إن تَجَرَّبنا فمَن يُجرِّبُنا؟

 

 

 

إن تَجَرَّبنا فمَن يُجرِّبُنا؟

 

 إن تَجَرَّبنا فمَن يُجرِّبُنا؟

 

يتساءلُ الكثيرون عمّا إذا كان الله يجرِّبُ الإنسان وهو العالِمُ بسابِقِ عِلمِهِ إذا كان هذا الإنسانُ  سيقعُ في التجربة ويسقط، وإذا لم يكُنِ الله المُجرِّبُ فمَن تُراهُ يكون هذا المتربِّصُ بالبشرِ محاوِلاً بكلِّ ما أوتيَ من قُدرةٍ أن يسلبَهُم من حظيرةِ الرَّاعي الصَّالِـح؟

 

 قبلَ أن نحاولَ الإجابَة بالتحليلِ والاستنتاج فلنستمِع إلى جوابِ الرَّسولِ القدِّيس يعقوب الذي قاله في الفصلِ الأوَّل من رسالته: "وإذا وقعَ أحدٌ في محنةٍ أو تجربة، فلا يقُلْ هذهِ محنة من الله، لأنَّ الله لا يَمْتَحِنُهُ الشرُّ ولا يَمْتَحِنُ بالشرِّ أحدًا، بل الشَّهوَةُ تَمتحِنُ الإنسانَ حين تَغويهِ وتُغريه، والشَّهوَةُ  إذا حبلتْ ولدَتْ الخَطيئة، والخطيئةُ إذا نضجتْ ولدتْ المَوت".

 

وإنْ شِئنا أن نُفصِّلَ ما قاله القدِّيس يعقوب، يمكننا الحديث عن شَهوةِ العينِ التي تنجَذِبُ إلى ما تراهُ في العالم خارِجًا عن الإنسانِ، وشهوَةُ الجسَد، وشهوَةُ التَّكبُّرِ وهي الأخطر. وهنا نستدرِكُ لنقولَ إنَّ هذه الشّهوات ليسَتْ خطايا بحدِّ ذاتِها، على الرُّغمِ من كونِها نابِعَةً من تلكَ الخطيئة الأصليَّة، ومن كونِنا أضعْنا النِّعمَة التي كانت تُغلّفُ كياننا البشريّ، وشوَّهنا صورَةَ اللهِ فينا. قلتُ إنَّها ليستْ خطايا بحدِّ ذاتِها، إلّا أنّها تقودُنا إلى الخطايا، وأحيانًا تدفعُنا إلى فعلِ الخير.

 

  تقودُنا هذه الشَّهواتُ إلى الخطايا لأنَّ إغراءاتِ العالم توقِظُها بل تُأجِّجُها أحيانًا فتجعلنا نسقط. فشهوَةُ العينِ تجعلنا نشتهي ما ننظُرُ إليهِ بعينِ الاشتِهاءِ أو الحسَد. فنشتهي مُقتنى الغير، ويَشتدُّ الطَّمَعُ في قلوبِنا ونرغَبُ امتِلاكَ الدُنيا، من دونِ أيِّ شعورٍ بالعدلِ أو بحقِّ الآخرين في ما نرغبُ بأن يكون لنا.

 

 وشهوَةُ الجسَدِ تَجُرُّنا إلى الشَّراهَةِ والزِّنا وحُبِّ التَّملّكِ والأثَرةِ والشُّعورِ بأنَّ السَّعادَةَ في اللّذةِ العابِرة، بأيِّ حاسَّةٍ من الحَواس ارتبطت. فالأذنُ تَهوى سمَاعَ ما ليسَ لائِقـًا بأن يُسمَع، وكذلك العينُ ما ليسَ لائِقـًا بأن يُرى، أمَّا اللّمسُ فحدِّثْ ولا حرج ناهيكَ عنِ اللّسانِ وجَمعِ الشُّرورِ التي ينطِقُ بها فيُخرِّبُ عِوَضَ البناءِ ويُشوِّهُ سمعَة النّاسِ ناسيًا أنّهُم صورة اللهِ ويَشتُمُ ويلعَنُ غافِلاً عن دورِهِ في التّسبيحِ وطيبِ اللقاء. والأدهى مِن كلِّ هذا أنَّ ارتِكابَ هذه المعاصي مُشبَعٌ بالظلمِ أحيانًا وغارِقٌ بالظلامِ أحيانًا أخرى.

 

 وأعودُ إلى السُّؤال الأوَّل: مَن هوَ المُجرِّب؟

 وأستعينُ للإجابَةِ على هذا السُّؤالِ بكلامِ الرَّسولِ القدِّيس بولس إلى أهلِ أفسُس: "نحنُ لا نُحاربُ أعداءَ مِن لحمٍ ودمّ، بل أصحابَ الرِّئاسَةِ والسُّلطانِ والسِّيادَةِ على هذا العالم، عالم الظلامِ والأرواحِ الشريرَةِ  في الأجواءِ السّماويَّة، ولذلكَ احملوا سِلاحَ الله الكامِلِ لتَقدِروا أن تُقاوموا في يومِ الشرّ".

 

هذا هو إذا المُجرِّب الذي يُحارِبُ الإنسان، إنَّهُ الشِّرِّيرُ الذي يسعى بأساليبِه الملتوية إلى الإيقاعِ بالإنسان. وكُلّما كان الإنسانُ بارًّا أو مسؤولاً أو ذا سُلطانٍ في العالم أو الكنيسة، كانت التجربة أقوى، لأنَّ سقوطَ هذا الكبير يُسبِّبُ ضَررًا كبيرًا، وهذا هو هدف الشيطان. ويكفي هنا أن نذكُرَ تجارِبَ الإبليسِ للمسيح لنَعلَمَ كم أنَّ حيَلهُ ذكيَّة. جرَّبَهُ بالخُبزِ والجوعِ وبالمالِ والجواهِرِ والكُنوزِ وبالاتِّكالِ على الله وتجربتِه، وأخيرًا جرَّبَهُ بالألم والعذابِ وخِتامًا بإظهارِ القُدرَةِ على فعلِ الخوارِق: "إن كنتَ ابنَ اللهِ إنزِلْ عنِ الصّليب" قال له اليهود. وهي التجربَةُ الأذكى، ولو فعلَ المسيحُ ما طـُلِبَ إليهِ، لفشِلَ مشروعُ الخلاص، وربِحَ الشيطانُ المعركة، وهي معركتُهُ حتى اليوم، لأنَّهُ يُجاهِدُ كي يبقى كثيرونَ بعيدينَ عن الإيمانِ بموتِ المَسيحِ وقيامَتِه.

 

 

 هذا وحين نطلُبُ إلى اللهِ ألّا يُدخِلنا في تجرِبَة، إنَّما نقصِدُ ألّا يسمَحَ بأن تطولَ التَّجربَة وألّا تتطوَّرَ من خطيرٍ إلى أخطر، لأنَّ قُدرتَنا على الاحتمالِ ضعيفةٌ، والتُّرابُ الذي فينا يحاوُلُ دومًا أنْ يجذبَنا نحوَ الأسفل ويوقِظَ فينا الشَّهوات لتفغَرَ فمَها في ساعةِ ضُعفِنا.

 

وبالتالي يُنجِّينا اللهُ من الشِّرِّير ولا يسمَحُ بأن يتغلَّبَ علينا، وهو بحُبِّهِ ورحمَتِهِ ونِعَمِهِ علينا يُعطينا القوَّةَ اللّازِمَة للفوزِ بكلِّ صِراعٍ مع الأرواحِ التي ذكَرَها مار بولس، شرطَ أن نُسلّمَ نحنُ قِوانا ليَدِ الرَّبِّ المُنجِّي.

                                         

               الأب كميل مبارَك

   

 

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية