وقام من الأموات في اليوم الثالث

 

وقام من الأموات في اليوم الثالث

 

وقام من الأموات في اليوم الثالث

 

"قام في اليوم الثالث كما ورد في الكتب". هذا ما قاله بولس الرسول (1 قو 15: 4) مشيرًا إلى أنَّ تلك االقيامة، فضلًا عن كونها حقيقةً راهنةً لم يكن أحدٌ ليتوقّعها، هي تتميم ما أُنبئ به. أمّا الإنجليون فقد جعلوا الإعلان على لسان يسوع نفسه (مر 10: 34). ولئن كان من الممكن القيامُ مسبقًا بتحديد يوم الدخول في المنعطَف  الذي به يُناط كلُّ شيء، فذلك يُشير إلى أنّ هذا المنعطَف قابِل للتأريخ وبإمكان الشهود أنفسهم تأريخُه كما وتأريخُ سائر ما حدث في أيّام يسوع بين البشر. وهذا التأريخ له من الأهميّة ما لتأريخ الآلام في أيّام بنطيوس بيلاطس. والنقطة الزمنيّة التي في أثنائها تتحرَّر حياة يسوع الجديدة من الموت وتبتعد عن تاريخنا المائت، ليست وقتًا غير محدَّد، بل هي، في هذا التاريخ المستمرّ، "آنٌ" يمكن تحديده بما لا يَدَع مجالًا للشكّ.

وقيامة يسوع، هذا التفجُّر وهذا النهوض من الموت إلى الحياة، لا يستطيع أحدٌ أن يتتبّعها ويواكبها، فهي حدثٌ من أحداث تاريخ الله وحده، شأنه شأن حدث التجسُّد. غير أنّ كِلا الحدثين – الدخول والخروج – لهما علاقة بتاريخنا البشريّ. فالنساء والتلاميذ التقوا القائمَ من الأموات يومَ قيامته بالذات، في حين لم تُدرك أليصاباتُ حدثَ التجسُّد إلّا بضعة أيّام بعد حدوثه (لو 1: 42 وما يليها).

 

 

في أغلب الأحيان ينسب الكتابُ المقدَّس قيامة يسوع المائت إلى الله الآب وقدرته. وحسنًا يفعل، إذ الطاعة لله الآب هي ما دفع الابن إلى تتميم قرار الثالوث – الأحد في سبيل خلاصنا. وفي خِطَب الوداع التي أوردها يوحنّا، نرى يسوع وهو مزمع أن يمجّد بالصليب حبَّ الآب للعالم، يسأله أن يمجّد لأنّه وعده بذلك (يو 13: 32، و12: 28). وبولس من جهته يعلن أنّ قدرة الآب الكلّيّة، التي تتجلّى في الانتقال من الموت إلى الحياة الأبديّة، هي قدرة غالبة منتصرة (أف 1: 19-23).

ولكن لمّا كان الروح القدس، روحُ الآب والابن، الوسيطَ الذي أمّن عمليّة الخلاص في عبورها من السماء إلى الأرض، فإنّه من الممكن أن تُنْسَب قيامة الأموات إليه أيضًا (كما تُنْسَب إلى الآب. روم 8: 11). ولئن بدت فكرةُ قيامة المائت بفضل قواه الذاتيّة أمرًا غريبًا، إلّا أنّنا نستطيع القول بأنّ يسوع نفسه – وقد أشرنا إلى أنّ موته كان من أعمال أشدّ ما لديه من حبّ، ذاك الحبّ الذي هو وروح الحبّ الإلهيّ واحد – شارك هو أيضًا مشاركة فعليّة في هذا الانتقال إلى الحياة.

 

من الآن فصاعدًا يحيا يسوع "الله" (روم 6: 10). ولكن أَلَمْ يسبق له أن كان، دومًا، حيًّا لله؟

 

وإنْ هو "قد مات عن الخطيئة مرّة واحدة" (المرجع نفسه)، أما سبق أن فعل ذلك في حياته وآلامه؟ إنّ الإله الثالوث – الأحد الوحيد يحقّق العمل الذي هو وسيبقى المعطاة الأساسيّة في تاريخ البشريّة بكليّته، ألا وهي أنّ الذين هم بفعل طبيبعتهم محدودون وحُكِمَ عليهم بالفساد لأنَّهم تنحَّوا عن الله، يَقبلون، بواسطة رجوع الابن الوحديد إلى الحياة الأبديّة، هبة الرجاء، لا بل هبة الثقة بأنّهم سيلحقون به (1قور 15: 21).

 

 

"من الأموات".

إستنادًا إلى ما سبق، هذا لا يعني "تاركًا الأموات"، بل "ذاهبًا ليأخذهم" أو "آخِذَهم معه"، بحسب ما صوّرته عظات اللآباء أروعَ تصوير. ولكن إن أطلق بولسُ هتافه المعروف: "أين، يا موت، شوكتك؟" لقد ابتلع النصرُ الموتَ" (1 قور 15: 54-55) فهذا يعني المزيد، ألا وهو أنّ واقع الموت على أنّه خسرانُ الإنسانِ ذاتَه ("في النهاية كلُّ شيءٍ باطل!") قد فقدَ شوكتَه وأضحى في صَميم انتشار الحياة الأبديّة.

ولئن وَهب الآب ذاته دون قيدٍ أو شرط للابن، وإن وهب الآب والابن ذاتيهما للروح القدس، ألا تتجلّى في ذلك العمل – الذي يتمّ في صميم الحياة الأبديّة – الصورةُ الأصليّة التي تعكس أجمل الموت؟ أَوَليس "رفض الكينونة – النهائيّ – من أجل – الذات" هذا الشرطَ الأساسيّ للحياة الأشّد سعادة؟

 

 فموتنا التعيس يضحي محمولًا في هذا "الموت – نحو" أحيَى الأحياء، إذ يُصبح بعد ذلك كلُّ ما يمتّ إلى الإنسان – من ولادته، وموته – مغلَّفًا، مكتنَفًا في حياة لا تعود تَعرف أيَّ حدود.

 

هانس اورس فون بلستار

 

macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية