أولادكم ليسوا لكم أولادكم أولاد الحياة

 

 

 

 

أولادكم ليسوا لكم أولادكم أولاد الحياة

 

 

أولادكم ليسوا لكم، أولادكم أولاد الحياة

 

من هم الأهل ومن هم الأولاد؟

 

طلب مني التحدّث عن العلاقة بين الأهل والأولاد والتركيز خاصّة على مكانة الحريَّة، بالطبع حريَّة الأولاد. لهذا السبب اخترت عنوان من كتاب النبيّ لجبران خليل جبران الذي يتحدّث بطريقة رائعة عن هذا الموضوع. 

 

بالطبع هناك طرق متعدّدة للتحدّث عن الموضوع، ولكن بداية لا بدّ من طرح السّؤال.

 

 

 لماذا ننجب الأولاد؟

الجواب متعدّد الأوجه دون شكّ، فقد نجيب بأنّنا ننجب الأولاد لأنّ هذا أمر طبيعيّ جدًا، أي أنّه من جملة الأمور الطبيعيّة، من يتزوج ينجب أولادًا، فالأولاد هم جزء من الحياة الزوجيّة، أو لأنّ الأهل يحبّون الأولاد وهناك من يقول أيضًا بأنّ الأولاد يشكّلون استمراريّة الأهل فهم من يخلّدوا ذكرى الأهل والعائلة وأخيرًا وليس آخرًا البعض يعتبر بأنّ الأولاد هم سند الأهل في نهاية حياتهم في شيخوختهم. فإذا حللنا هذه الأجوبة نلاحظ بأنّ الأولاد لا وجود لهم لأنفسهم، وهذا مدعاة للتساؤل. فمن هم الأولاد في النهاية؟

 

للإجابة على هذا السؤال علينا تحديد مفهومنا للحياة وللإنسان معًا. فالحياة هي عطيّة من الله إذا كنّا مؤمنين، أو من المطلق إن لم نكن مؤمنين، ولكن في كلّ الأحوال الحياة نستقبلها من آخر ولا أحد منّا بإمكانه الادعاء بأنّه مصدر الحياة؛ فالحياة ليست ملكًا لأحد، والأولاد هم أيضًا من نتاج هذه الحياة التي أعطيَت لهم بدورهم قبل أن يعطوها للآخرين، والأهل هم الوسيلة التي من خلالها تنتقل الحياة من جيل إلى آخر، لأنّهم الوسيلة التي تؤمن استمراريّة الحياة وهذا الأمر مهم جدًا وليس بأمر بسيط أبدًا. فغالبا نعتبر الوسيلة على أنها لا شيء بينما في الحقيقة لها دور فعال، مهم للغاية، فعندما ننقل أي شيء كان من خلال وسيلة ما هناك تفاعل لا يمكننا الاستخفاف به بين الناقل والمنقول.

 

والإنسان كائن حضاري، يتطور ويتكون ويصبح إنسانًا من خلال الحضارة، والحضارة هي جملة التطورات والخبرات التي يعيشها الإنسان أثناء مسيرته الحياتية. فالقيم الأخلاقية والإنسانية التي تلقيناها بكل سهولة من مجتمعنا وأهلنا هي قيم حضارية تتفاعل مع كل ما تعيشه البشرية من تقلبات وتطورات. فالإنسان إذن في تطور مستمر ولا يمكننا أن نحدده بتعريف ثابت إلى الأبد، هذا يعقّد في بعض الأحيان العلاقات الإنسانية ولكنه في الوقت نفسه يشكّل غناها أيضًا.

 

فإذا قبلنا هذا المبدأ بإمكاننا الآن الإجابة على السؤال من هم الأولاد. فالأولاد هم أيضا عطية، عطية من قبل الحياة، من قبل الله، وككل عطية يمكن للإنسان أن يستقبلها أو أن يرفضها، فالحرية متروكة له، بهذا المعنى يمكن للأهل أن يعطوا الحياة أو لا يعطوها؛ في هذه الحالة الأخيرة يكونون رافضين تمامًا لمبدأ الحياة كهبة مجانية معطاة لهم. فلا يحق لأحد أن يملك أحداً، وهذا هو الحب.

 

 فالعلاقة الزوجية أو العائلية، إذا كانت بالفعل مبنية على الحب، تكون آنذاك علاقة بعيدة عن التملك؛ فالحب الحقيقي لا يعرف الملكية، إنه مجرد عطاء، قد تقولون لي هذا كلام نظري مثالي الخ.... هذا فيه شيء من الصحة ولكنه في الوقت نفسه حقيقي وواقعي حتى ولو بدرجات مختلفة أو خفيفة، وكل منّا يختبر بطريقة أو بأخرى مجانيّة العطاء، والأهل ينادون دائمًا بمجانية عطاءاتهم لأولادهم وهذا فيه الكثير من الصحة.

 

فالعلوم الإنسانية بشكل عام والتحليل النفسي بشكل خاص يقولون لنا بأن الطفل هو مشروع لا بد للأهل من التحضير له، أي على الأهل أن يقرروا أولاً إنجاب الطفل وأن يستعدوا لاستقباله مادياً ونفسيًا.

 

فمجيء الطفل يُحدث الكثير من التغيرات في حياة الزوجين. فالتحضير مهم لكي يكون إنجاب الطفل له وليس من أجل الأهل؛ من أجل إرضاء شيء ما لديهم أو تعويض ما. فالإنجاب قد يُعاش كوسيلة لتخليد الأهل والإنسان يسعى دائمًا للخلود، ممّا يجعل قبول عدم الإنجاب أمر صعب للغاية وفي هذه الحالة يتم أيضًا رفض التبني. فالتبني يشير إلى قبول عدم الإنجاب ويساعد على قبول الطفل لذاته وليس كوسيلة للأهل. 

 

دون شك، رسالة الأهل بالقرب من أبنائهم ليست بالأمر السهل، فعندما نقول بأن الولد هو مشروع فهذا يعني أنه على الأهل أن يدركوا تمامًا بأن أولادهم «ليسوا ملكا لهم» على حد قول الكاتب جبران خليل جبران.

 

 فالعلاقة الحقيقية غير الامتلاكية تقتضي من الأهل أن يربوا أولادهم من أجل أنفسهم أي من أجل الأولاد أنفسهم، وهذه هي أهم وأفضل رسالة يمكن للأهل أن يقوموا بها، قد تقولون لي بأن هذا أمر صعب لا بل إلى حد كبير مستحيل!

 

 القضية تتعلق بمفهوم كل إنسان لذاته، بمعنى هل أنا كزوج أو كزوجة أقبل أن أكون ملكًا للآخر (زوجي أو زوجتي) لا أعتقد ولكن غالبًا ما ننسى هذا الأمر، كل العلاقات الإنسانية هشة وحساسة وغالبًا لا تستمر بهذا السبب، كل إنسان يبني علاقته مع الآخر ويسعى لامتلاكه، في البداية يعيشون الكثير من المسايرة والمجاملة ولكن سرعان ما تظهر الحقيقة وتبدأ الاتهامات، لذلك أقول أنه علينا أن ندرك أمرين مهمين جدًا في بناء كل علاقة إنسانية.

 

1) أهمية الفرد، استقلاليته، قبول اختلافه الخ....

 

2) لا وجود لنمو فردي ولا لفرح حقيقي إلا مع الآخرين.

 

فأنا أنمو بمقدار ما أترك الآخر ينمو، وهذا الأمر يعني بالطبع الطرفين، الأهل والأولاد، وعملية النمو تتم بطرق عديدة لا شك ولكن أهمها هي احترام حرية الآخر، إفساح المجال له بالتعبير عن ذاته.

 

فاحترام الحرية يكون قبل كل شيء بالإصغاء لهم، لما يعيشونه وخاصة خلق جو من الثقة بدلا من القمع أو على الأقل بدلا من النهي المستمر، فإمكانية التعبير عن الذات، عمّا يعيشه الإنسان من ايجابي وسلبي هي الإمكانية الأفضل للنمو النفسي والإنساني والعاطفي.

 

 فالإصغاء للولد بحب واحترام وخاصة بثقة يساعده على أن يحكم على ما يعيش والتمييز في  ما هو جيد مما هو سيء، فإذا كانت خبرته مرفوضة مسبقًا فهذا يلغي كل إمكانية التمييز والحكم وبالتالي إمكانية النمو.

 

 فلا داعيَ للخوف من الخبرات التي يقوم بها الأولاد إذا كان باب الحوار والثقة مفتوح أمامهم، وما من أخطر من إقفال هذا الباب في وجههم.

 

 

ولكن لكي يكون الإصغاء جيدًا، لكي يتم خلق جو الحرية والثقة لا بد للأهل من أن يصغوا إلى أولادهم انطلاقاً منهم وليس انطلاقًا من ذواتهم أي الأهل.

 

فتفكير الأولاد إلزامًا مختلف بما أن الأجيال مختلفة والخبرات أيضًا، وأنا أقول الأمر نفسه للأولاد أيضًا، عليهم ألا ينسوا بأن أهلهم يملكون خبرات كبيرة لا يدركونها وعليهم الاستفادة من خبرات أهلهم دون إطلاق أحكام مسبقة؛ «هم دقة قديمة، جيلهم غير جيلنا....».

 

قبول خبرات الأولاد هذا يعني القبول بالتجربة، أي بالضياع. ماذا أعني بالضياع؟ أعني القبول بأن الولد قد يخطئ وهذا أمر طبيعي، أن يغامر، أن يعيش مغامرته لكي يمكنه فيما بعد التمييز واكتشاف الخطأ، لدينا مثلاً من الإنجيل يوضح لنا هذا الأمر بشكل جيد: مثل الابن الضال، فالأب لم يفتح فاه أمام طلب الابن بالحصول على حصته من المال، أعطاه إياها وتركه يغامر، لم يكن بإمكان الابن اكتشاف النعيم والحب الذي كان يعيشه بالقرب من أبيه إلا عندما ابتعد عنه محاولاً العيش على أهوائه والقيام بخبراته. والأب في هذا المثل قبل ضياع ابنه، لا بل قبل أن يحتك ابنه بالموت (كاد أن يموت جوعا يقول لنا النص) وفي النهاية اكتشف بأن الحياة والحب الحقيقيين هم لدى أبيه فعاد إليه معترفًا بخطئه، بينما الابن الأكبر الذي لم يترك أباه لم يكتشف خطأه واستمر به.

الإنسان الحقيقي هو الإنسان الذي اختبر الحياة واختبرته الحياة بدورها أيضًا؛ طالما لم يختبر الإنسان الحياة، طالما لم يعارك الحياة فهو ليس بإنسان.

 

 ولكن للأسف الشديد في أيامنا هذه يسعى الأهل بشتى الوسائل لكي يبعدوا عن أولادهم الهموم والشعور بالمسؤولية، هذه أفضل طريقة لكي يبقى الولد طفلاً متكلاً رافضا للاستقلالية.

 

 

هل هذا يعني أنه على الأهل أن لا يقولوا شيئًا لأولادهم ويتركونهم لمزاجيتهم؟

 

بالطبع لا. على الأهل أن يفيدوا أولادهم بخبراتهم ونصائحهم وأن يوبخوهم عند الحاجة لما لا! وعلى الأولاد أن يحترموا خبرات أهلهم ويستفيدوا منها ولكن على هذا الأمر أن يتم بحرية، وهذا هو دور الحوار بين الطرفين، فالحرية لا تعني المزاجية وعدم المزاجية لا يعني القمع في الوقت نفسه ، هذا هو التوازن الذي على الأهل والأولاد معا أن يجدونه.

 

في النهاية أقول بأن الحياة تبقى عطية وبمقدار ما أعيشها بالفعل على أنها عطية بمقدار ما تكون علاقاتي غير تملكية مع الآخرين بشكل عام ومع الأولاد بشكل خاص، لأنه عندما أستقبل الحياة كذلك فأنا أكون حرًا لا أخاف على شيء.

 

وعندما أعيش على أنني المصدر أكون في موقف دفاعي، قلق، لا يسمح لي بقبول اختلاف الآخرين عني وأولادي بشكل خاص؛ آنذاك أنا أسعى لكي أحقق – ما لم استطع تحقيقه في حياتي - من خلال أولادي، وتكون علاقتي امتلاكية مملوءة بالصراعات بيني وبينهم.

 

هل هذا يعني أنه من الممكن إلغاء الصراعات بشكل عام، صراع الأجيال بشكل خاص ؟

 

حتمًا لا، لا يمكن إلغاء الصراعات، وليس المطلوب إلغاؤها فالصراعات تشكل دينامية الحياة وفي كل المجالات.

 

 المطلوب هو القبول بها والتعامل معها من خلال الحوار المستمر من أجل سعي أفضل نحو الحقيقة. فالحقيقة لا أحد يملكها ولا توجد في مكان ما، إنما الحقيقة نصنعها من خلال سعينا وبحثنا عنها من خلال هذا الحوار الذي نوهنا عنه.

 

الأب رامي الياس اليسوعي

 

macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية