آلام الإنسان في عالم اللاحبّ

 

 

 

 آلام الإنسان في عالم اللاحبّ

 

كلٌّ منّا يشكو، إلى حدٍّ ما، من آلام الوحدة، ويتخبَّط في ضيق نفسيّ وعطش روحيّ. هذه الآلام هي في العمق وليدة فشل في الحبّ. المحزن حقًّا في هذه الأوضاع كلّها، هو إنكفاؤنا إلى ذواتنا، وانشغالنا بأنفسنا. هذا الإنشغال هو أكبر عقبة في طريق حياة الحبّ.

سألتُ ذات يوم صديقًا لي، عالم نفس: كيف تعلِّم الحبّ للإنسان؟ ففاجأني بالإجابة عن سؤالي بسؤال آخر، قال: "هل حدث لك يومًا أن آلامك أحد أسنانك؟ وأين كان محور تفكيرك آنذاك؟ عندما نتألَّم يتمحور تفكيرنا حول ذواتنا".

وتابع صديقي قائلاً: "إنَّ عالمنا مليء بالآلام، وآلامنا غدت مبرَّحة عميقة الجذور. نأوي إلى الفراش مع الوجع ومعه نستيقظ. إنَّ ثلثي الأسرَّة في مستشفيات الولايات المتَّحدة الأميركيَّة يشغلها مرضى أسباب مرضهم نفسيَّة في أساسها. وواحد من كلِّ عشرة أشخاص يخضع لعلاج نفسيّ مكثَّف. ولقد اشتدَّت آلام الناس الداخليّة، فارتفعت نسبة الموت إنتحارًا إلى حدٍّ كبير بين سنّ الثامنة عشرة والواحدة والعشرين، وأصبحت تشكِّل رابع أهمَّ الأسباب للوفاة بين سنّ الواحدة والعشرين والرابعة والعشرين. إنّه عالم مليء بالألم وقد هجره الحبّ. العديد من الناس منشغلون بآلامهم، منغلقون على أنفسهم، وقد أصبحوا لذلك غير قادرين على الحبّ.

 

 

الشخص والشخصيّة

كلٌّ منّا إنسان فريد له شخصيَّته الخاصّة. نقول لشخص أحيانًا: "خلقك الله وكسر القالب". ولكلّ منّا في الحقيقة قالبه الخاصّ؛ فما من إنسان خُلق صورة لإنسان آخر. ويبدو هذا الإنسان في بدء حياته منغلقًا وكأنّه برعم أوشك أن يتفتَّح. ولكنّه لن يفعل، ولن يتألَّق جماله الداخليّ، قبل أن يلفحه دفء الشمس وتغذّيه رَحِم الأرض. وذاك هو أيضًا شأن الإنسان؛ فإن لم يغذِّه دفء الحبّ  والثقة، فلن يجرؤ على إظهار الفريد عنده، ذلك الجمال الخاصّ الذي هو هبة الله الخاصّة لكلّ إنسان.

والشخصيّة في مفهومنا هي التعبير الإجتماعيّ عن حقيقة الشّخص. كلٌّ منّا يعبِّر عن ذاته الفريدة بطرق عديدة. وعمليّة الإفصاح عن الذات هذه تشكِّل، في لغة علم النّفس، ديناميّات الشخصيّة البشريّة.

نحن نعرف أنَّ البرعم إذا أُصيب بأذى، كالجليد في غير وقته مثلاً، فإنّه لن يتفتَّح. والإنسان كذلك، إذا حُرِم من الدفء والحبّ المشجِّع، أو أُرغِم على العيش مفتقرًا إلى العطف والتقدير، بقي منغلقًا على ذاته، وكأنَّ ديناميّات شخصيَّته قد شُلَّت.

 

وإذا ما حدث أن تعثَّرت الحيويّة في الشخصيّة بشكل جدّيّ، نتج من ذلك ما يسمِّيه علم النّفس "عصابًا" (Neurosis). وإنَّ من أبرز ما يوصف به العصاب أنّه خلل عميق في قدرة الإنسان على خلق علاقة مع الآخرين، والإنفتاح عليهم، وقبولهم، بعيدًا عن الخوف من رفض الآخرين له.

 

السنوات السّبع الأولى من الحياة

إنَّ الذين يصل بهم التّعب إلى المعالج النفسيّ، غالبًا ما يذهلهم إهتمامه في استعادة ما يمكنهم تذكُّره من وقائع السّنوات الأولى من حياتهم. ذلك أنَّ علم النّفس يكاد يجمع على أنَّ أهمَّ أسس شخصيَّة كلّ منّا تتكوَّن خلال السّنوات السّبع الأولى. تلك حقيقة قد يصعب علينا قبولها، ولكنّه من الثابت أنَّ تكويننا النفسيّ، خلال السّنوات السّبع الأولى، يرافقنا مدى الحياة.

فإذا كنّا، ونحن في سنّ السابعة، ممّن يميلون إلى الهدوء ويفضِّلون الإنكفاء، فالأرجح أنّنا لا نزال هكذا، في جوهرنا، اليوم. وإذا كنّا ممّن طغى عليهم آنذاك حبّ المرح والإنفتاح، فذلك يعني أنّنا، على الأرجح، لا نزال نثقِّل كاهل الآخرين بصخبنا.

قد يشقّ علينا قبول مثل تلك الحقائق، ولكنّ الواقع أنَّ الجراح النفسيّة التي تصيبنا خلال السّنوات السّبع الأولى، تترك آثارها الدائمة في شخصيَّتنا.

 

إنّه ما من مشكلة نفسيَّة عميقة تنبت بعد هذه المرحلة، ولكن ظروف الحياة قد تلهب آثار الجراح من جديد. إنَّ الفرضيَّة السّائدة هي أنّنا أسياد ذواتنا وأرباب أنفسنا، ولكنّ الحقيقة أنَّ تكويننا يبقى، إلى حدٍّ بعيد، رهنًا بتأثيرات الآخرين علينا. إنّه لمُخيف مدى تحكُّم الآخرين بمصيرنا.

 إنَّ ما أنت وأنا عليه الآن هو نتيجة لحبّ مَن أحبُّونا ورفض من رفضوا أن يحبُّونا.

 

القلق

هنالك ثلاث مشكلات عاطفيّة، نعايشها جميعنا، وتختلف أهميَّتها بإختلاف شخصيَّة كلّ منّا. أولى تلك المشكلات هو القلق؛ ذلك الخوف اللاعقلانيّ من أمر لا نعرفه. نحن في مثل هذه الحال لا ندري تمامًا ما الذي يقلقنا، ولكنّنا نشعر بشيء من الإنزعاج يطال أجهزة العصب والهضم عندنا. وكلَّما إزداد هذا الإنزعاج، شعرنا بخوف من أنَّ أمرًا سيِّئًا قد حدث لنا، او أنَّ مكروهًا أوشك أن يحلّ بنا.

 الإنسان القلق يعيش وكأنّه سجين واقع معادٍ أَفْلَتَ من يده، وأنَّ أسوأ ما يمكن حدوثه سوف يحدث له.

إنَّ طرق الدّفاع، أو حيَل الوجدان التي إبتكرتها الطبيعة البشريّة، متعدِّدة ومتشابكة. فكأنَّ الطبيعة تبتكر مخدِّرًا لذاتها عند الحاجة. عندما يتعرَّض المرء مثلاً لألم لا طاقة له على إحتماله فالمخدِّر الذي تلجأ إليه الطبيعة هو الغيبوبة؛ يصاب المتألِّم بالإغماء. الجنون ذاته قد يكون ملجأً لمَن ثقلت أعباء الحياة عليهم، إلى حدٍّ لا يطاق. إنّها محاولة هرب من واقع مؤلم يحسّ الإنسان فيه بالفشل التامّ، وكأنَّ قدرته على المواجهة قد تبدَّدت كلّيًّا.

تتعامل الطبيعة مع القلق إذًا من خلال دفاعات خاصّة تتكوَّن فيها. فهي قد تلجأ مثلاً إلى تجسيد ذاك الخوف الضبابيّ، الذي يسبِّبه القلق، في مصادر محدَّدة هي، في لغة علم النّفس (Phobia) "خواف" أو خوف مرضيّ، لاعقلانيّ وغير واقعيّ، من أشياء محدَّدة، لا تكوِّن عادة مصدر خوف.

 

بهذه الطريقة يحاول المرء أن يتخلَّص من القلق المستمرّ، غير المحدَّد، مستعيضًا منه بخوف، ولو غير عقلانيّ، من أمور او أشياء محدَّدة. هناك مثلاً العديد من الناس الذين يتطلَّعون تحت السّرير كلّ ليلة قبل النّوم  ويفعلون ذلك لسنوات عديدة، مع أنّهم ما إكتشفوا يومًا شيئًا هناك سوى الغبار. وهنالك مَن يتعذَّر عليهم الجلوس في مكان مقفل؛ إنّهم مصابون "بخواف الإحتجاز" (Claustrophobia). وآخرون لا يمكنهم أن يتحمّلوا الوقوف في أماكن مرتفعة، فهم مصابون "بخواف الهواء" (Actophobia). كلُّ هذه من شأنها أن تخفِّف من هزَّات القلق المستمرَّة عندنا، وهي متعدِّدة وعميقة الجذور عند الشخص المصاب بالقلق العميق.

إنّه لمن الصّعب أن يتتبَّع المرء أسباب تطوُّر القلق. ولكنّ علماء النّفس يزدادون وعيًا، يومًا بعد يوم، لأهميَّة الخبرات في مرحلة ما قبل الولادة. عندما تكون المرأة حاملاً، يكون دمها ودم الجنين في تواصل تامّ. وقد أظهر علم دراسة الدمّ أنَّ تغييرات تحدث في طبيعة الدمّ إبّان التعرُّض لأوقات عصيبة في الحياة.

 

وكلُّنا يعي تأثير العاطفة على واقعنا الفيزيولوجيّ، كإندفاع إفرازات الغدد في الدمّ، ودقّات القلب المتسارعة، والعرق الذي يظهر فجأة على جباهنا وراحات أيدينا...

والجنين الذي يتلقَّى غذاءَه من خلال إتّصال دورته الدمويّة بدورة أمّه، يشعر هو أيضًا بتلك التأثيرات عينها. وهي تُنقَل إليه كذلك، من خلال حركة عضلات الأمّ التي يحسّ بها أيضًا. يسجِّل الجنين كلّ هذه الخبرات ويحفظها في عقله وفي جهازه العصبيّ النّامي. فإذا كانت الأمّ، خلال زمن الحمل كلّه، عرضة لتلك التأثيرات النفسيّة والتشنُّجات العضليَّة، يحسّ الطفل أنّه آت إلى عالم لا يوحي بالطمأنينة والثقة.

نحن نعرف أيضًا أنَّ الطفل شديد التأثُّر بالأيدي التي تحمله، خلال الأشهر الأولى من حياته. فإذا نُقِل بسرعة من مكان إلى آخر، أو أنزله حامله بشكل مفاجئ، حدثت عنده للحال ردَّة فعل عصبيَّة، فيتقوَّس ظهره وتتشنَّج عضلاته. وهذا التشنُّج لن يتبدَّد إلاّ تدريجيًّا. والطفل لا يسمع عادة الأصوات الخافتة، أمّا الضّجيج الصّاخب والمفاجئ، فيحدث صدمة في الجهاز العصبيّ عنده. آنذاك أيضًا يتقوَّس ظهره وتتشنَّج عضلاته. الأيدي العصبيّة والحركة المفاجئة والأصوات المرتفعة تزيد من شعور الطفل بالقلق، ويترسَّخ هذا الشعور في عقله وأعصابه مدى الحياة.

إنّنا غالبًا ما نقول عن الشّخص الذي يبدي قلقًا عميقًا أنّه ينظر إلى الوجود من خلال نظّارات سود. وبشيء من السذاجة، وقلّة التفهُّم، ننصح له بألاَّ يقلق. وقد نأخذ عليه أنّه يبحث دائمًا عمّا يقلق. ولكن مثل هؤلاء الأشخاص قد فقدوا السّيطرة على غرائزهم، وليس من شأن قلّة تفهُّمنا أن توفِّر لهم المساعدة التي عنها يبحثون.

 

عقدة الذّنب

الآفة العاطفيّة الثانية التي ورثناها جميعًا، ولو بنسب متفاوتة، هي عقدة الذّنب. وأوَّل ما يتوجَّب قوله في عقدة الذّنب إنَّ لا علاقة لها بأيّ ذنب حقيقيّ. إنّها في الواقع تكوَّنت في عمر كان إقتراف الذّنب فيه من المستحيلات. هذه العقدة أشبه بشعور عميق بالخطأ أو الإثم، ينتاب المرء بل يقضّ مضجعه. فيروح يعيش في جوّ نفسيّ ملبَّد مرهق، يخيِّم عليه دائمًا هاجس الشعور بإقتراف ذنب ما. لذلك يلازم هذه العقدة غالبًا شعور بالحاجة إلى العقاب. قد يبدو ذلك غريبًا، ولكنّ الإنسان الذي إبتلي بمثل هذا الشعور القويّ بالذّنب، غالبًا ما يبحث عن عقاب لنفسه، عن وعي أو لاوعي، وكأنّه يأمل أن يخلد إلى شيء من الرّاحة إذا ما دفع ثمن الذّنب الذي يشعر أنّه إقترفه.

وفي أقصى حالات الشعور بالذنب، قد يلجأ الإنسان إلى إلحاق الأذى بنفسه، معلنًا إقتراف خطأ أو إرتكاب جريمة، وهو من كلّ ذلك براء. وفي حالات أقلّ مرضيَّة قد يلجأ الإنسان إلى رفقة شخص أو الزواج من شخص يظنّ أنّه سينزل به العقاب. فليس من النادر مثلاً أن ترى إمرأة إقترنت للمرّة الأولى برجل سكِّير، أن تعود، بعد الطلاق منه، لتقترن من جديد بسكِّير آخر. فكأنَّ مثل هذه المرأة تجد صعوبة كبرى في التأقلم مع غياب مَن إعتادت أن تتلقّى منه العقاب. لذلك أُنشِئَت جمعيَّة موازية لجمعيَّة "المدمنين المغفَّلين" تدعى "الينون" Alinon، تعنى بزوجات المدمنين على الخمرة الذين تماثلوا للشفاء. هذا لا يعني أنَّ كلَّ اللّواتي بنتسبن إلى "الينون" هنَّ من اللّتواتي أُصبنَ بعقدة الذّنب، ولكن قد تكون فيهنَّ حاجة إلى المساعدة على التأقلم مع الواقع الجديد لأزواجهنَّ.

وللطبيعة طرقها الخاصّة، كما في حال القلق، تخفِّف فيها الألم الناتج من عقدة الذّنب. فكما أنَّ القلق يتجسَّد أحيانًا في خوف لاعقلانيّ من أشياء مُحدَّدة، كذلك عقدة الذّنب، فهي قد تتجسَّد في ما يُسمَّى "وساوس" scruples، وهي مشتقَّة من كلمة لاتينيَّة (Scrupulum) تعني "الحصاة". عندما تدخل حذائي حصاة صغيرة، أشعر، من وقت إلى آخر، وأنا أمشي، ببعض "نخزات" مؤلمة. والإنسان الموسوس يشعر كذلك، وهو يسير في الحياة، بآلام متقطِّعة من جرّاء ذنب يتصوَّر أنّه إقترفه. فكما أنَّ "الخواف" (Phobia) يجسِّد القلق العامّ في أشياء محدَّدة، لا تكون عادة مصدر خوف، فكذلك "الوسواس"؛ إنّه كناية عن محور لشعور بالذّنب من دون أن يكون هناك في الحقيقة ما يحدث ذاك الشعور. فنوبات الوسواس المتقطّعة توفِّر بالتالي على الإنسان "الموسوس" الألم الشامل والمتواصل الذي تسبِّبه عقدة الذّنب.

إنَّ السّبب في عقدة الذّنب يمكن ردَّه إلى قساوة غير متَّزنة، لدى الأهل، قد يكون الهدف منها تدريب أولادهم على النظام. هكذا يصبح بإمكانهم أن يغطّوا غضبهم والصّراخ الذي يخفّف من إحتقان هذا الغضب، تحت ستار "تربية الأولاد". وإذا ما أصبحت صرخات الغضب في وجه الأولاد قسمًا من نمط حياة الأهل، فقد يترسَّخ أثر تلك التربية عند الأولاد، ويرافقهم طيلة حياتهم تحت شكل أو آخر من أشكال عقد الذّنب.

لقد وضعت روث كروس Ruth Krause كتابًا بعنوان "الحفرة... لتُحفر"  "A Hole is to dig" عرضت فيه تفكير عدد من الأطفال حول وقائع من الحياة العاديّة. كتب أحدهم: "الأذرع... لتضمّ". "الكلاب الصّغيرة... لتداعب الأطفال وتلحس وجوههم". لقد أرادت الكاتبة أن تبيِّن أنَّ تفكير الأطفال واقعيّ وهو غير تفكير الكبار.

عندما ينحني والد على إبنه الصّغير مثلاً، وعيناه تقدحان شررًا وهو يصيح: "أنت ولد شرّير، قطعتَ الشارع مع أنّي قلتُ لك ألاّ تفعل ذلك". فمثل هذا التصرُّف لن يساعد الوالد أبدًا على وعي الأخطار التي تحدق به وهو "يقطع" الشارع. إنّه لا يعي ذلك لأنّه لا يفكِّر دائمًا بالأسباب والنتائج، ولا يفطن للمخاطر التي تحدق بالطفل الذي "يقطع" الشارع وحده. وكلّ ما سيذكر في هذه الخبرة هو أنّه "ولد شرّير".

 

 تشدِّد الكاتبة مرغريت ميد Margret Mead في كتاباتها على ضرورة خلق شعور دائم عند الولد بأنّه محبوب، حتّى عندما نؤدِّبه أو نعاقبه. العقاب بغضب هو في غالب الأحيان سلوك خطر.

 

 "عقدة الدونيَّة" أو "مركَّب النقص"

الآفة العاطفيَّة الثالثة التي يتعرَّض لها الإنسان هي "مركَّب النقص". وهذا يقوم بأن يحسّ الإنسان أنّه غير قادر على النجاح، لأنّه يشعر، في قرارة نفسه، أنّه "ما دون سواه". والإنسان الذي يشعر بهذا النقص، وكلُّنا يختبر هذا الشعور أحيانًا، يعرف حقّ المعرفة أنّه يتحلّى بقدرات خاصّة معيَّنة، بيد أنَّ في داخله صوتًا ما يسلِّط إنتباهه دائمًا على ما يظنَّه منحطًّا في ذاته. هو يشعر وكأنَّ لا قيمة شخصيَّة له. إنَّ المصاب "بمركَّب النقص"، كما المصاب "بعقدة الذّنب"، لا يشعر بأنَّ فيه شرًّا ما، ولكنّه يشعر بأنَّ لا قيمة له. إنَّ "مركَّب النقص"، شأنه شأن كلّ المشاكل العاطفيّة التي نعيش، يعود تاريخه إلى السّنوات الأولى من الحياة. عندما يتعامل الأهل مع الولد، وكأنّه أحد الأشياء التي يملكون، أو عندما يخضعونه بإستمرار لإرادة لا تعرف الحوار ولا تحسب لرأيه أيّ حساب، يزرعون آنذاك في نفسه بذورًا مثل تلك العقد.

يرى الدكتور بنجامين سبك Benjamin Spock أنَّ تطبيق نظام لأوقات الطعام بصرامة مثلاً والإفراط في تنظيم كلّ تفاصيل حياة الطفل دون أيّ إهتمام بردَّة فعله، قد يساهم في خلق خلل في توازنه العاطفيّ طيلة حياته.

 

 إنَّ الأمّ التي لا تُتعِب نفسها كي يكون طعام طفلها على أفضل ما يمكن، والأب الذي لا يمكنه أن يتحمَّل رؤية ألعاب طفله مبعثرة على الأرض، يقول كلٌّ منهما للطفل، من حيث لا يدري: "إنَّ لا قيمة لك في ذاتك، فأهمّ ما عليك القيام به هو الحفاظ على راحتنا".

 

هذا لا يعني أنّنا ضدَّ النظام العقلانيّ والمحبّ في حياة الأطفال. فمن الضروريّ أن يعي الأطفال أنَّ للآخرين عليهم حقوقًا وأنَّ عليهم أن يتمرَّسوا على إحترامها.

ولكن عندما يبلغ التدريب على النظام حدّ الإفراط، يحسّ الطفل بأنَّ قيمته الخاصّة تقاس بمقدار إحترامه لإرادة الآخرين. فيخلص آنذاك إلى التفكير بأنَّ لا قيمة له في ذاته. وقد يزعزع هذا الشعور ثقته بنفسه طيلة حياته.

 

إنَّ أهمَّ ما يحتاج إليه الطفل كي يتهيَّأَ للحياة، يتعلَّمه بالمثل وليس بالكلمات الجارحة.

 

إذا أردتَ أن تعلِّم ولدًا كيف ينفخ البالون، لا تعطيه لائحة تعليمات وتأمُّل منه إستيعابها. فالطفل مقلَّد أكثر ما هو مفكِّر.

 لذلك ننفخ نحن البالون أمامه ونفرغه من الهواء، ثمَّ نطلب إليه أن يقوم بالعمل نفسه. وبما أنّه مقلَّد في طبعه، لا يلبث أن ينفِّذ ما شاهد.

 

إنَّ الأهل الذين يتستَّرون وراء عمليَّة ما يسممُّونه "تدريب الطفل" لكي يؤمِّنوا راحتهم الخاصّة، إنّما يرسّخون في طفلهم روح الأنانيّة التي لن تبلغ به إلى السّعادة.

 

لقد قلنا إنَّ السّنوات السّبع الأولى من الحياة هي أساسيّة في عمليّة النموّ، من خلالها يتَّجه الإنسان، إمّا نحو حياة يسودها الحبّ (يهتمّ فيها بالآخرين وبسعادتهم)، أو نحو حياة تسودها الأنانيّة (يهتمّ فيها، بشكل أساسيّ، بنفسه بما يؤمِّن رغباته).

 والسّير في أحد الخيارين يرتكز، أوَّل ما يرتكز، إلى مثل الأهل وقدرة الطفل على تقليدهم.

 

 

الأب جان باول اليسوعي

     

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية