الآخر

 

 

الآخر

 

من الناس من كانت نفسه منزويّة تلقى الآخرين ولا تراهم، تملسهم ولكنها مُنغلقة دونهم. هي العين إلى العين لا القلب إلى القلب. قد يتلامس جسدان ولكنّهما لا يتلقيان لأنّ النّفس مُكتفية بذاتها، تملي. تتحايل لتوحي أنّها واجهت ولكن وجهها في حقيقته محجوب وتلقي على الوجه الآخر قناعًا لأنّها بلا أقنعة تخاف.

 

وفي المسرح الروماني كلّ الممثّلين مقَنّعون. العزلة استمرار المسرح الروماني. بعض الناس في أدوار. وقد يتضخّم الدور حتى إخفاء الشخص. عراؤنا الداخلي أمام الآخرين يخيفنا.

 

نشعر أنّنا لسنا إزاء الآخرين لأنّ الإزائيّة تُهدِّدُنا، تفضح هشاشتنا. ننفرد بالقرار لأنّ التشاور ينطلق من أنّ الآخر أساسيّ لتكويننا، من أنّنا معه ومع سواه نعرف وننشأ وننمو. فإذا أطلّ وأخذ مقامه فكأنّه يحتلّ مكانة فينا وليس في نفسنا مدى لهذه المكانة.

 

نحن نملأ المدى الداخليّ كلّه. ومن ملأ نفسه من ذاتها يقتحم كلّ ذات أخرى، يقتحمها بهذا الفراغ الذي فيه لأنّه، منطلقًا، لم يعترف أنّ عند سواه وجودًا معطيًا.

 

المنعزل إنسان عدميّ، يبيد الآخرين في عقله.

 

 قد يضجّ لا يهتمّ الناس بوجوده. يثبّت نفسه بالإستعراض أي بعرض اللاشيء. المنعزل ثرثار ليوهم بأنّه يتكلّم. يبغي الوجود في أعين الآخرين إذا ليس له وجود. هو إنسان الإقتناء قد يقنع السّطحيين بأنّ لهذا الإنسان كيانًا. يرضى أن يكون على ألسنة الناس حتى يحاول الخروج على انقباضه. يعذّبه انقباضه إذ لا فرح لأحد إلاّ بالمشاركة. ولكونه عاجزًا عن المشاركة يكفيه أن يذكره القوم ذكرًا، أن يشاهدوا ما استحوذ عليه، أن يحسبوه موجودًا. ولكن هذا يزيده إيلامًا لأنّ ذكاءَه يدلّه على أنّ الناس غير مقتنعين به إذ أنّ أحدًا لا يتعزّى بالتماس ولكنّه يتعزّى بالتداخل.

 

قد يكثر المنزوي علاقاته العامّة لأنّها كثيرًا ما تكون نوعًا من الهروب. يحسب المرء فيها أنّه مُلتقى ولكنّه يخرج من السّهرة والوليمة أعمق عزلة ممّا كان. يتملّقه القوم إن كان على وجاهة وهو يتّقنها بقدر انزوائه ولكنّه يعرف ويعرفون أنّهم كانوا مركومين معًا وأنّه لم ينضج شيء من هذا الرجل، لأنّ نفسه ليست فيها طراوة. ويزداد جفافه لأنّه يأبى التندّي إذ الندى يهبط من آخر. ويُجافي ويجافى إلاّ من أولئك المُتحابين. ويعرف ويعرفون أنّهم مُتحابّون. إنّه ناموس الهوّة غير القابلة للرّدم، ناموس لا يرحم.

 

والسّعي إلى العلاقات العامّة وظاهرها طلي يرافقه إخلال بالعلاقات الخاصة التي ليس من ورائها مَنفعة. المنزوي يقيم علاقات عمل تُغذّي مركزيّة الأنا عنده. يسخّر القوم لنفسه لأنّه يظنّ أنّ نفسه فيها الشيء الكثير ولهذا لا تحتاج إلى انفتاح.

 

 وفي النهاية لا تهمّه الحقيقة لأنّ معرفة الحقيقة لا تتوافر لأحد بلا حبّ ومن أعلى درجات المحبّة أن ترى الحقيقة مُتجلّية في المشاركة. قد يسعى إلى أن يجعل نفسه محبوبًا لأنّ الخلق يحيا بالمحبوبيّة ولولاها لاختنق الإنسان. ولكنه غير قابل لأن يرث المحبوبيّة لأنّ المنغلق لا يمكنك الولوج إليه لتحبّ شيئًا فيه. تُحبّه أنت مجّانًا ولكنّه لا يستلم. يأبى أن يشتقّ من الآخرين.

 

وإذا وصل إلى قاع عزلته ينفجر. لكونه لا يطيق نفسه يصرخ. يتأزّم بسبب من اختناقه فيصرخ. وهذا انفصال ولكنّه ليس قادرًا إلاّ على الإنفصال.

 

نهاية الإنعزال أن يكون المرء مرجع نفسه وتاليًا معيار نفسه. من ليس أمامه سواه ليس فوقه أحد.

 

 هو كيانيًّا مُلحد ولو بلا دستور الإيمان والشاهدتين. إنّه لملحد لأنّه لو كان الله فوقه لكان هو مع البشر. قد يكون عظيم الإقرار بالله كلاميًّا لأنّ هذا يؤكّد أنّاه. المؤمن تجده إيّاه في الغداة والعشّي. يعطيك الأجوبة نفسها في أيّ زمن جئته لأنّه لا يغيّر معاييره، لأنّه ممتدّ إلى الله. أمّا المنزوي فلا يستطيع أن يمتدّ. يعود إلى نفسه فيجدها بلا قاع.

 

تسقط الأشياء في نفسه وتذهب إلى الخلاء. يستبقي منها ما يمازجه في اللحظة. لذلك لا اتّكال عليه. أنت لا تعرف من أين يجيء وإلى أين يذهب. فإذا عاملته يجب أن تعرف أنّه قادر أن يعطب لك نفسك لأنّه يعطيك من معطوبيّته وتبقى صفر اليدين. أنت إن عاملته قابض على الريح. إنّه في الأخير رجل بلا مضمون. ذلك أنّ الأنا الهشّة أنا متضخّمة خالية من المدلول.

 

وفي التحليل الأخير المنزوي حسود حقود. لا يرى عند الآخرين ضوءًا لاكتفائه بما يظنّه عنده من أضواء. يعاديك إذا ناقشت له فكرًا أو إنجازًا فالنقاش يعني أنّك أنت أيضًا قائم في عالم التأمّل وأن لك فضاء إن عملت. ينكرك ثمّ يجليك لأنّه إن أكّدك ينكر نفسه. من بعد هذا يحقد لأنّ في هذا نهاية الإلغاء وأسلوب الإلغاء الغضب فالغضب محقٌّ للمواهب وأنت أصلاً بلا موهبة. لذلك يقرّر ببرودة كاملة أن يتجاهلك. الحسود الحقود ليس غيورًا لأنّ الغيور يعترف بك فلا يريدك لنفسه وحده إلاّ أنّك موجود. الغيرة تقوم على أنّك قائم. الحسود يريد إبطالك. الغيور أرقى. يسجنك. يعترف بك في السجن. قد يقتلك الغيور جسديًّا ليس ليلغيك ولكن لتكون بموتك تحت سيطرته. الحسود الحقود لا يعترف بك ليقتلك. لا يحتاج إلى إبادتك لأنّه أبادك في نفسه.

 

من اعترف بك يعترف أيضًا بنفسه. لكونه يرى نفسه حيًّا قائمًا بالله وفي العالم لا يقلقه وجودك. أن يرى نفسه صامدًا لا يعني أنّه لا يعرف هشاشته. ولكونه يعرفها يحتاج إلى إكمال  يأتي منك. يتواضع ليوجد ولأنّه يراك حيًّا يشركك في وجوده، يدخل وجهك إلى حميميّته، يجعلك جزءًا ليس منه بل من ثنائي يتضمّنك ويتضمّنه ويفوقكما إلى ثالث هو منكما ومن امتدادكما إلى اللانهاية.

 

هذا الكائن شركوي لأنّه يتكوّن باستقلال الآخرين الذين يؤمن قبل كل اختبار أنّهم أساسيّون. منطلقًا يحسّ بأنّه يحيا بهم لأنّهم هم يحيون فيه. سمّوا هذا ضعفًا. هو يسمّيه معطوبيّة الكائن الحيّ وهي رؤية شيئَين معًا:

 

رؤية الأنا الهشّة ورؤية الشركة الوجدانيّة التي تُنشئك وتُنشِئه بحيث يذهب من نفسه العطشى إليك ويأتي منه إلى نفسه.

 

هذا كان من باب الكيان العميق. فالإنسان الهشّ والمنفتح بالتالي يرى أيضًا أنّه في حاجة فكريّة إلى الآخر، إلى التكامل العقلي. هذا أصلاً من نظاميّة الثقافة المتواضعة بطبيعتها ولكن نفس المُثقّف إذا اعوجّت تستغني عن المشورة وتميل إلى الإعتقاد بعصمتها. مع ذلك، المُثقّف الكبير الذي يؤثّر الحقيقة على رأيه يحيا بما يستوعبه من الآخرين. يحبّ وهجهم وانثناءَهم العقلي وجديّتهم في مقاربة التّراث.

 

إذا حكينا هذا بلغة روحيّة فمعنى ذلك أنّ الذات التي تتجلّى لها الحقيقة قلّما تكون ذاتًا فرديّة. هي الجماعة الرّوحيّة المتحابّة التي تشاهد النّور إذا كان أعضاؤها في ما بينهم في تماسك عضوي أي في انتساب كل منهم كيانيًّا إلى الآخر. هذا هو جسد المسيح الذي لا أكون فيه ما لم تكن أنت معي، إن لم تكن منّي وكنت منك. الأنا الجماعيّة روحيًّا ينشأ من أنّي أنضحك بالحقّ وتنضحني به، من كوني آتيًا من كلمتك وأنت من كلمتي.

 

أنا لا أتصوّر أنّ هناك مجرّد طبائع استبداد وطبائع تراحم. يزيّن لي أنّ هناك لاهوت استبداد ولاهوت تراحم. هناك فرديّة منغلقة، مرضيّة تسعى دائمًا إلى تزكية نفسها وتقوم على احتقار الآخر وتزكية هذا الاحتقار بحجج تبدو معقولة. وهناك تعاون صادق يأتي من اعترافي بك حياة لحياتي ومنهلاً لفكري وتقويمًا لسلوكي.

 

الويل لهذا الإنسان الذي يعيش وحيدًا. إنّه قد نزل في دنياه إلى الجحيم. طوبى لمن عرف أن يُحبّ حتى مشاركة الفكر. إنّه هنا في مقابسة لأنّه يحيا في جوار النّور الإلهي.

                                                                  

 المطران جورج خضر

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية