إذهبوا... حتّى أقاصي الأرض

 

 

 

 

 

إذهبوا... حتّى أقاصي الأرض

 

 

خبر هامّ دوَّى في أورشليم، وسوف يتردَّد صداه إلى البعيد! يسوع الناصريّ، الذي إعتقد رؤساءُ الكهنة والكتبة والفرّيسيُّون أنّهم تخلَّصوا منه، ها هو يعود إلى الحياة! إنّه يلتقي برسُلِه والتلاميذ من جديد ويعطيهم توصياته الأخيرة قبل مغادرته لهم وصعوده إلى السّماء. الآن بدأت رسالتهم بعد أن تحضَّروا لها حوالي ثلاث سنوات. وهي لم تعد مقتصرة على الخراف الضالَّة من بني إسرائيل، بل تتعدّاهم لتصل إلى أقاصي الأرض، إلى جميع الأُمم والشعوب.

 

رسالة المسيح الخلاصيَّة، رسالة شاملة جامعة: "إذهبوا في العالم أجمع، واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلّها". الإيمان الجديد هو مبنيّ على حدث واقعي: قيامة يسوع من بين الأموات. وعلى الرّسل والتلاميذ أن يحملوا هذا الخبر إلى سائر الشعوب. عليهم أن "يذهبوا" كالمعلِّم، في كلِّ الإتّجاهات. لقد ذهب إليهم: إلى الصيّادين على ضفاف البحيرة، والعشّارين على طاولة الجباية. إلى المرضى في منازلهم... والموتى حتّى في القبور.

 

أليس هو المسيح إبن الله الذي "جاء من السّماء، وتجسَّد من مريم البتول؟ أليس هو كلمة الله الذي صار بشرًا وحلّ عند الإنسان؟ هذا ما يطلبه اليوم من رسله ومن التلاميذ: إذهبوا... حتّى إلى أقاصي الأرض. لا تخافوا الإضطهاد... فأنا معكم حتّى إنقضاء الكون.

 

 

هذا الإيمان يُجدِّد الإنسان

 

الإيمان بالمسيح يسوع يُجدِّد الإنسان ويُعيد إليه الصّورة التي فقدَها بالخطيئة. إنّه يُرمِّم العلاقة بين الإنسان والله، بين الإنسان والإنسان، وبين الإنسان والطبيعة. مع المسيح يسوع إنتهت العداوة المتأصِّلة بين المخلوق والخالق التي إفتعلها الشيطان. وصار بإمكان الإنسان أن يعود فيحيا في ملكوت الله، معافى من كلِّ علَّة ونقص.

 

علامات مجيء هذا الملكوت أعطاها يسوع لتلاميذ يوحنّا حين قال: "العميان يبصرون والعرج يمشون، والبرص يطهرون، والصمُّ يسمعون والموتى يقومون، والمساكين يبشَّرون، وطوبى لمن لا يشكّ فيّ" (متّى 11/ 5).

 

مع المسيح يسوع، وبه، وُضع حدٌّ نهائيّ للنتائج السّلبيَّة لموقف آدم وحوّاء الرَّافض لله... ولبناء برج الذي أراد الإنسان من خلاله أن يستغني عن الله. يومها تبلبلت لغتهم فلم يَعُد بإمكانهم أن يتفاهموا. أمّا مع المسيح فسيتكلَّمون لغة جديدة: لغة التّفاهم والحوار والمصالحة فيسمعهم كلُّ واحد من الحضور ينطقون بلغته. (أع 2). إنّها علامات مجيء الملكوت، التي بشَّر بها المسيح. إنّه زمن المصالحة والعودة إلى الله.

 

 

الإنجيل المعاش

 

بُشرى الخلاص هذه ليست مسؤوليَّة الرّسل وحدهم، إنّها مسؤوليّة جميع المؤمنين. وكلّ المعمَّدين ملزمون بالتبشير وبالشهادة لإسم يسوع.

 

وعالمنا اليوم، كما كان على أيّام المسيح، يعيش في الترقُّب والإنتظار. إنّه يعيش حالة من الفراغ والضياع. والإنسان المعاصر عنده أسئلة وتساؤلات عديدة، وهو يبحث عن أجوبة فلا يجد، لأنّه يبحث عنها حيث لا توجد. وهو في كلّ الأحوال، لن يجدها إلاّ عند يسوع المسيح، لأنّه هو المخلِّص الوحيد.

 

يقول بولس الرّسول في رسالته إلى الرّومانيّين (روم 10/ 13 - 17)

"كلّ مَن يدعو باسم الربّ يخلص. فكيف يدعونه ولم يؤمنوا به؟ وكيف يؤمنون به ولم يسمعوا به؟ وكيف يسمعون بلا مبشِّر؟ وكيف يبشّرون إن لم يُرسلوا؟ فالإيمان إذن من البشارة، والبشارة بأمر من المسيح".

 

إيماننا المسيحيّ لا يحقُّ لنا أن "نحافظ عليه" بأن نضعه في جارور المحفوظات، وكأنّه صالح للإستعمال لفترة وجيزة من الزمن وحسب. لا يحقّ لنا أن نجعل منه إيمانًا معلّبًا دون أن نشرك الآخرين فيه. من واجبنا نقله إلى إخوتنا البشر. وليس في نقل الإيمان أي تعدِّ على حريَّة الآخر، لأنّه لا يفرض عليه - فهو يُعرض لا يُفرض - إنّه يُعاش. وإذا ما عشناه بكلّ متطلّباته، فلا بدَّ من أن يتأثَّر به الآخرون. إنّه كالجوهرة الغالية والكنز الثمين. إذا استأثرنا به ولم ننشره حولنا، لن يلبث أن يخفّ وهجه وضياؤه. أمّا إذا استثمرناه فسوف يستفيد منه العديدون. دعوتنا نحن مسيحيّي الشرق هي في الذهاب إلى إخوتنا غير المسيحيّين، في بلداننا أوَّلاً، لنحمل إليهم بشرى الخلاص بالمسيح. حياتنا، يجب أن تكون شهادة لإيماننا فنجعل منه إيمانًا مُعديًا تنتقل عدواه إلى الكثيرين.

 

 

الأب جورج أبو جودة

 

 

 

 

 

macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية