آلام وعزلة واشتراك

 

 

آلام وعزلة واشتراك

 

 

يرتبط الإنسان عادة بعلاقات بشريّة عديدة تجمع بينه وبين أقاربه وجيرانه ورفاقه وزملائه وأصدقائه... وتملأ حياته وقلبه فتجعل منه مركزًا صغيرًا أو كبيرًا يلتقي فيه مع الآخرين، وهو في ذلك راضٍ كلّ الرضى، إعتقادًا منه بأنّه حقّق أمنية من أمانيه الأساسيّة، ألا وهي الإشتراك الرّوحي مع أشخاص يكمّلونه ويملأون "عالمه"، وبأنّه لم يعد منعزلاً.

 

ولا تلبث الحوادث أن تبدّد هذا الوهم، وتعتبر الآلام من العوامل الكبرى التي تساعد على تبديده.

 

فالمتألّم في جسده أو روحه يدرك حالاً، أو شيئًا فشيئًا، أن ما من أحد سواه يشعر بآلامه، وأنّ الذين يؤاسونه ويحيطونه بشتّى ضروب الرأفة والحنو والعطف والصداقة والمحبّة، إنّما هم لا يشتركون معه فعليًّا في آلامه النّفسيّة، ولا يمكن أن يشتركوا. فإذا لم تحدث الآلام فراغًا ظاهرًا خارجيًّا حول المتألّم، فإنّها تذيقه طعم الفراغ الداخليّ، الذي هو أشدُّ قساوة من الفراغ الخارجي.

 

وأراد المسيح أن يتحمّل، في روحه، جميع أنواع الآلام، فلم يرضَ بإعفائها من آلام العزلة.

 

وقد شعر بها تأتي إليه يوم خميس النزاع عندما قال لتلاميذه: "ها إنّها تأتي الساعة - وقد أتت - حيث تتفرّقون كلّ واحد من جهّته، وتتركوني وحدي" (يو 16/ 32).

وفي بستان الزيتون توسّل إلى تلاميذه بأن لا يتركوه وحده فقال: "إنّ نفسي حزينة حتّى الموت، فأقيموا ههنا واسهروا معي" (متى 26/ 38). ولكنّهم ناموا وعجزوا عن أن يظلّوا معه وأن يشتركوا في نزاعه.

وقد جرّب يسوع أقسى أنواع العزلة تلك التي يظنّ المرء فيها أنّ الله تعالى نفسه قد تركه. وهو الذي قال بكلّ وضوح يوم خميس النزاع: "بيد أنّي لست وحدي، لأنّ الآب معي" (يو 16/ 32) قال أيضًا في اليوم التالي وهو على الصّليب الذي عزله عن جميع الكائنات: "إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟" (مر 15/ 34).

ولكنّه إتّحد وهو على الصّليب مع جميع البشر.

"فقد إرتضى أن يُحِلّ الملء كلّه، وأن يصالح به، لنفسه، كلّ ما على الأرض والسماوات، بإقراره السلام بدم صليبه" (كولوسي 11/ 20).

 

وقد جعل المسيح السلام ومصالحة البشر أمرًا ممكنًا، وصيّرهما حقيقة واقعيّة بآلامه وموته، وأوجد الإشتراك المُطلق بينه وبين جميع البشر، من خلال تجربة العزلة المُطلقة، إذ أعاد خلقهم فيه من جديد، كما أوجد إمكانيّة الإشتراك بين البشر أنفسهم، فأصبح "كلّ واحد منهم عضوًا للآخرين" (روم 12/ 5).

 

فالإشتراك، الذي هو ضرورة لا غنى عنها للإنسان ولملئه ولسعادته، لا يمكن أن يكون ثمرة علاقاته الطبيعيّة. وقد أثبتت الآلام عدم إمكانيّته من طريق هذه العلاقات، كما أثبتت إمكانيّته النهائيّة في المسيح.

 

لأنّ كلّ ألمٍ يمكن أن يصبح، من خلال المسيح، واسطة للإشتراك بين البشر. وقد قال بولس الرسول إلى الكولوسيّين: "وإنّي لأفرح الآن في الآلام التي أقاسيها لأجلكم، وأُتمُّ في جسدي ما ينقص في مضايق المسيح، لأجل جسده الذي هو الكنيسة" (كول 1/ 24).

 

فعند هذا المستوى من الحياة في المسيح لا توجد عزلة بل إتّحاد بين الجميع في جسد المسيح... وتصبح الآلام رباطًا إضافيًّا لهذا الإتّحاد.

 

 

                                                                   المطران غريغوار حدّاد

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية