ألوالدان والأطفال

 

 

 

 

ألوالدان والأطفال

 

ألعائلة

 

ربّما أسمى درجةٍ في اللّقاءات العاطفيّة الهادفة إلى الإستقرار هو تأسيسُ العائلة التي يجبُ أن توفّر مبدئيًّا:

- ألطمأنينة على الصّعيد النّفسيّ.

- الإستقرار على الصّعيد العاطفيّ.

- الإستمرار على صعيد المجتمع.

والعائلةُ، في الوقت نفسِه، إلتزامٌ قد يكون الأقوى بمفهوم الإنصهار، إذ:

"يترُكُ الرّجلُ أباه وأُمَّه ويلزمُ إمرأته"، والفتاةُ تتركُ بيتَ أهلِها وتلتزم زوجها "ويكونان كلاهما جسدًا واحدًا". وهذا لا يتمُّ إلاّ من خلال الحُبّ - الرّباط الأساسيّ والمُدافع الأوَّل للعيش معًا تحتَ سقفٍ واحد، والذي به يبذلُ الزَّوجُ ذاته عن زوجتِه، وبه تبذلُ الزّوجةُ ذاتها لأجلِ زوجِها.

 

 

ألأولاد ثمرة الحبّ

 

ليس الأولادُ إلاّ ثمرة هذا الحبّ المتبادل.

لذا لا بدَّ من أن ندليَ ببعضِ ملاحظات إستدراكيّة:

1- إذا إنتفى هذا الحبُّ وانتفى الوفاقُ فسيكون هناك نقصٌ ما، في الإستعداد لإستقبال الولد أو الأولاد.

2- إنَّ الجوَّ السّائد بين الوالدين (الزّوج والزّوجة) يؤثِّرُ في الأولاد بقدرٍ كبير يوازيه بعضُهم ويساويه بتأثير المورِّثة أو الجينه. وقد نفهمُ أهميّة هذا اللّقاء بين الرّجلِ والمرأة من التّسمية: فهو بعلُها من بعال وهي بعلتُه أي البعلة... هو ربُّ البيت من ربو أي العظيم، وهي ربّة البيت ربتو العظيمة، وهو، أي الزّوج، Adôn أي مربّي الأولاد.

إنَّ هذا التّلاقي بين الزّوجين لهو عنصر مهمّ جدًّا بالنسبة إلى الأولاد - الخلائق الجديدة التي تُجسِّدُ الحبَّ المتبادل: هي فعل خلق عند الإنسان.

 

 

مسؤوليّة الوالدين

أ- بإتّحاد الوالدين التّامّ تتوافرُ للتّربية أجواءُ ملائمةٌ تعكسُ: السّهولة في التعامل - العفويّة في التصرُّف - الطبيعيّة في المشاركة، كلُّ هذا في إطارِ حبٍّ حيٍّ، وتعاونٍ يوحِّد في الشخصيّة ويساعد على خلق إرادةٍ جماعيّة وشفافيّة وأمانة وحريّة في التّعاطي تعطي العائلة مناعةً في وجه ما ينتصبُ أمامَها من ضغوطاتٍ إجتماعيّة وإغراءات وتجاربَ.

إنَّ إطارَ الحبِّ يشكِّلُ نجاحًا مبدئيًّا لتربيةٍ صالحةٍ وراسخة... فالمسؤوليّة كلُّها تقعُ، في البداية، على الوالدين:

- تكريس الوقت الكافي للأولاد؛ فحضورُ الوالدين مهمٌّ.

- الإنتباه المتواصل.

- ملاحظة نموِّهم وتطوُّرِهم.

- عدم التّعاطي معهم بردّاتِ فعلٍ عنيفة غريزيّة.

- إحاطتهم بعاطفةٍ مُتَّزِنة من قبل الوالدة والوالد.

إنَّ الهدف من هذه الملاحظات الخمس هو تحديد ما يزعجُ ويضايق ويقهرُ الطِّفلَ لأجل العملِ على إزالته أو المساعدة على قبوله. كما أنَّ الهدف، في الوقت عينِه، هو معرفة ما يُفرحُ الطّفلَ ويُطمئِنُه للعمل على مساعدته لكي يشرِكَ الآخرين في ما يطيبُ له أو يحلو.

ترى، لماذا

تكريس الوقت الكافي للأولاد؟

إنَّ حضورَ الوالدين لا يعوَّضُ عنه بأيِّ حضورٍ آخر.

ففي ذلك يتمنَّى عندَ الطّفلِ حسنُ الإنتماء (وكما على الصعد كلِّها): حسن الإنتماء هو مصدر للسّلام والإستقرار، والمقصود بالإنتماء هو الإنتماء الحقيقيّ الذي نواجهُ به المخاوفَ واليأسَ، ونعمل على تحسين ذواتِنا وتحصينها، ونتغلَّب على مشاعر العجز والفشل فينا.

ولماذا

الإنتباه المتواصل؟

إنّه يغذّي عندَنا لذّة الحياة، فتنتصر على الإحساس بالحزن والغضب والإنزعاج المؤلم وارتكاب الأخطاء ليتخطّى الطّفلُ الحالةَ التي يجدُ ذاته فيها ويطلَّ على غدٍ فيه من الإشراقة ما يطيِّبُ حاضرَهُ ويدفعه إلى التطلُّعِ بثقةٍ إلى الأيّام الآتية.

ولماذا

ملاحظة نموّ الطّفل وتطوُّرَه؟

يظلُّ على جانبٍ كبير من الأهميّة نموُّ الطّفل وتطوُّرُه، وما يلزمُه من عنايةٍ وسهرٍ لتذويب الماضي واستيعابه وغسله وإعداده لمتابعة نموِّه (على الصّعيدين النّفسيّ والجسديّ) وتنسيق حركاته وتنظيم أفكاره المضرَّة به وبالمجتمع وبتملُّكه لذاته المتغيِّرة وربّما المتعثِّرة والتحكُّم، على قدر المستطاع، بتصرّفاته.

ولماذا

عدم التّعاطي مع الطّفل بردّات فعل عنيفة غريزيّة؟

لأنَّ هكذا تعاطٍ معه يُجبه بردّات فعلٍ عنيفةٍ ومضرَّة للولد أو بكبتٍ وإنسحاق شخصيّة. وفي الحالتين نتيجة سيِّئة للغاية، إذ تولِّد لدى الطّفل ما نسمّيه بالعامّة "بشللة"، وكسورات في عفويّته وحركاته وسكناته، يترافقُ مع إضطراب مغلق يسدُّ عليه منافذَ عاطفته وقلبه وعقله، ويروح يركِّز على نواقص في جسدِه لا تُجبه، وتزيد حالته سوءًا فيشعر بإزعاجٍ دائمٍ وشعور بالإنزعاج يُعبِّر عنه بكلِّ ما يمكن أن يزعجَ الآخرين، لأنّه يشعر بأنّه غيرُ مرغوب فيه وبأنّه ثقيل الظلّ.

ولماذا

إحاطتهم بعاطفة مُتَّزِنة من قِبَلِ الوالدين؟

لأنّها تُخَفِّفُ من حِدَّةِ إضطرابه وتُساعدُه على تخطّي ما يظنُّه حدودًا مرسومة له، فيشعر بقوَّة دافعة هي ضرورة لعمره؛ إذ لا يكفي أن يأتي حبُّ الزَّوج والزَّوجة بالولد إلى الحياة بل عليهما أيضًا أن يساعداه على تذوُّق هذه الحياة وعلى إستطيابها والنّجاح فيها.

فالعاطفةُ المتَّزنة كفيلةٌ بأن تُبدِّدَ المخاوفَ عند الولد، فتخفّ عنده المشاعرُ العدوانيّةُ ويخفّ التّنافُسُ بمعناه الحسديّ والغيرتيّ.

 

 

ب- ماذا يجبُ أن نتجنَّبه مع الولد؟

يُختصرُ بالتّالي:

1- أن لا نُطالبه بما لسنا نُطبِّقُه. فالتّربيةُ الوالديّة الحقيقيَّة تبدأ بالذّات وتطبع في لا وعي الولد ما يغنيه عن الكثير من الجهود الواعية فيما بعد، فتتلاشى عندَه طبيعيًّا مشاعرُ الضّعفِ والجهل.

2- السّيطرة التّامة عليه وتسييره طبق مزاجنا دون أن نبرِّر له ما نختارُه عنه ونتجاوب مع رغباته غير الضّارّة به.

3- تخويفُه المستمرّ من الحوادث المروِّعة ومن المرض والرّسوب، وعدمُ إعطائه الثّقة، وتفضيلُه على إخوته أو العكس، ونؤكِّد، في الوقت نفسِه، أنَّ لكلِّ فردٍ من إخوته وأخواته شخصيَّةً وذاتيّة.

4- جَعْل طموحاته أكثر من طاقاته، فيرفض ذاته أو يحدّ من قدراته إذا كانت قابلةً للتحقُّق.

5- عدم تشجيعه على الإنزواء.

 

 

الواجبات نحو الوالدين

 

نقرأ في الكتاب المقدَّس:

من سفر يشوع بن سيراخ (3/ 1 - 16).

الواجبات نحو الوالدين

1 يا بَنِيَّ إسمَعوا لي أنا أبوكم

واعمَلوا هكذا لكي تَخلُصوا

2 فإنَّ الرَّبَّ أكرَمَ الأبَ في أولادِه

وأَثبَتَ حَقَّ الأُمِّ على بَنيها.

3 مَن أكرَمَ أباه فإنّه يُكفِّرُ خطاياه

4 ومَن عَظَّمَ أُمَّه فهو كمُدَّخِرِ الكُنوز.

5 مَن أَكرَمَ أباه سُرَّ بأولادِه

وفي يومِ صلاتِه يُستَجابُ له.

6 مَن عَظَّمَ أباه طالت أيّامُه

ومَن أطاع الربَّ أراحَ أُمَّه.

7 وَخدم والديه كأنَّهما سيِّدان له.

8 في العمل والقول أَكْرِمْ أباك

لكي تَنْزِلَ عليك البَرَكةُ منه.

9 فإنَّ بَرَكَةَ الأبِ تُوَطِّدُ بُيوتَ البَنين

ولَعنةَ الأُمِّ تقلَعُ أُسُسَها.

10 لا تَفْتَخِرْ بهوانِ أَبيكَ

فإنَّ هوانَ أَبيكَ ليسَ فَخْرًا لَكَ

11 بل فَخْرُ الإنسانِ بكرامةِ أَبيه

ومَذَلَّةُ الأُمِّ عارٌ للبنين.

12 يا بُنَيَّ، أَعِنْ أَباكَ في شَيخوخَتِه

ولا تُحزِنْه في حياتِه.

13 كُنْ مُسامِحًا وإن فَقَدَ رُشدَه

ولا تُهِنْه وأنتَ في كلِّ قُوَّتِكَ.

14 فإنَّ الإحْسانَ إلى الأبِ لا يُنْسى

ويُعوِّضُ به عن خطاياكَ.

15 في يَومِ ضيقِكَ تُذكَر

وكالجَليدِ في الصَّحوِ تَذوبُ خطاياكَ.

16 من خَذَلَ أباه كان كالمُجَدِّف

ومَن أغاظَ أُمَّه فلعنةُ الرَّبِّ عليه.

الأب د. جورج كرباج

     

   

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية