبئين في منزل أبوابه موصدة خوفًا من اليهود" (يو 20: 19)، وبعد القيامة نراهم يشهدون لإيمانهم أمام الألوف من اليهود المجتمعين في أورشليم لعيد العنصرة، معلنين أنّ يسوع الذي صلبه اليهود قد أقامه الله. ومن تلك البشارة نشأت الكنيسة التي يمكن التعريف بها أنّها جماعة الذين يؤمنون بأنّ يسوع قد قام ويبنون حياتهم على هذا الإيمان.

 

إنّ الكرازة بقيامة المسيح قد وصلت إلينا في ثلاثة مصادر، كلّ منها يشهد لها بطريقة خاصة، أعمال الرسل ورسائل بولس والأناجيل.

 

1ـ أعمال الرسل

نجد في سفر الأعمال كرازة الرسل الأولى. في خمس خطب، وفي أوضاع وظروف مختلفة، نسمع بطرس ويوحنا وبولس يعلنون البشرى نفسها.

 كتب لوقا سفر أعمال الرسل حول سنة 80. فيمكننا أن نتساءل: هل الخطب التي يضعها لوقا على لسان الرسل قد فاهوا بها حقًا أم هي من تأليفه هو؟

 إنّ دراسة نصّ الخطب وتصميمها من استهلال وتوسّع وخاتمة تشير إلى أنّ الصيغة التي وردت فيها إلينا هي من وضع لوقا. لكنّ النقد الأدبي أظهر أنها تحوي عبارات مترجمة من الآرامية. لذلك يجمع أهل الاختصاص على أنّ لوقا لم يختلقها اختلاقًا بل استند في وضعها إلى وثائق قديمة كتابية أو شفوية. فيمكننا إذن اعتبارها صدى أمينًا لكرازة الرسل في السنوات الأولى لكنيسة أورشليم.

 

 

أ ) الخطبة الأولى

 

فاه بها بطرس يوم العنصرة:

 "إنّ يسوع الناصري، الإنسان الذي أيّده الله لديكم بالعجائب والمعجزات والآيات، التي أجراها على يده في ما بينكم، كما أنتم تعلمون ـ ذاك الذي أسلم بحسب مشيئة الله المحدودة وعلمه السابق، فقتلتموه صلبًا بأيدي الأثمة، قد أقامه الله، ساحقًا قيود الموت، إذ لم يكن في وسع الموت أن يضبطه... فيسوع هذا قد أقامه الله، ونحن جميعًا شهود على ذلك... إنّ يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم قد جعله الله ربًّا ومسيحًا. فلما سمعوا ذلك انصدعت قلوبهم وقالوا لبطرس ولسائر الرسل: ماذا علينا أن نصنع، أيّها الرجال الإخوة؟ فقال لهم بطرس: توبوا وليعتمد كل واحد منكم باسم يسوع المسيح لمغفرة خطاياكم، فتنالوا موهبة الروح القدس... فاعتمد الذين قبلوا كلامه، وانضمّ إلى الكنيسة في ذلك اليوم ثلاثة آلاف نفس" (2: 22 ـ 41).

يمكننا إيجاز هذه البشرى في أربع نقاط: أولًا، أنّ يسوع قد صلبه اليهود؛ ثانيًا، لكنّ الله أقامه؛ ثالثًا، والرسل جميعًا هم شهود بذلك؛ رابعًا فتوبوا واعتمدوا باسمه.

 

ب) الخطبة الثانية

 

ألقاها بطرس أيضًا أمام الشعب، بعد شفائه مقعدًا أمام الهيكل، ونجد فيها النقاط الأربع ذاتها: "لقد قتلتم مُبدئ الحياة، الذي أقامه الله من بين الأموات، ونحن شهود بذلك فاندموا إذًا وتوبوا لكي تمحى خطاياكم" (3: 15 ـ 19).

 

ج) الخطبة الثالثة

 

 فاه بها بطرس ويوحنا أمام رؤساء الكهنة والشيوخ والكتبة الذين قبضوا عليهما بعد شفائهما المقعد، "مستائين لتعليمهما الشعب وندائهما في يسوع بالقيامة من بين الأموات... وسألوهما: بأيّ قوة وباسم مَن فعلتما هذا؟ فقال لهم بطرس: إنّه باسم يسوع المسيح الناصري ـ الذي صلبتموه أنتم، وأقامه الله من بين الأموات ـ به وقف هذا الرجل أمامكم متعافيًا. فذاك هو الحجر الذي ازدريتموه أيّها البنّاؤون، الذي قد صار رأسًا للزاوية، وما من خلاص بأحد غيره، إذ ليس تحت السماء اسم آخر أعطي في الناس، به ينبغي أن نخلص... " (4: 2 ـ 20).

 

د) الخطبة الرابعة

 

فاه بها بطرس أمام كرنيليوس قائد المئة: "أنتم تعلمون بما قد جرى في اليهودية... كيف مسح الله بالروح القدس والقدرة يسوع الناصري... ونحن شهود بكل ما صنع في أرض اليهود وأورشليم، هو الذي قتلوه معلّقين إيّاه على خشبة. فهذا قد أنهضه الله في اليوم الثالث، وآتاه أن يظهر، لا للشعب كلّه، بل لشهود قد اصطفاهم الله من قبل، لنا، نحن الذين أكلوا وشربوا معه بعد نهوضه من بين الأموات، وقد أوصانا أن نكرز للشعب، ونشهد بأنه هو الذي أقامه الله ديّانًا للأحياء والأموات، وله يشهد جميع الأنبياء، بأن كل من يؤمن به ينال باسمه مغفرة الخطايا (10: 37ـ 43).

 

هـ) الخطبة الخامسة

 

ألقاها بولس في مجمع اليهود في أنطاكيا بيسيذية:

 "إنّ القاطنين في أورشليم ورؤساءهم، إذ لم يعرفوه، أتمّوا، بالقضاء عليه، أقوال الأنبياء التي تتلى في كل سبت، ومع أنّهم لم يجدوا عليه علّة للموت، التمسوا من بيلاطس أن يُقتل، وإذ أتمّوا كل ما كُتب عنه، أنزلوه عن الخشبة، وجعلوه في قبر، لكن الله أنهضه من بين الأموات، وتراءى أيامًا كثيرة للذين صعدوا معه من الجليل إلى أورشليم، الذين هم الآن شهوده عند الشعب... فبه قد بُشرّتم بمغفرة الخطايا، وبه يتبرّر كل مؤمن، من كل ما لم تستطيعوا أن تُبرّروا منه بناموس موسى" (13: 27 ـ 39).

 

لقد عبّر الرسل في خطاباتهم هذه الأولى عمّا اختبروه بعد موت يسوع، عن تلك الحقيقة التي كانت ولا تزال أساس إنشاء الكنيسة، والتي كوّنت ولا تزال تكوّن جوهر الإيمان المسيحي: إنّ يسوع المسيح هو مخلّص العالم.

فقد مسحه الله بالروح والقدرة، فاجتاز وهو يحسن إلى الجميع، إلّا أنّ اليهود قتلوه معلّقين إيّاه على خشبة. لكنّ الله قد أقامه، والرسل شهود لقيامته، فقد تراءى لهم وأوصاهم أن يكرزوا به ويعمّدوا باسمه لمغفرة الخطايا ومنح الروح القدس. وكل من يؤمن به ينال البرّ والخلاص.

تلك هي الشهادة الجوهرية التي نجدها أيضًا في رسائل بولس.

 

2ـ رسائل بولس

 

إنّ أقدم شهادة لقيامة المسيح نجدها في رسالة بولس الأولى إلى الكورنثيين التي كُتبت في ربيع سنة 56. يقول فيها:

 

"أذكّركم، أيّها الإخوة، الإنجيل الذي بشّرتكم به... وبه تخلّصون... فإنّي قد سلّمت إليكم ما قد تسلّمت أنا نفسي: أنّ المسيح قد قام من أجل خطايانا، على ما في الكتب، وأنّه قُبر، وأنّه قام في اليوم الثالث على ما في الكتب، وأنّه تراءى لكيفا ثم للإثني عشر؛ ثم تراءى لأكثر من خمس مئة أخ معًا ـ أكثرهم باقٍ حتى الآن وبعضهم رقدوا ـ ثم تراءى ليعقوب، ثم لجميع الرسل؛ وآخر الكل، تراءى لي أنا أيضًا كأنّما للسقط (1 كور 15: 1 ـ 8).

 

يقول بولس أنّه سلّم إلى الكورنثيين ما تسلّمه هو نفسه: "إنّ المسيح مات وقُبر وقام وتراءى لبطرس وسائر الرسل". تلك الشهادة قد تسلّمها بولس في دمشق عند ارتداده، وكان ذلك سنة 34 ـ 35 أي خمس سنوات بعد قيامة المسيح. ثم يضيف شهادته الشخصية: فالمسيح القائم من بين الأموات تراءى آخر الكل له أيضًا. وهذا الترائي يرويه سفر أعمال الرسل (9: 3 ـ 9): نور من السماء أبرق حول بولس وسمع صوت المسيح يقول له : "أنا يسوع الذي تضطهده!".

 

لا نجد في سفر أعمال الرسل ولا في رسائل بولس وصفًا مفصَّلًا لأحداث قيامة المسيح وظهوراته لتلاميذه. فالاثنا عشر وبولس يقتصرون على تأكيد تلك القيامة كحقيقة لا جدل فيها، بها يحيون ولها يشهدون حتى الموت، ويعلنون معناها استنادًا إلى الكتاب المقدس. فقيامة المسيح هي ينبوع الخلاص للإنسان على هذه الأرض وعربون قيامته بعد الموت: "إن اعترفت بفمك أنّ يسوع هو ربّ، وآمنت في قلبك أنّ الله قد أقامه من بين الأموات، فإنك تخلص" (روم 10: 9). "إن كنا نؤمن أنّ يسوع قد مات ثم قام، فلنؤمن كذلك أن الذين رقدوا في يسوع سيحضرهم الله معه" (1 تسا 4: 14).

 

3ـ الأناجيل

 

نجد أيضًا شهادات كثيرة لقيامة المسيح في الأناجيل الأربعة التي تعود إلى الثلث الأخير من القرن الأول. فإنجيل مرقس كُتب سنة 67؛ وإنجيل لوقا بين 70 و80؛ وإنجيل متى اليوناني الذي بين أيدينا، وقد تُرجم عن إنجيل آرامي مفقود، كُتب حول سنة 80؛ وأخيرًا إنجيل يوحنا كُتب حول سنة 95. إلّا أنّ هذه الأناجيل قد دوّنت ما كان الرسل يبشّرون به منذ قيامة المسيح، مستندة في ذلك إلى تقاليد شفوية وإلى مجوعات كتابية من أقوال يسوع وأحداث حياته وسيرة آلامه وقيامته.

 

إنّ من يقرأ سيرة قيامة المسيح في هذه الأناجيل يصطدم أولًا بما فيها من اختلاف في سرد الأحداث التي رافقت هذا الحدث الأساسي في الإيمان المسيحي.

فهنالك أولًا اختلاف في تحديد النسوة اللواتي ذهبن إلى القبر: "مريم المجدلية ومريم الأخرى"، حيب متى (28: 1)؛ مريم المجدلية ومريم أم يعقوب وصالومي"، حسب مرقس (16: 1)؛ "مريم المجدلية وحنة ومريم أم يعقوب وأخريات كنّ معهنّ"، حسب لوقا (24: 10) الذي يضيف أيضًا بطرس الرسول (24: 12)؛ "مريم المجدلية" وحدها، ثم بطرس والتلميذ الآخر"، حسب يوحنا (20: 1 ، 3).

 

هناك أيضًا اختلاف في تحديد الأشخاص الذين ظهر لهم المسيح: النسوة، حسب متى (28: 9)؛ مريم المجدلية وحدها، حسب مرقس (16: 9) ويوحنا (20: 14)؛ وتلميذا عمّاوس، حسب لوقا (24: 13) ومرقس (16: 12). وتذكر الأناجيل الأربعة ترائي يسوع للرسل كلّهم معًا، وينفرد لوقا في ذكر ظهور خاص لبطرس (24: 34).

 

إنّ هذه الاختلافات تبقى ثانوية بالنسبة إلى ما يتّفق عليه الإنجيليون الأربعة في كرازتهم في قيامة المسيح. وتلك الكرازة تشمل ثلاثة أمور:

 

 أولًا، إنّ يسوع قد تراءى من بعد موته للرسل الأحد عشر وبعض النسوة والتلاميذ؛

ثانيًا، إنّ الرسل قد آمنوا أنّ يسوع قد قام من بين الأموات وهو الآن حيّ مع الآب،

ثالثًا، القبر الذي دُفن فيه يسوع وُجد في اليوم الثالث فارغًا من جسده.

 

سنتوسّع في هذه الأمور الثلاثة لنرى كيف عبّر الإنجيليون عن إيمان الكنيسة الأولى بقيامة المسيح.

 

أ) يسوع تراءى لتلاميذه

 

ـ نوعان من الترائيات

 

يذكر الإنجيليون نوعين من ترائيات يسوع لتلاميذه بعد قيامته: ترائيات شخصية لبعض الأفراد، كتلميذي عمّاوس (لو 24: 13 ـ 35) ومريم المجدلية (يو 20: 11 ـ 18)، وهذه الترائيات تعبّر عن الاختبار الشخصي لقيامة المسيح الذي يختبره المؤمنون لدى سماعهم كلمة الله وتناولهم عشاء الرب في الإفخارستيا؛ ثم ترائي جماعي للرسل الأحد عشر (متى 28: 16 ـ 20؛ مر 16: 15 ـ 18؛ لو 24: 36 ـ 53) ؛ يو 20: 19ـ 23). في هذه النصوص يبيّن الإنجيليون أنّ الكرازة بقيامة المسيح مبنية على ترائي المسيح للرسل الأحد عشر، فهم الشهود الرسميون للقيامة وإليهم وكل المسيح رسالة التبشير باسمه. وفي رواية هذا الترائي يؤكّد كل إنجيلي ناحية خاصة من سرّ المسيح.

 

ففي متى (28: 16 ـ 20) يتراءى يسوع لتلاميذه على جبل الجليل. وهذا ما يذكّرنا بعظة يسوع على الجبل التي أعلن فيها شريعته الجديدة (متى 5: 1). فإنّ يسوع هو موسى الجديد الذي يطلب من تلاميذه أن يعلّموا جميع الأمم وصاياه الجديدة ويعمّدوهم باسم والابن والروح القدس. ولكن بينما سجد موسى لله على جبل سيناء، يسجد التلاميذ هنا ليسوع، فإنّه هو ربّ المجد وابن البشر الذي دفع إليه الله كل سلطان.

 

أمّا في لوقا (24: 36 ـ 49) فالأمر الهام الذي يركّز الاهتمام عليه هو أنّ يسوع يفسّر لتلاميذه الكتب ويزيل الشك من قلوبهم ويعدهم بأن يرسل إليهم الروح القدس. وبواسطة حضور الروح القدس يتحقق وعد يسوع، الذي تحدث عنه إنجيل متى، "بأن يكون مع تلاميذه كل الأيام إلى انقضاء الدهر".

 

 وأمّا في يوحنا (20: 19 ـ 39) فيدور الموضوع حول متابعة رسالة المسيح. فالرسالة التي يكلها المسيح إلى تلاميذه هذ ذاتها التي تلقّاها من الآب: "كما أنّ الآب أرسلني كذلك أنا أرسلكم". ثمّ يعطيهم الروح القدس وسلطان مغفرة الخطايا. وهكذا تبدو رسالة الكنيسة دخولًا في سرّ الثالوث الأقدس.

 

 

ـ كيف تراءى يسوع لتلاميذه؟

 

إنّ اللفظة التي استعملها بولس للتعبير عن اتصال المسيح بتلاميذه من بعد قيامته هي فعل "تراءى" : "تراءى لكيفا ثم للإثني عشر... ثم تراءى ليعقوب ثم لجميع الرسل، وآخر الكل تراءى لي أنا أيضًا" (1 كور 15: 1 ـ 8). وصيغة الفعل اليونانية المستعملة هنا تعني بالأحرى "أرى نفسه".

 

وهذه اللفظة يستعملها لوقا في ترائي المسيح لبطرس (لو 24: 34)، وترد في مواضع مختلفة من العهد القديم: في الحديث عن ترائي الله لابراهيم ("يتراءى الرب لأبرام": تك 12: 7؛ 17: 1)،ولمنوح وزوجته في سفر القضاة ("ولم يعد ملاك الرب يتراءى لمنوح وزوجته" : قض 13: 21). ونجد أيضًا هذه اللفظة في مختلف أسفار العهد الجديد: فملاك الرب تراءى لزخريا وهو في الهيكل (لو 1: 11)؛ وفي تجلي يسوع على جبل ثابور تراءى موسى وإيليا في مجد للتلاميذ (لو 9: 31؛ مر 9: 4؛ متى 17: 3)؛ وفي نزاع يسوع في بستان الزيتون تراءى له ملاك من السماء ليشدّده (لو 22: 43)؛ ويوم العنصرة تراءت للرسل ألسنة منقسمة كأنّها من نار (أعمال 2: 3)؛ وهناك نشيد قديم يستخدمه بولس في رسالته الأولى إلى ثيموثاوس يتكلم عن يسوع الذي تراءى للملائكة (1 تيم 3: 16).

 

 

وهناك تفسير لترائي الله لابراهيم نقرأه في كتابات الفيلسوف اليهودي فيلون الاسكندري يقول فيه: "ليس ابراهيم الذي رأى الله، بل إنّ الله هو الذي أرى نفسه لابراهيم".

 

إنّ استعمال هذه اللفظة في ترائيات يسوع لتلاميذه من بعد قيامته يشير إلى أمرين:

الأمر الأول هو الإصرار على أنّ ظهور  المسيح لتلاميذه من بعد قيامته ليس توهمًا حصل للتلاميذ ولا نسجًا من خيالهم. فيسوع هو صاحب المبادرة في إظهار نفسه. وبما أ نّه قد أرى نفسه للتلاميذ فهذا يعني أنّه حيّ، كما أنّ الله الحي قد أرى نفسه لابراهيم. فالتلاميذ إذً لم يكونوا ضحية أوهام وتخيلات عندما شهدوا أنّ يسوع تراءى لهم حيًا بعد قيامته.

 

الأمر الثاني فيتعلّق بكيفيّة تصوّر الحالة التي تراءى فيها يسوع لتلاميذه. فهل يختلف هذا الترائي عن سائر الترائيات الذي يذكرها الكتاب المقدس في العهد القديم وفي العهد الجديد؟

 وهل يختلف عن ترائيه لبولس على طريق دمشق؟

 

ففي رواية هذا الترائي يذكر سفر أعمال الرسل أن مرافقي بولس "سمعوا صوتًا، لكنهم لم يروا أحدًا" (أعمال 9: 7)، وفي موضع آخر أنّهم رأوا النور، إلّا أنّهم لم يفقهوا صوت الذي يكلّمه" (أعمال 22: 9). فهل كان ترائي المسيح ترائيًا ماديًا بحيث يمكن التقاطه بآلة تصوير أو يستطيع أي إنسان غير مؤمن أن يشاهده؟

 

يتّجه اليوم معظم مفسّري الكتاب المقدّس إلى القول بأن ترائيات يسوع لتلاميذه من بعد قيامته لم تكن ترائيات مادية يمكن تيقنّها بأعين الجسد المادي، بل ترائيات روحية لا يمكن رؤيتها إلا بأعين الإيمان.

 

قد يعترض البعض قائلين:

 

 ولكن هناك مقاطع في الإنجيل تدل على عكس ذلك: "وإذ كانوا بعد غير مصدّقين من الفرح، منذهلين، قال لهم: "هل عندكم ههنا طعام؟" فقدّموا له قطعة من السمك المشوي. فأخذ وأكل أمامهم" (لو 24: 41 ـ 43). وفي إنجيل يوحنا، عندما يظهر لتوما يقول له: "هات إصبعك إلى ههنا وانظر يديّ، وهات يدك وضعها في جنبي، ولا تكن غير مؤمن بل مؤمنًا" (يو 20: 27).

 

لا يمكننا قراءة هذه النصوص قراءة مادية حرفية، بل يجب البحث من خلالها عن هدف الإنجيليين وهو هدف مزدوج: الإصرار أولًا على أنّ الرسل ليسوا أمام وهم جماعي ولا أمام تخيل شخصي، فقد يتخيّلون وجود روح أمامهم ولكنّهم لا يستطيعون أن يتخيلوا إنسانًا له لحم وعظم يأكل وأمامهم، فإنّ يسوع حقًا أمامهم في روحه وجسده أي في كامل شخصه؛ والإصرار ثانيًا على أنّ يسوع الذي ظهر للرسل هو نفسه الذي صُلب، وهذا معنى الإشارة إلى آثار المسامير في يديه والحربة في جنبه.

 

ب ـ الرسل آمنوا أنّ يسوع قد قام

 

ـ الإيمان اختبار شخصي

 

يؤكّد جميع الإنجيليين أنّ الإيمان عنصر أساسي في ترائي المسيح لرسله. ففي ترائي يسوع لتوما يقول له: "أفلأنك رأيت آمنت؟ طوبى للذين يؤمنون ولم يروا!" (يو 20: 27 ـ 29)؛ وفي إنجيل لوقا يفتح يسوع أذهان تلاميذه ليؤمنوا استنادًا إلى الكتاب المقدّس: "ثم قال لهم: ذلك ما قلت لكم إذ كنت بعد معكم، إنّه لا بدّ أن يتمّ جميع ما كُتب عني في ناموس موسى، وفي الأنبياء والمزامير". عندئذٍ فتح أذهانهم ليفهموا الكتب، وقال لهم: "هكذا كُتِب: إنّه ينبغي للمسيح أن يتألّم، وأن يقوم من الأموات في اليوم الثالث" (لو 24: 44 ـ 46).

 

إنّ الإيمان لا يستند إلى وقائع مادية يمكن تحققها بالوسائل العلمية الخارجة عن الإنسان. إنّه نور داخلي يملأ الإنسان يقينًا بحضور الله وقدرته.

 

 فالرسل لم يتحققوا حدث القيامة استنادًا إلى براهين علمية خارجية. إنّهم أول مَن آمنوا بقيامة المسيح. لقد آمنوا بحضور الله في شخص يسوع المسيح، وآمنوا أنّ الله قد أقام يسوع وسحق الموت.

 

يقول أحد اللاهوتيين المعاصرين:

 

"إنّ اللقاء مع المسيح القائم هو، في نظر العهد الجديد، لقاء مع الله واختبار الله. إنّ ما ظهر للرسل هو حقيقة ملكوت الله الذي جاء بشكل نهائي في يسوع المسيح بموته. إنّ ما تراءى للرسل هو ضياء مجد الله على وجه المصلوب. ترائيات يسوع هي الوحي الاسكتولوجي، الوحي الأخير، الذي به يوحي الله بذاته. فالله هو الذي يكشف ذاته، ويكشف مجده على وجه يسوع المسيح. ما رآه التلاميذ هو مصلوب البارحة في مجد الله. هذا الوحي لله ولمجده هو الأساس الحقيقي للإيمان الفصحي وللإيمان بوجه عام، لأنّ الإيمان هو اختبار الله غاية الحياة وهدفها. وهذا الإيمان لا يمكن أن يستند إلى أحداث وبراهين خاصة، بل إلى أمانة الله وحقيقته اللتين تفرضان نفسيهما على الإنسان".

 

إنّ الرسل آمنوا بقيامة المسيح، ونحن أيضًا نؤمن اليوم بقيامته. فهل من فرق بين إيمان الرسل وإيماننا نحن؟

 

الإيمان اختبار شخصي، والاختبار الشخصي يصعب التعبير عنه. وبقدر ما يكون الاختبار شخصيًا وعميقًا، بقدر ذلك يصعب التعبير عنه وإبلاغه بكل أبعاده للآخرين. إنّنا نجد بعض الصعوبة للتعبير عن اختبارنا التعبير الملائم، فكم بالأحرى يصعب علينا إدراك اختبار الرسل والتعبير عنه تعبيرًا مطابقًا تمام المطابقة للواقع.

 

 

كلّ ما نستطيع قوله عن اختبار الرسل لقيامة المسيح هو أنّهم لاقوا المسيح من بعد موته في لقاء شخصي واختبروا اختبارًا جديدًا أنّ المسيح حيّ وأنّه حاضر بينهم. اختبارنا نحن لا يختلف في أبعاده عن إيمان الرسل.

 

 "فإن دخل إنسان غير مؤمن لا يعرف شيئًا عن المسيحية إلى مكان يؤدّي فيه المسيحيون شعائر العبادة، شعر، من خلال موقفهم، أنّ أمرًا ما يجري. وإن سألهم عنه أجابوا: إنّ الرب يسوع حاضر بيننا، وهو يدعونا إلى مائدته، ونحن نأكل معه ونستمع إليه ونخاطبه... إنّ هذا الجواب يشبه شبهًا مدهشًا روايات الإنجيليين.

 

 لكنّ هناك فرقًا: يقال في هذه الروايات أنّ الرسل عرفوا أنّه يسوع. لقد سبقوا وتعرّفوا إليه مدة حياته الأرضية، فإمكانهم أن يتحقّقوا أنّ اختبار القائم من بين الأموات الذي يختبرونه الآن يطابق اختبار يسوع الأرضي الذي اختبروه من قبل. وهذا الأمر لا نقدر عليه نحن. فلكي نتحقق صدق اختبارنا لا بدّ لنا أن نقارنه باختبار الرسل. لا شكّ أنّ الاختبار نفسه هو واحد في كلتا الحالتين ولا يختلف أساسًا في عمق أبعاده، لكنّ الرجوع إلى الماضي الذي يثبّته ويصدّقه يختلف: إنّه حياة يسوع بالنسبة إلى الرسل، واختبار الرسل بالنسبة إلينا".

 

إنّ إيماننا نحن يستند إلى إيمان الرسل: استنادًا إلى إيمانهم واختبارهم نحن أيضًا نؤمن أنّ المسيح حيّ، ونفتح قلوبنا لنلاقيه ونحيا من حياته.

 

إنّ الكنيسة هي جماعة المؤمنين الذين يتناقلون شهادة الرسل بقيامة المسيح ويحقّقونها في حياتهم، ويشهدون بدورهم أنّ المسيح حيّ وأنّه بروحه حاضر في العالم وفي تاريخ البشر.

ـ العلاقة بين الظهورات والإيمان

 

 قلنا إنّ المسيح تراءى للرسل، والرسل آمنوا بأنّه حيّ. فترائي المسيح وإيمان الرسل هما أمران يجب التمييز بينهما، ولكن دون فصل أحدهما عن الآخر.

 

نقرأ في بعض كتب اللاهوت المعاصرة أنّ المسيح لم يتراءَ لرسله، إنّما هم آمنوا به وآمنوا أنّه قد قام، وما ظهورات المسيح إلا تعبير بأسلوب روائي عن إيمان الرسل بقيامته. إنّ هذا التفسير هو ردّة فعل على التفسير الذي يعتبر ظهورات المسيح أمورًا موضوعية يمكن فصلها عن الإيمان وتحقّقها ببراهين علمية ثابتة. بين هذين التفسيرين: التفسير الذي لا يرى في القيامة إلا إيمان الرسل بها، والتفسير الذي يفصل القيامة عن إيمان الرسل، هناك مجال لتفسير آخر يميّز ظهورات المسيح عن إيمان الرسل دون أن يفصل بينهما. وهذا التفسير يبدو لنا أقرب إلى حقيقة الله وحقيقة الإنسان في آن واحد.

 

يرتكز هذا التفسير على اعتبار الإيمان اختبارًا روحيًا شخصيًا. ولكنّ الاختبار لا بدّ أن يكون اختبارًا لشيء خارج عن الإنسان، وإلّا أصبح توهمًا وتخيلًا. إنّ الاختبار هو حتمًا لقاء بين الإنسان وموضوع متميّز عنه.

 

في هذا يقول أحد اللاهوتيين المعاصرين: "يجب ألا نفصل "الموضوع" (أي قيامة يسوع وارتفاعه إلى عند الآب اللذين حدثا في الواقع) عن "الذات" (أي اختبار الإيمان كما تعبّر عنه روايات الظهورات).

 

دون اختبار الإيمان المسيحي ينقصنا العنصر القادر على إدراك المسيح القائم. وعلى عكس ذلك، دون قيامة يسوع نفسه لا وجود لاختبار فصحي.

 

 إنّ الحدث الفصحي هو الاختبار الفصحي الذي اختبره التلاميذ (أي إنّهم اختبروا يسوع الذي عاشوا معه هو وحده  المسيح المخلّص النهائي للبشر)، ولكنّ منبع هذا الاختبار هو المسيح القائم.

 

"وقيامة المسيح لا تعني فقط أنّ الله قد أقامه من بين الأموات، بل أيضًا أنّ الله يعطيه جماعة يكون فيها حاضرًا: أخصّاؤه الذين يجتمعون من جديد ويصبحون كنيسته. وهذا يفرض أن تكون قيامة يسوع هي في الوقت نفسه حضوره السماوي في ما بيننا... إنّ قيامة يسوع وحضوره السماوي بين أخصّائه الذين على الأرض هما وجهان لحقيقة واحدة، بحيث إنّ التلاميذ لا يعرفون ما حدث ليسوع نفسه، أي أنّه قد قام، إلّا من خلال حضوره من جديد في ما بينهم وبواسطة هذا الحضور".

 

يرى هذا اللاهوتي أنّ ترائيات المسيح للرسل تعني في الواقع خبرة إيمان الرسل لحضور المسيح بينهم، إلّا أنّه يضيف أنّ تلك الخبرة ليست سوى وجه واحد لحقيقة القيامة. فالوجه اللآخر الملازم لتلك الخبرة هو أنّ يسوع قد قام، أي أنّه قد دخل في مجد الآب.

 

ج) القبر الفارغ

 

وهذان الوجهان هما ما تؤكّدهما الأناجيل في إطار روائي في روايات القبر الفارغ. يروي الإنجيليون أنّ بعض النسوة أتين القبر "في اليوم الأوّل من الأسبوع". أمّا سبب مجيئهنّ إلى القبر فيختلف حسب الروايات: فمرقس يقول: "إنّ النسوة أتين "ليحنّطن يسوع" (مر 16: 1)؛ وكذلك لوقا: "جئن مع الفجر إلى القبر يحملن الحنوط الذي أعددنه" (لوقا 24: 1)؛ أمّا متى يقول: "لما انقضى السبت، عند فجر اليوم الأول من الأسبوع، جاءت مريم المجدلية ومريم الأخرى لتنظرا القبر" (متى 28: 1)، وكذلك يوحنا لا يذكر شيئًا عن الحنوط (يو 20: 1).

 

ثم يتّفق الإنجيليون في ذكر القبر الفارغ: لمّا وصلت النسوة إلى القبر وجدن الحجر الذي كان على باب القبر قد دُحرج، ودخلن القبر ولم يجدن جسد يسوع. ولتفسير حدث القبر الفارغ، يظهر لهنّ "شاب جالس إلى اليمين، عليه لباس أبيض"، يقول مرقس (مر 16: 5). هذا الشاب يقول عنه متى إنه "ملاك الرب انحدر من السماء، وأتى ودحرج الحجر وجلس عليه، وكان منظره كالبرق ولباسه أبيض كالثلج" (متى 28: 2 ـ 3). أما لوقا فيتكلم عن "رجلين عليهما ثياب برّاقة" (لو 24: 4)، ويوحنا عن "ملاكين بثياب بيض" (يو 2: 12).

 

هل هذه الرواية تاريخية بكل تفاصيلها؟

 هل أتت النسوة إلى القبر لتحنيط جسد يسوع أم لرؤية القبر؟

هل ظهر لهنّ ملائكة، بثياب بيض؟ هل وجدن القبر حقًا فارغًا من جسد يسوع؟

 

في الإجابة على هذه الأسئلة يجب التمييز بين فراغ القبر من جسد يسوع ورواية هذا الحدث كما ورد في الأناجيل.

 

إنّ فراغ القبر من جسد يسوع تقليد قديم في أورشليم وأمر يجمع عليه الإنجيليون الأربعة. لذلك، وإن كان بعض مفسّري الكتاب المقدس اليوم لا يقرّون بتاريخية هذا التقليد ويعتبرونه أمرًا رمزيًا للدلالة على دخول المسيح في حياة الله، إلّا أنّ معظم المفسّرين واللاهوتيين يقولون أنّه لو لم يوجد القبر في الواقع فارغًا لما نشأ هذا التقليد القديم ولا استطاع أن يثبت ويصمد.

 

أمّا رواية هذا الحدث فقد افترض بعض المفسّرين أنّها نشأت من عادة قديمة عند اليهود كانت تقضي بزيارة قبور الأنبياء والصدّيقين والأقرباء للذكرى والصلاة. تماشيًا مع هذه العادة كان المسيحيون الأوّلون يحجّون إلى قبر يسوع، إلى قبر فارغ، ويعلنون إيمانهم بقيامته. من هنا نشأت رواية أولى، أعاد كل من الإنجيليين النظر فيها على طريقته وعبّر من خلالها عن فكره اللاهوتي. إنّها ليست روايات تاريخية بقدر ما هي روايات لاهوتية. لذلك تتضمّن، إلى جانب شهادة الإيمان بقيامة المسيح، عناصر لا يمكن تفسيرها تفسيرًا ماديًا وحرفيًا.

 

فمجيء النسوة إلى القبر ليحنّطن ميتًا دُفن منذ ثلاثة أيّام، كما يقول مرقس ولوقا، يناقض كل التقاليد اليهودية ولا يتلاءم مع ما هو معروف عن المناخ الحار في فلسطين. لكن هذا التحنيط يتخذ معناه الحقيقي إذا فهمناه كتمهيد أدبي لإعلان قيامة المسيح:

 

جاءت النسوة إلى القبر ليحنّطن يسوع أي ليبقينه في الموت، فإذا هو حيّ قد تغلّب على الموت. كذلك قولهنّ بعضهنّ لبعض "من يدحرج لنا الحجر عن باب القبر" ليس سوى صيغة أدبية وسؤال تمهيدي للتأكيد أنّ المسيح لم يُغلق عليه في القبر بل أُخرج بقدرة الله إلى الحياة، إذ لا حجر مهما كان كبيرًا ولا حاجز مهما كان عظيمًا يستطيع أن يمنع قدرة الله من أن تعتلن وتنهض  يسوع المسيح من الموت.

ثمّ إنّ فراغ القبر ليس في ذاته برهانًا على قيامة المسيح. إنّه لا يأخذ هذا المعنى إلّا على ضوء الإيمان. أمّا غير المؤمن فقد يقول كما قال اليهود: "إنّ تلاميذه جاءوا ليلًا وسرقوه!..." (متى 28: 13)، أو كما قالت مريم المجدلية: "أخذوا سيدي ولا أدري أين وضعوه" (يو 20: 13).

 

 

إنّ فراغ القبر يحتاج إلى تفسير، وهذا التفسير يصفه الإنجيليون على لسان الملائكة. فرسالة الملائكة في الكتاب المقدّس تقوم على إعلان إرادة الله وتفسير معنى الأحداث والتشديد على تدخّل الله في حياة البشر. هذا ما يقوم به الملائكة إلى جانب قبر المسيح: يعلنون للنسوة قيامة يسوع ويطلبون منهنّ تبشير الرسل بذلك:

 

"لا تخفن أنتنّ! إنّي أعلم أنّكنّ تطلبن يسوع المصلوب. إنّه ليس ههنا: فقد قام كما قال. هلمّ وانظرن الموضع الذي كان مضجعًا فيه. ثم امضين في سرعة، وقلن لتلاميذه: أنّه قد قام من بين الأموات، وأنّه يسبقكم إلى الجليل. فهناك ترونه" (متى 28: 5 ـ 7).

 

"لا ترتعدن. إنّكنّ تطلبن يسوع الناصري، المصلوب: إنّه قد قام؛ ليس هو ههنا. دونكنّ المكان الذي قد وضعوه فيه. فاذهبن الآن، وقلن لتلاميذه، ولبطرس: إنّه يسبقكم إلى الجليل؛ فهناك ترونه، كما قال لكم" (مر 16: 6 ـ 7).

 

"لِمَ تطلبن بين الأموات مَن هو حيّ؟ إنّه ليس ههنا، لكنه قد قام. تذكّرن ما قال لكنّ إذ كان بعد في الجليل: إنّه ينبغي لابن البشر أن يُسلم إلى أيدي الخطأة ويُصلب، وأن يقوم في اليوم الثالث. فتذكّرن كلامه" (لو 24: 4 ـ 8).

تؤكّد النصوص الثلاثة التناقض بين طلب النسوة وقيامة المسيح:

 

 إنّكن تطلبن يسوع المصلوب، إنّه ليس ههنا، فقد قام. ويشير متى ومرقس إلى المكان الذي كان مضجعًا فيه. وبقولهما "قلن لتلاميذه إنّه يسبقكم إلى الجليل، فهناك ترونه" يمهّدان لترائي المسيح لتلاميذه في الجليل. تلك الجملة الأخيرة تصبح في إنجيل لوقا: "تذكرن ما قال لكنّ إذ كان بعد في الجليل...". فلوقا لا يروي ترائي يسوع لتلاميذه في الجليل، بل في أورشليم التي هي محور لاهوته. فمن أورشليم سينطلق الرسل للكرازة بالإنجيل "في جميع اليهودية والسامرة وإلى أقاصي الأرض" (أعمال 1: 8).

 

وهكذا فإنّ كلام الملائكة يسلّط الأضواء على جميع مراحل حياة يسوع ويفسّرها للنسوة: ففي الماضي أنبأ يسوع تلاميذه أنّه سيُصلب ويقوم، وفي الحاضر إنّه ليس في القبر، لكنه قد قام، وفي المستقبل سيظهر لتلاميذه ويرسلهم للكرازة.

 

تلك الرسالة السماوية يوجّهها الإنجيليون من خلال النسوة إلى جميع الذين عرفوا يسوع وآمنوا به في حياته وراحوا يتساءلون متحيرين لماذا انتهت حياته بالصلب والموت، ويوجهونها كذلك إلى جميع المؤمنين بيسوع على مدى الأجيال.

 

 فيسوع لم يمت لكنه قام إلى مجد الله. والرسالة نفسها يضعها لوقا على فم يسوع في ترائيه لتلميذي عمّاوس وللرسل: "أما كان ينبغي للمسيح أن يكابد هذه الآلام ويدخل في مجده؟" (لو 24: 26)؛ "هكذا كتب: إنه ينبغي للمسيح أن يتألّم، وأن يقوم من بين الأموات، في اليوم الثالث، وأن يكرز باسمه، بالتوبة لمغفرة الخطايا، في جميع الأمم، ابتداء من أورشليم" (لو 24: 46 ـ 47).

 

إنّ دخول يسوع إلى مجد الله تعبّر عنه أيضًا تفاصيل أخرى فروايات القبر الفارغ تجدر الإشارة إليها. فالشاب الذي يظهر في رواية مرقس يوحي بالحالة الجديدة التي أصبح فيها يسوع: "إنّه جالس إلى اليمين" مثل المسيح الممجّد الجالس إلى يمين الآب وعليه "ثوب أبيض" يذكّر بالثوب الذي ظهر فيه يسوع في تجلّيه أمام تلاميذه على جبل ثابور (مر 9: 3).

 

أمّا متى فيستخدم في روايته الصور التقليدية التي تشير إلى القيامة العامة في نهاية العالم: "وإذا زلزال عظيم قد انبعث، لأنّ ملاك الرب انحدر من السماء، وأتى ودحرج الحجر، وجلس عليه" (متى 28: 2). فالزلزال هو من دلائل نهاية العالم (راجع خطاب يسوع في منهى العالم، متى 28: 7).

 

وهذا الزلزال يذكره متى أيضًا لدى موت يسوع: "الأرض تزلزلت، والصخور تشققت، والقبور تفتحت، وكثيرون من القديسين الراقدة أجساهم فيها قاموا وخرجوا من القبور بعد قيامته، ودخلوا المدينة المقدسة، وتراءوا لكثيرين" (متى 27: 51 ـ 53). فموت يسوع وقيامته هما نهاية العالم القديم وبدء الأزمنة الجديدة. ويشير إلى ذلك أيضًا مجيء الملاك الذي "كان منظره كالبرق" (كمجيء ابن البشر في نهاية العالم، متى 24: 27). وقد "دحرج الحجر وجلس عليه" فالحجر الذي يختم القبر ويرمز إلى سلطة الموت قد أزيل ودُمّرت معه سلطة الموت.

 

 

د) اليوم الثالث

أتت النسوة إلى القبر "في اليوم الأول من الأسبوع، عند الفجر"، أي صباح نهار الأحد. وهذا اليوم هو اليوم الثالث لموت المسيح الذي حدث نهار الجمعة (مر 15: 42 ؛ يو 19: 31). في إنجيل لوقا نسمع الملاك يقول للنسوة: "تذكرّن ما قال لكنّ إذ كان بعد في الجليل: إنّه ينبغي لابن البشر أن يسلم إلى أيدي الخطأة ويُصلب، وأن يقوم في اليوم الثالث" (لو 24: 6ـ 7). في هذا تذكير بما أنبأ به يسوع أمام تلاميذه عن آلامه وموته وقيامته، وكلّ مرة يذكر الإنجيليون أنّ يسوع سيقوم، يضيفون أنّه "سيقوم في اليوم الثالث" (لو 18: 33) أو "بعد ثلاثة أيام" (مز 10: 34 ؛ متى 27؛ 63).

لقد اتخذت عبارة "القيامة في اليوم الثالث" معنى زمنيًا بمجيء النسوة إلى القبر في اليوم الثالث وتحقّقن فراغه من جسد يسوع، وبظهور يسوع حيًا لتلاميذه في هذا اليوم عينه، حسب لوقا (24: 13، 33، 36)، ويوحنا (20: 19). إلّا أنّ هذه العبارة تتضمّن معنى آخر، معنى لاهوتيًا يجدر التنبه له.

 

 

ففي نبوءة هوشع نقرأ الجملة التالية: "يحيينا (الله) بعد يومين، وفي اليوم الثالث يقيمنا فنحيا أمامه" (هو 6: 3). تعني عبارة "اليوم الثالث" في هذا النص "المدّة القصيرة". فالله لن يبطئ في إحياء شعبه وإقامته من الموت.

 

وقد فسّر الترجوم آية هوشع بقوله: "سيعيدنا إلى الحياة في يوم التعزيات الآتية، وفي اليوم الذي يعيد فيه الأموات إلى الحياة سيقيمنا معه". كما فسّر الترجوم أيضًا آية سفر التكوين التالية "وفي اليوم الثالث رفع ابراهيم طرفه فأبصر الموضع من بعيد" (تك 22: 4)، بقوله: اليوم الثالث هو اليوم الذي تُردّ فيه الحياة إلى الأموات، كما ورد في هوشع: في اليوم الثالث يقيمنا فنحيا أمامه".

فعبارة اليوم الثالث لم تكن تعني عند اليهود في أيام المسيح وقتًا زمنيًا بل وقتًا لاهوتيًا، هو وقت تدخل الله لإعادة الحياة إلى الأموات. فعبارة "القيامة في اليوم الثالث" هي إذًا مرادف لعبارة "القيامة العامة"، لأنّ اليهود لم يتصوّروا قط أنّ الله سيقيم إنسانًا من الموت بمفرده وبمعزل عن الآخرين، بل كانوا يتوقّعون قيامة عامة لجميع الراقدين.

 

من هنا نستنتج أنّه عندما كان التلاميذ يبشّرون أنّ المسيح قام في اليوم الثالث كانوا يقصدون أولًا التأكيد أن القيامة إلى حياة الله التي يرجوها جميع الأموات في الأزمنة الأخيرة قد حدثت ليسوع، فبدأت معه الأزمنة الأخيرة.

 

 

أبعاد قيامة المسيح

 

إنّ الرسل قد آمنوا بقيامة المسيح وشهدوا لها وكرزوا بها. فما هي أبعاد هذا الإيمان وهاتين الشهادة والكرازة؟

 

واليوم عندما نعلن بأنّ المسيح قد قام ونشهد لهذا الحدث ونكرز به، ماذا نعني في الواقع؟ ما هو مضمون إيماننا بقيامة المسيح؟

 

 

إنّ قيامة المسيح تحمل في جنباتها ثلاثة أبعاد يُلقى من خلالها الضوء على ثلاثة أسرار: سرّ الله وسرّ المسيح وسرّ الإنسان. ففي هذا الحدث يعلن الله عن قدرته ويكشف عن ذاته أنّه إله الحياة والمحبة؛ وفي هذا الحدث أيضًا يظهر الله صدق رسالة يسوع ويرفعه إلى المجد؛ وفي هذا الحدث أخيرًا ينكشف للإنسان بعض الشيء من مصيره في هذه الحياة وبعد الموت.

 

 

1ـ قيامة المسيح اعتلان لقدرة الله

 

"إنّ الله بإقامة يسوع من بين الأموات لا يقوم بعمل خارق يناقض نواميس الطبيعة، بل يظهر ذاته إلهًا، ويظهر قدرته، ويكشف المعنى الأخير، الاسكتولوجي، للحياة برمتّها. الإيمان بالقيامة ليس أمرًا يضاف إلى الإيمان بالله وبيسوع المسيح؛ إنّه موجز هذا الإيمان وجوهره".

 

إنّ الله، في قيامة يسوع، يكشف بصورة نهائية عن ذاته أنّه الإله الذي تشمل قدرته الحياة والموت والكيان والعدم، وأنّه قوّة الحياة الجديدة والمحبة الخلّاقة والأمانة الدائمة.

 

من يؤمن أنّ الله أقام يسوع يؤمن أنّ الله جدير بأن يثق به الإنسان الثقة التامة المطلقة. لذلك عندما تنغلق في وجه المؤمن كلّ الآفاق الزمنية وتزول من أمام عينيه كلّ الآمال والإمكانات البشرية، ويشعر أنّه يسير نحو الموت والتلاشي، عندئذٍ يظهر له الله في أزلية محبته ودوام حضوره.

 

2ـ) قيامة المسيح تصديق لرسالته من قبل الله

إنّ موت يسوع على الصليب كان، في أعين الناس، الدليل على أنّ الله قد أهمله ونبذه، على ما هو مكتوب: "ملعون كل من عُلّق على خشبة" (غلا 3: 13). لذلك "كان المجتازون أمام صليبه يجدّفون عليه، ويقولون، وهم يهزّون رؤوسهم: أنت يا هادم الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام، أنقذ نفسك! إن كنت ابن الله، فانزل إذًا عن الصليب. وكذلك أيضًا رؤساء الكهنة كانوا يسخرون منه مع الكتبة والشيوخ ويقولون: ... لقد توكّل على الله، فلينقذه الآن، إن كان راضيًا عنه، فإنّه قد قال: أنا ابن الله" (متى 27: 39ـ 43).

 

لذلك بعد موت يسوع هرب الرسل ورجعوا إلى الجليل، وتحققت فيهم كلمة يسوع: "كلّكم ستضعفون بسببي، لأنه مكتوب: سأضرب الراعي فتتبدّد الخراف. ولكن متى قمت أسبقكم إلى الجليل" (مر 14: 27؛ متى 26 : 31).

 

 

في الجليل دعا يسوع رسله دعوة أولى ليتبعوه ويبشّروا بقرب مجيء الملكوت، وفي الجليل ظهر لهم من بعد قيامته ودعاهم دعوة ثانية ليبشّروا أنّ ملكوت الله قد تحقق في قيامته: بالقيامة ظهر يسوع ابن البشر الذي أنبأ عند دانيال أنّه "سيُعطى سلطانًا على ملوك الأرض" (دانيال 7: 14)، وقد أعطي هذا السلطان، كما قال لتلاميذه في ترائيه لهم على جبل في الجليل: "لقد دُفع إليّ كل سلطان في السماء وعلى الأرض" (متى 28: 18).

 

 

وبالقيامة ظهر يسوع حقًا "ابن الله". في قيامة يسوع أجاب الله على تساؤلات الناس: إن كان ابن الله فلينزل عن الصليب، إذ قرّب، وهو على الصليب، "تضرّعات وابتهالات، في صراع شديد ودموع، إلى القادر أن يخلّصه من الموت، فاستجيب له بسبب ورعه. ومع كونه ابنًا، تعلّم ممّا تألّمه أن يكون طائعًا" (عب 5: 7، 8). إنّ الله استجاب ابتهالات يسوع ابنه عندما أقامه من الموت.

 

 

هذا ما يقوله أيضًا بولس الرسول في خطبته في مجمع اليهود في أنطاكية:

 

 "إنّ الوعد الذي صار لآبائنا قد حققه الله لنا نحن أولادهم، إذ أقام يسوع، على ما هو مكتوب في المزمور الثاني: أنت ابني وأنا اليوم ولدتك" (أعمال 13: 33). وفي رسالته إلى الرومانيين يبشّر "بيسوع المسيح ربنا، ابن الله، المولود بحسب الجسد من ذريّة داود، المقام بحسب روح القداسة، في قدرة ابن الله، بقيامته من بين الأموات" (روم 1: 3، 4).

 

 

إنّ كلّ ما بشّر به يسوع في حياته عن ملكوت الله قد صدّقه الله بإقامة يسوع.

 

فالملكوت هو حياة الله تدخل عالمنا المائت وتبعث فيه حياة جديدة، وقد انبعثت تلك الحياة الجديدة من قبر المسيح. الملكوت هو محبة الله تشرق على عالمنا المظلم وتزيل عنه عتمة الحقد وظلمة الخطيئة، وقد اشرقت تلك المحبة في قيامة يسوع، كما أشرقت في حياته. لقد أظهر الله، بإقامة يسوع من الموت، أنّ كلّ ما بشّر به يسوع في حياته قد بشّر به باسم الله، وكلّ ما فعله في حياته قد فعله باسم الله، وأنّ موته على الصليب كان إظهارًا لمحبة الله. لذلك يسوع نفسه هو ملكوت الله: ففي حياته وفي موته وفي قيامته ظهرت حياة الله وظهرت محبة الله وظهرت قدرة الله.

 

 

                              اللاهوت المسيحي والإنسان المعاصر الجزء الأول

                                   الأب سليم بسترس

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية