أيّ رسول تريدني؟

 

 

 

 

أيّ رسول تريدني؟

 

 

 

 

أيّ رسول تريدني؟

  أيّ جنونٍ يَدفعُنا لنكون لك رسُلاً؟  مَن يتجاسر على ذلك؟

 طريقك ضيّقة،  طريقك صعود، طريقك اضطهاد، طريقك ثابتة ونحن متبدّلون، متغيّرون . أنت النّورُ الدّائم ونحن رهائن ليلٍ ونهار وظلمةٍ ونور.

أنت للحقّ ونحن! مَن غيرُك يعرفُ كم نمالق ونساير ونحوّلِ الحجارةَ أرغفةً تكسرُ الأسنان ولا نتوب! مَن غيرك يعلم كم نسجدُ للشرّ بغيةَ الحصول على الجاه والمال والمجد الباطل! مَن غيرك يعرف كم نُلقي بأنفسنا من الأعالي لكي نجرّبك يا إلهَنا.

أيّ رسول تريدني؟ وقلبي الذي تريده فائضًا بالحبّ لن أقوى على تنقيته من الغضب والحقدِ والقهر، ويداي فارغتان،  وعيناي يغلب عليهما النعاسُ وأذناي فيهما من الأصوات والضجيج ما يشوّش لقائي بك في صمتٍ عميق  وعقلي يتلهّى بالمحدودِ والزّائل، لا يتوثّبُ نحو الأبد ولا يأبه بالأزل، سجين القلب واليد والعين والأذن. لا يعرف كيف ينطلقُ فوق الكونِ في مساحيب الخلود وما فوق الطبيعة.

بشرٌ رسلُك! رسالتُكَ إلهيّةٌ ورسلُك تراب. ألدّعوة إلهيّة والمدعوّون صيّادو سمك طالما أضاعوا الليل كلَّه ولم يصطادوا شيئًا، فرجعوا إلى الشطّ جياعًا وقاربهم الصغير كنقطة في البحر الذي وضعتهم فيه. وشباكهم المتقطّعة، أيّ نفع منها؟ ولكنّهم رسُلك، ولكنّني رسولك. ذكّرني بأنّني رسولك وبأنّني أعملُ لحسابك، أفرغني من همومي. قلْ لي كلّ يومٍ: بذرّة من الإيمان تنقلُ الجبال،   بالتواضع تغلب،بالثقة تجدُ نفسك على طور طابور.

رسولي أنت فلا تتوقّف عند الصّغائر، لا تنظرْ إليها، وحدَه الكبرُ يمهّدُ السبيلَ أمامك لتصل إليّ وإلى إخوتك. وحده التواضعُ يجعلك تتخلّص من إعاقاتك وأخطائك وتردّدك وخوفك. ضَعْ ثقتك بي فيكون لك فيض النّعم للخلاص ولا تضلّ الطريق.

إذ بدوني أنت تعمل لحسابك وتكون كالغُصْنِ المفصول عن الكرمة. كحبّةِ الحنطة على قارعة الطريق وبين الأشواك وعلى الصّخرة.

بدوني تختلطُ عليك الإتّجاهاتُ فتقطع المسافات بدون جدوى، بدوني سوف تثقل على كاهلك الأكياسُ والمزاود وتتعثّر قدماك بالعصا التي تحملُها. لا يمكنك أن تبشّرَ بي إلاّ معي؛ إذ بدوني لا قوّة لك ولا تعزية.

كُنْ رسولي: أي إنْسَ ذاتك. فتكون الكلّ ويصبح كلّ شيء لك، فالأهراءُ كلُّها سوف تكون ضيّقة والمستقبلُ ليس لك.

لا تقبلْ مكافأة ولا تَسْعَ وراء تعزية. إذا كنت رسولي فحسابك معي ولا مصلحة لك مع غيري. فالسلام الذي أعطيك إيّاه لن يأخذَه منك أحدٌ ولا يمكن أحدًا أن يعطيك إيّاه.

والمجد الذي أمجّدك به لن يهبك إيّاه أحدٌ ولن يسلبه منك أحد. لأنّني أنا الحياة وما عداني ظلال الموت، أنا النّور وما عداي ظلمة: "كثيرون سوف يقولون لي: يا ربّ يا ربّ، باسمك تنبّأنا، وباسمك أخرجنا الشياطين، وباسمك اجترحنا العجائب" (متى 7/ 22 - 23)

  ولكنّني سوف أقول لهم: ابعدوا عنّي  فإنّي لا أعرفكم.

أيّ رسول أريدك؟

  رسول الحصاد الكثير،الكون الواسع،  الإنسان كلّ إنسان،  الرّسول السّاهر،  رسول كلمة الإنجيل،   الرّسول المعلّم الزّاهد،  الرّسول الشجاع يقتحم كثافةَ البؤس وادّعاءاتِ العقل وغباوة الفكرويُرجعُ إلى الطّفولة البسمةَ وإلى المراهقين الشّفافيّة. يحبّ الفقراء، يعزّي الحزانى يفرّج عن المكروبين، يساعد المرضى، وقبل أن تقول لي: إنّك منهم تذكّر أنّني أنا أيضًا منهم، فلست وحدَك معهم وبينهم؛ إذهب إلى العالم كلّه، واصمد في الطليعة لأنّك لست بأجير، فالراعي الصّالح يبذل نفسَه عن الخراف. يقف بوجه الذئاب بدون أن يأبهَ لأنيابها وأعدادِها؛ ففي الصّمود والشجاعة سرُّ الخلاص. والصّمود والشجاعة نتيجة تقديس الذّات  وتغذية حياة داخليّة جميلة عميقة حلوة متجرّدة،قوّتُها من الصّلاة، ونضارتها من التضحيات، وغذاؤها من التصرّفات الحسنة وصدق الكلمة. 

                                                                             

  كلُّ شيء لكم، وهذا ما يستدعي العمل الدّائمَ  والعناية المستمرّةَ  وعرق الجبين والسّعي المتواصل لكي  نُصبحَ نحن للمسيح فنمجّد الآبَ معه. 

 رسولُك أنا ولكنّني أُقرّ بأنّني جعلت من رسالتك مشاريعَ وإنجازاتٍ ومؤسّساتٍ   وإداراتٍ   واستسلمت للغرق في همومها   ومتطلّباتها وميزانيّاتها  وأرباحها وخساراتها .وبدل أن تُشركَني بألوهيّتك جبلتك بعدم أمانتي وأهملت صلاتي وسئمت تضحياتي  فغابت البسمةُ عن وجهي، والكلمةُ الحلوة يبست على شفتيّ، غابت عنّي نجومُ السّماء واختفى القمر،  فما تأمّلت انبلاجَ الفجر

  ولا إشراقة الشّمس ولا احمرارَ غيابها ولكنّي ما زلت رسولَكَ أتوب إليك  إنزع منّي العبد البطّال  وأُسرع إليك   متخلّيًا عن أنانيّتي   منتصرًا على خوفي   يملأني الفرح  وصدى الترانيم لتكريم أمِّك العذراء، يتردّدُ في كياني كلِّه. آمين.

                 

                        

                        

                                                                                                                                                                                                               الأب د. جورج كرباج                         

   

المركز الدائم للتنشئة المسيحية macro-max rebound mazar
CMS x