إذهب معي إلى العمق

 

 

 

 

إذهب معي إلى العمق

 

 

 

إذهب معي إلى العمق

 

الزمن الذي نعيشه هو زمن المستحيلات، زمن نستعرض فيه كلّ ما هو مستحيل في منطق البشر، زمن نقرّ فيه بأنّ ما هو غير ممكن في عين البشر ممكن عند الله: من حمل إليصابات، إلى حمل مريم، إلى التوضيح الذي أُعطي ليوسف الذي كان ينقصه شيء ما، وأخيرًا، طبعًا، آية الآيات التي تكمن في تجسّد الربّ يسوع. هذا أمر لم يكن أحد ليحسب له حسابًا قبل أن يصبح الله إنسانًا. ما مِن أحد كان قد رأى شيئًا من هذا سابقًا، وما من أحد سيرى  شيئًا من هذا لاحقًا. حدث حصل مرّة وحيدة ولن يتكرّر. "مستحيل أن يصير الله إنسانًا".

في هذا السياق، نستطيع أن نعود إلى تأمّل حياتنا لنرى في أية خانة نصنّف حوادثها. من الممكن أن يكون كلّ شخص منّا قد مرَّ، بظروف اعتبر الخروج منها مستحيلًا. وربما يكون، في أحيان كثيرة، قد "رمى سلاحه" وقال: "مستحيل. أنا في مواجهة حالة مهنية، أو عائلية أو صحيّة، لا أستطيع شيئًا إزاءها بشريًّا." هنا، كثيرًا ما كان الربّ يتدخَّل، ويستطيع كلّ شخص منّا يستطيع أن يدلي باختبار في هذا الموضوع، وأن يقول كيف تدخّل الربّ في حياته بطريقة ما حين كان الأفق يبدو له مسدودًا. قد تصادفنا أمور صحيّة، وعائليّة، ومهنيّة، نتأكّد معها أنّ الربّ يتدخّل لفتح آفاق كلّ مرّة يبدو فيها الأفق مقفلًا بالمفهوم البشري. ينسدّ أفق، فيفتح الربّ كوّة. ومن هذه الكوّة الصغيرة يدخل ما يكفي من النور ليبدّد ظلمة اليأس ويفتح مجدّدًا أفقًا أكثر اتّساعًا، أفقًا يدعوك إلى مغامرة أكثر عمقًا. فالربّ يقول لك دائمًا: إذهب إلى العمق، ولكنه لا يجد دائمًا مَنْ عِنْدَهُ ما يكفي من الإيمان ومن الشجاعة ليراهن عليه.

نحن، من طبعنا شكّاكون ومتردّدون. نريد، من طبعنا، أن نحصل على ضمانات قبل أن نعطي الربّ.

هذا ما جعل زكريّا يصمت. لقد اُجبر زكريّا على إلتزام الصمت لأنّه، هو بالذات، كان عليه أن يكون أكثر الناس تصديقًا، وأكثر المطلعين على عظائم الله باعتباره كاهنًا. لقد كان زكريّا أول المشكّكين، وهذا غير مقبول. فقال له الربّ: أصمت، وعُدْ فاقرأ تاريخك. في مثل هذه الأوقات يتأخّر الحلّ، ليعود الربّ فيلتقي بنا ويقول للشخص المعني: أنظر جيّدًا! لقد عملت معك هنا ورافقتك هنا، وتدخّلت في حياتك هنا، فكيف تنسى كلّ هذا؟ لقد تدخلّتُ من قبل، وأنا قادر على أن أتدخّل الآن.

أمّا صورة مريم، فهي صورة المؤمنة المستسلمة. ولكثرة ما أخذت وقتها في تأمّل عظائم ربّنا، لم تستغرب أن يكمل الربّ هذه العظائم معها. ما أثار استغرابها هو أن يجدها الله أهلًا لمشروعه. إستغراب مريم يكمن في قولها: أنا لست مستحقّة لهذه المهمّة، فأنت تستحقّ أكثر من ذلك. هي لم تقل: أنت غير قادر على هذه المهمّة، بل قالت: أنت قادر على أن تُخصبني، ولكنّني أنا من لست مستحقّة. وجاء لقاء مريم وإليصابات ليتوّج هذا الاختبار.

في منطق البشر، الاثنتان لا يجب أن تحملا الحياة. والاثنتان، خلافًا لمنطق البشر، ستحملان الحياة. (لوقا 1/ 39 ـ 45)

 

واحدة خلافًا للطبيعة، والثانية بمساعدة من الطبيعة. وتلتقي الحياة بالحياة وترقص، لأنّ ملء الحياة الذي تحمله مريم يلتقي بالحياة التي تتفتح في أحشاء إليصابات فتحرّكها.

 أي أنّها تحرّك كلّ أحشاء العهد القديم. ويتعمَّد يوحنّا بالروح القدس وهو لا يزال في أحشاء أمّه. لذلك، لم يعمّد أحد يوحنّا المعمدان، بل بدأ هو يعمّد الناس، لأنّ يسوع كان قد عمّده. ليس يوحنا من عمّد يسوع أوّلًا. يسوع هو الذي سبق له أن عمّد يوحنا عندما كان في أحشاء أمِّه. "من أين لي هذا، أن تأتي إليَّ أمّ ربّي؟"، هذا الاعتراف بهوية الساكن في أحشاء مريم من فم إليصابات التي ملأها الروح القدس.

 

ما من أحد يستطيع أن يعترف بأنّ يسوع ربّ إلّا بقوّة الروح القدس، يقول مار بولس. لذلك، عندما يحضر الربّ يسوع، يحضر معه روحه، وهو يفيض من هذا الروح ليستطيع كلّ واحد منّا أن يقوم باعترافه وأن يقدّم فعل إيمانه قائلًا: أنا أؤمن، يا ربّ، بأنّك أنت هو السيّد، أنت هو ربّ المستحيل. وهذا مصدر فرح. فقد كان هناك فرح ـ كما يقول الإنجيل ـ لجبل يهوذا كلّه. سيكون مولد يسوع مصدر رجاء لكلّ شعوب الأرض: "المجد لله في العلى، وعلى الأرض السلام والرجاء الصالح لبني البشر".

لذلك، ممنوع علينا أنّ نسدّ آفاقنا، أو أن نسمح لليأس بأن يتسرّب إلى قلوبنا. فما نختبره وما اختبرناه في حياة كنيستنا، وفي حياة وطننا، وفي حياة عائلاتنا، فيه من الحضور الإلهي ما يكفي ليثبت أنّ الربّ قادر، في أيّة لحظة، وعلى الأخص عندما يخيّل إلينا أنّ كلّ شيء قد انتهى، على أن يفتح أمامنا طريقًا جديدًا. هنيئًا لنا إذا كنا مستعدين دائمًا لنقوم بهذه المغامرة مع الربّ، وإذا لم نكن من المشككين به أبدًا، وإذا لم نتأخر عن تلبية ندائه عندما يقول لنا: إذهب معي إلى العمق أكثر، ولا تهتمّ، فأنا من سيخلّصك.

هكذا أمشي أنا في الاختبار الذي أعيشه. هذا هو اختباري. قال لي يسوع: إذهب معي أكثر إلى العمق، فذهبت إلى العمق. لا يهمّني إلى أين سيوصلني هذا الاختبار. فأنا واثق، من خلال اختباري السابق مع الربّ، أنّه، كما رافقني في كلّ المراحل من قبل، سيرافقني في هذه المرحلة. وكما تخطيّنا دائمًا بنجاح كلّ الصعوبات السابقة، ليس لديّ أدنى شك في أنّنا سنتمكّن من تخطّي الصعوبة الكائنة اليوم. وسيُفتح أفق أكثر اتّساعًا لرسالة أكثر اتّساعًا، ولتمجيد للرب يصل إلى أكبر عدد ممكن من الناس، حتى يمتلئ "الجبل حبورًا"، لأنّ الربّ أظهر العظائم، وحتّى يتمكّن كلّ واحد منّا من أن يتعمّد.

هذا هو نشيد  مريم (لوقا 1/ 46 ـ 56)، أي جواب مريم على سلام إليصابات. فلنتمعّن في هذين النصّين. وبعدئذٍ، فيتأمّل كلّ واحد منّا في الاختبارات التي عاشها، ليقل: "تعظّم نفسي الربّ، وتبتهج روحي بالله مخلّصي، لأنّه نظر إلى تواضع أمته، وصنع بي العظائم، واسمه قدوس". آمين.

 

                                                 الخوري سيمون الزند

 

 

المركز الدائم للتنشئة المسيحية macro-max rebound mazar
CMS x