الأمومة الرّوحيّة

 

 

 

 

 

الأمومة الرّوحيّة

 

هل التاريخ هو أيضًا "معلّم حياة"، عندما نتكلّم عن التجديد الحالي للرهبنة النسائيّة؟

منذ عصور، اعتدنا أن نرى الأديار النسائيّة، والرهبنات النسائيّة عامّة، كأنّها تابعة حصرًا للعنصر الرجالي، في ما يتعلّق بالحياة الرّوحيّة. واليوم فقط، بدأنا نرى، ولا يزال الأمر نادرًا، راهبة تلقي محاضرة على إكليريكيين. فهل هذا شيء جديد؟

 

كانت رئيسات الأديار يعطين المحاضرات الرّوحيّة لراهبتهنّ، عامّة تحت إشراف الرهبان والإكليريكيّين أي الكهنة المفوّضين من قبل السلطة الكنسيّة؛ لأنّها كانت ولا تزال توجد آراء مسبقة ذات طابع إجتماعي، نفساني وفيزيولوجي، تغلق على الراهبات بنطاق هادئ. فهل الراهبات يُعتبرن دائمًا تلميذات، يتوجّب عليهنّ أن يصمتن ويتعلّمن فقط؟ وهل الراهبات هنّ "الجنس الضعيف" حتى في ما يتعلّق بالحياة الرّوحيّة؟

العودة إلى المصادر تستطيع أن تساعدنا على إيجاد جواب على كلّ هذه الأسئلة، وغيرها من النوع نفسه. فندعوكم إذًا إلى أن تتابعوا معنا موضوع الأمومة الرّوحيّة، التي عيشت في صحراء مصر، في القرنين الرابع والخامس من تاريخنا.

 

سأقدّم في بادئ الأمر بإيجاز الزهد النسائي في الجذور الرهبانيّة. ثمّ نبحث في حِكَم أمّهات الصحراء. وهذا البحث لا يخصّ إلاّ جزءًا صغيرًا من الحياة الرهبانيّة القديمة ولكنّه ذو مغزى كبير.

 

1- الزهد النسائي

 

نادرًا ما كان الفلاسفةُ الأقدمون غير المسيحيّين يقبلون أن تصبح المرأة فيلسوفة، بخلاف اللاهوتيّين المسيحيّين الذين أثبتوا المساواة بين المرأة والرجل في ما يختصّ بالفضيلة، وفي بعض الحالات، أقرّوا بتفوّق المرأة في هذا المجال. يؤكّد آباء الكنيسة أنّ الإختلاف الحقيقي بين الناس ليس اختلاف الجنس بل اختلاف النّفس (الرّوح).

وآباء الصّحراء لم يعطوا الأهميّة إلاّ نادرًا لكفاءات النساء في الحياة الزهديّة. خلال القرن الرابع، ورغم وجود المشقّات وفقدان الأمان، كان من الصعب على المرأة أن تؤمّن حياةً مماثلة للرجل. تلك هي الحالة التي نجدها في حكمة الأب بسّاريون الذي اكتشفَ مع تلميذه في إحدى المغاور متوحّدًا كان يعمل، فرفض الردّ على السلام الموجّه إليه حتى ولا بإشارة من رأسه. لم يتفاجأ بصمته، لأنّه غالبًا ما كان يلتزم الآباء الصّمت إذا لم يُوحَ إليهم بكلامٍ بنّاء باسم الربّ. بعد أيّام قليلة، مرّا بالمكان ذاته، فوجدا الناسك ميتًا، واتّضح لهما أثناء دفنه أنّه كان امرأة. فاستخلصا هذه الأمثولة: "انظروا كيف تنتصر النساء على إبليس... ونحن نتشتّت في المدن".

لا نعلم إذا كان هذا الحادث تاريخيًّا أم أسطورة، لكنّنا نستخلص منه كم أحسّ الآباء بنوع من الذل أمام صلابة وعطاء المتوحّدات.

من المؤكّد أنّ آباء الصّحراء أرادوا الفصل الفعلي بين الرهبان والراهبات، وبشكل عام بين الرهبان والنساء، وهذا ما رغبت فيه الراهبات أيضًا.

 ولكنّ الآباء الحقيقيّين لم يستخفّوا أبدًا بحياة النساء الزهديّة والرّوحيّة، ولم يكن الدافع ماديًّا، بل كان محبّة الله والمسيح.

 

 فهم يعلمون أنّ النساء قادرات على هذا الحبّ كالرجال. وهذا يظهر بوضوح في الإتّجاه الرّوحي وفقًا للتقليد الرهباني. فقدّروا إمكانيّة الراهبات في تأمين هذا الإتّجاه في الظروف نفسها. وهذا الإتّجاه الذي تتلقّاه الراهبات لا يختلف جوهريًّا عن اتّجاه الرهبان. بكلّ بساطة، عندما يتعلّق الأمر بالنساء، نلحّ على حبّ المسيح كعريس ونقترح مريم العذراء كمثال. إذًا، يوجد مساواة في الحياة الرّوحيّة بين الرجال والنساء.

أن تكون الراهبات قدوة للآخرين، إنّما ذلك ينبع من كونهنّ "روحيّات"، حاملات للرّوح. لذلك فهنّ يحملن لقب "أمّ" كما الرهبان يحملون لقب "أب". وهذا اللّقب لا يعني أنهنّ أمّهات فعليًّا، بل لديهنّ الإستعداد لذلك.

فمنذ بدء الحياة الرهبانيّة إذًا، كانت هناك قناعةٌ بأنّه لا فرق بين النسّاك على اختلاف أجناسهم. ولم يكن للراهبات كتب روحيّة خاصّة، بل، كما الرجال، كنّ يعتمدن الكتب المقدّسة وأعمال وحياة الآباء.

بعد هذا العرض السّريع للوجه النسائي في الحياة التوحّديّة، يتركّز بحثنا على "أمّ" الصّحراء.

 

 

2- "أمّهات الصّحراء"

 

مُنِعَت النساء من التعليم في الكنائس، حسب (1 قور 14/ 34) و (1 طيم 2/ 12). ولكنّ ذلك لم يمنع النساء، حسب فكر الآباء، من نشر العقيدة الصحيحة والتعاليم الرّوحيّة. لذا، ليس من الغريب أن تُدرج أقوال الـ "أمّ" المأثورة مع سلسلة أقوال الآباء المأثورة. فلدينا وثائق، على الأقلّ حتى يومنا هذا، لأقوال ثلاث "أمّهات": ساره، سانكلتيك وثيودورا، وهنّ اللواتي تكرمهنّ الكنيسة كقدّيسات. لنسمع بعض أقوال أمّهات الصّحراء هؤلاء، ولنسلّط الضوء خاصّة على الأقوال التي تدلّ على الأمومة الرّوحيّة.

 

أ- ساره

 

لا نعرف هذه الـ "الأمّ" إلاّ من خلال أقوالها. عاشت في عصر الأنبا بافنوس. قضت ستّين عامًا على ضفاف النيل. خلال خمسة عشر عامًا، ناضلت بشجاعة للدفاع عن عفّتها، هذا ما نستنتجه من خلال أقوالها، وكفاحها هذا زادها نضجًا ومنحها الكفاءة لتكون أمًّا روحيّة. لدينا تسعة من أقوالها المأثورة.

 

كانت ثقتها بالله تتخطّى الضعف الطبيعي الذي تختبره، فيُروى أنّ ساره بقيت ثلاث عشرة سنة في صراع مع شيطان الشهوة، ولم تصلِّ يومًا ليختفي بل كانت تقول دومًا: "يا ربّ أعطني القوّة". وكانت تنسب انتصارها إلى المسيح الساكن فيها، وليس إليها شخصيًّا، فبعد معركة مع شيطان الشهوة هذا، تراءى لها هذا الأخير جسديًّا وقال لها: "أنتِ، ساره، غلبتني". فأجابت: "لست أنا من غلبك، بل معلّمي المسيح".

 

وكانت تعتبر أنّ إرضاء البشر لا يهمّ، بل ما يهمّها كان المحافظة على قلب نقي، وكانت فكرة الموت تساعدها على أن تبقى وفيّة، فكانت تقول: "أصلّي لكي يكون قلبي نقيًّا مع جميع الناس"، وأيضًا: "أرفع رجلي لأصعد على السلّم، فأضع الموت أمام عينيّ قبل ذلك".

 

ب- سانكلتيك

 

إنّها الأشهر بين "أمّهات" الصّحراء. من عائلة غنيّة ومسيحيّة، تكرّست لله في مصر. ولكثرة حكمتها وقداستها، كان مقرّها يزدحم بالزوّار والمسترشدين، فشكّلت النصائح والإرشادات التي تعطيها القسم الأكبر من قصّة حياتها.

حياة القدّيسة سانكلتيك هي بالنسبة إلى الراهبات، كما هي حياة القدّيس أنطونيوس، التي كتبها القدّيس أثناسيوس، بالنسبة إلى الرهبان.

القسم الأساسي من حياة هذه القدّيسة، الذي كُتب في آخر القرن الرابع، أو في النصف الأوّل من القرن الخامس، هو خطاب يلخّص تعليم سكانلتيك في التوحّد والحياة الرّوحيّة. ولقد عُرِفَت بأنّها تلميذة مخلصة لآباء الصّحراء، وكانت تعلّم أنّه علينا أن نهتمّ بالنّفس أكثر من الجسد، دون إهمال هذا الأخير، لأنّنا قد نحتاجه في الصّراع التوحّدي.

 

 وكانت تبدو كامرأة متّزنة، تتّكل بشكل أساسي على الكتاب المقدّس، وكأنّها دومًا مذهولة بيسوع المسيح. لهذا كانت العذارى والمتوحّدات يأتين للإستماع إليها، وكانت علاقتها بهنّ كعلاقة القدّيس أنطونيوس بتلاميذه.

 

كانت سنكلتيك تهتمّ بما هو جوهري، وتجعل الممارسات الخارجيّة نسبيّة، كالوحدة الماديّة مثلاً، على رغم تقديرها من المتوحّدين، كانت تقول: "الكثيرون يعيشون على الجبل ويتصرّفون كأهل المدن فيضيعون. فمن الممكن أن يتوحّد الإنسان رغم عيشه بين الناس وذلك بفكره، وكذلك يمكن أن يعيش وحيدًا ويكون مع الناس بتفكيره".

 

 وكانت أيضًا تجعل ممارسة التقشّف نسبيّة، حيث كانت تقول: "عندما تكون الحياة مشتركة، تفضّل الطاعة على التقشّف. الأولى تعلّم الكبرياء، والثانية التواضع".

 

ولهذا كانت تبني الحياة الرّوحيّة على التواضع فتقول: "كما أنّه من الصّعب صنع زورق ما لم يكن معنا مسمار، كذلك يستحيل الخلاص من دون التواضع". وتشدّد على التوازن والسريّة في ممارسة التقشّف: "هناك تقشّف يحدّده العدوّ، وتلاميذه يمارسونه. فكيف نميّز إذن بين التقشّف السماوي والملوكي وذلك الشيطاني؟ من البديهي أن يكون ذلك عبر ممارسته المتواصلة. طبّق دائمًا قاعدة واحدة في الصيام لا تَصُم أربعة أو خمسة أيّام، وتتركه في اليوم اللاحق عندما تكثر الأطعمة".

 

ج- ثيودورا

 

ونجد أيضًا أقوالاً مأثورة للأمّ ثيودورا التي نعرف أنّها كانت على اتّصال برئيس أساقفة الإسكندريّة، تيوفيلوس، في أواخر القرن الرابع، وأوائل القرن الخامس. نسمعها تتكلّم على العقيدة الإيمانيّة التي تتعلّق بالجسد، وعلى قيامة الأموات... مخلّصة جدًّا للإنجيل. وتعلم أنّ الحياة الرّوحيّة ليست سهلة، لأنّها دخول من الباب الضيّق، فكانت تقول: "لنكافحْ فندخل من الباب الضيّق. فكما الأشجار التي إذا لم تخضع للعواصف لا تستطيع أن تثمر، كذلك نحن، فهذا العصر هو عاصفة، ولا نستطيع أن نرث ملكوت السماوات ما لم نخضع لعدّة امتحانات وتجارب".

 

خبرتها التوحّديّة ومعرفتها للقلب البشري جعلاها تعتبر أنّ التواضع هو الصفة الأكثر أهميّة في كلّ الممارسات التقشّفيّة، فكانت تقول:

"لا التقشّف ولا السّهر ولا أيّ إماتة تخلّص، ولكن وحده التواضع هو السبيل إلى الخلاص".

 

كان أحد المتوحّدين يطرد الشياطين، فسألهم: "ما الذي يجعلكم تهربون؟ هل الصوم؟" قالوا: "لا نأكل ولا نشرب". هل السّهر؟" قالوا: "لا ننام أبدًا". "هل البعد عن العالم؟" قالوا: "نحن نعيش في الصّحراء". "بأيّ سلطان تخرجون إذًا؟" فأجابوا: "لا شيء يقهرنا سوى التواضع". "أرأيتم أنّ التواضع يقهر الشياطين".

وكانت ثيودورا تشرح كيف يجب أن يكون الأب الرّوحي، بعيدًا عن حبّ السيطرة والمجد الباطل وعن الكبرياء، لا تغرّه الإطراءات ولا تعميه المهمّات، ولا تغلبه كثرة الأكل، ولا يسيطر عليه الحقد، صبورًا، هادئًا، متواضعًا قدر الإمكان...

 

3- صفات الأمومة الرّوحيّة

 

يبقى السؤال:

"ماذا نعني بقولنا إنّ الراهب أو الراهبة هما أهل للأبوّة أو للأمومة الرّوحيّة؟

 ما هي العلامات التي تدلّ على أنّ هذا أو ذاك ناضج يستطيع أن يساعد الآخرين ليسيروا حسب تعاليم المسيح، كمسيحيّين صالحين، أو، بنوع خاصّ، كرهبان وراهبات؟

 

 ثيودورا لخّصت لنا الصفات التي، بحسب رأيها، تميّز الأب الرّوحي. واللائحة التي تعرضها تنسجم تمامًا مع العناصر التي تكوّن الحياة الرهبانيّة القديمة.

 

- ألاّ يكون متكبّرًا وبالتالي، لا يجب أن ينجرّ وراء الإطراءات أو حبّ السيطرة.

 

- ألاّ تغرّه الهدايا.

 

- أن يكون سيّد نفسه فيسيطر على لذّته اللامتناهية، وشهواته التي لا تقاوم.

 

- أن يتحلّى بالصبر والهدوء، أي أن يربح نفسه.

 

- التواضع ضروري جدًّا، إذ إنّ التواضع يجعله يشعر بأنّه ناقص، فيثق بالله أكثر منه بصفاته الخاصّة أو بمعرفته البشريّة.

 

- أن يكون ذا خبرة، ونضج على الصّعيد البشري وعلى الصّعيد الرّوحي، إذ لا بدّ من أن يكون قد واجهته صعاب وقد تخطّاها بسهولة.

 

- أن يكون مثابرًا، فلا يستسلم للتعب ولا لليأس. فيكون وفيًّا لله وللبشر، وخاصّة لتلميذه، وذلك رغم الصعوبات التي تواجهه.

 

- أن يكون يقظًا، محبًّا، مصغيًا للآخر، فيساعده بدون مقابل. يعيش الحبّ ويقبل التعب والهموم التي تفرضها الأبوّة والأمومة الرّوحيّة.

 

- القدرة على التمييز والسريّة صفة مهمّة جدًّا. وهي موهبة من الرّوح القدس وهي تتطلّب أيضًا سعيًا بشريًّا، لكي يساعد التلميذ على أن يدرك مواهبه، ويتقدّم، ويشفى روحيًّا، ويتعزّى.

- أن يكون بليغًا، فيحمّس التلميذ في الوقت المناسب.

 

- أن يكون رجل صلاة، فيصلّي لمن وضع ثقته في أبوّته/ أمومتها. وهذا هو الأهمّ، لأنّه من دونه يفقد الباقي كلّ معناه.

كلّ النصوص، منذ بدء الحياة الرهبانيّة، تعلّم باستمرار ضرورة الأب الرّوحي أو الأمومة الرّوحيّة، خاصّة عند المبتدئين، حتى لا يتيهوا في البحث عن الله، وذلك لأنّه من السهل الضلال بالمشاعر الخاصّة. لذلك، فعلى من يرغب في الحياة الرهبانيّة، أن يبحث عن أب أو أم روحيّة. وعندما يجده، عليه أن يصلّي من أجل الذي اختاره، وينذر له الوفاء، دون أيّ تشكيك حتى ولو رأى الأب/ والأمّ الرّوحيّة في خطأ، ويقدّم له الطاعة والحبّ والإحترام.

في النهاية، يمكننا القول إنّ ينابيع الحياة الرهبانيّة هي حافز قويّ يساعدنا على اكتشاف دور الأمومة الرّوحيّة وإمكانيّاتها الحاليّة.

 فإن تُرجِم الدور في التطبيق، فهو يسدي خدمة صالحة إلى الحياة الرهبانيّة والكنيسة... وللمرأة نفسها!

 

                                                                        الأخ مارون حريقه

    

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية