الأم والأب أتربية أم توزيع أدوار؟!

 

 

 

الأم والأب أتربية أم توزيع أدوار؟!

 

 

الأسرة هي إحدى المؤسّسات التربويّة الدّائمة التي لا يمكن تجاهلها، فهي نواة المجتمع حيث تنشأ الأجيال وتنمو على شراكة الحبّ. ومسار الأسرة حيوي لأنّه أساس المجتمع والوطن.

تتعرّض الأسرة في عصر العولمة لمشاكل اجتماعيّة متعدّدة، وصعوبات حياتيّة جمّة أفقدتها بعضًا من وظائفها، ما أدّى إلى تفكّك الروابط العائليّة وزعزعة العلاقات في ما بينها. في هذا الإطار نطرح الأسئلة الآتية:

 

 هل المجتمع معرّض للانحلال والفساد؟

 أين يكمن الخلل؟ وأين الخطأ؟

 

 هل تحتاج المرأة إلى الإعداد والتأهيل لدفع المنظومة التربويّة نحو النجاح؟

 

 هل الاتهامات الموجّهة إلى المرأة منصفة لها؟ لقد قيل إنّها المسؤولة عن هذا الخلل، لأنّها انشغلت بالمراكز الاجتماعيّة والعمل على التساوي مع الرجل والتفوق عليه، متناسية مهمتها التربويّة، فانكبّت كليًّا على أعمالها. إلّا أنّه من الظلم أن نلبس المرأة وحدها وزر ما اعترى المجتمع من خلل.

 

ومن الجور واللّامنطق أن نطلب منها وحدها مهّمة إعداد الأجيال. فالأب والمجتمع مسؤولان أيضًا ولا ننسى صعوبة التربية في مجتمعنا الاستهلاكي، والظروف المعيشيّة شبه التعجيزيّة التي تقضي في معظم الأحيان على المبادئ والقيم والصورة المثاليّة التي يرسمها الأهل لأولادهم.

 يمكننا القول إنّ المرأة هي العمود الفقريّ للأسرة، فهي لم تتنصّل من مهمّتها التربويّة ولن تتنصّل. وكأمّ تدفعها نعمة الأمومة إلى التفاني  والسخاء والحبّ من أجل تربية أولادها على أساس سليم يأخذ بيدها في طريق الحياة المحفوفة بالمخاطر والخيبات.

ونعود لنسأل: ألا تستحق الأسرة إشرافًا أكبر وأعمق؟

 وهل عمل المرأة في المنزل جهد ضائع؟ والحقّ يقال إنّ رسالة الأمومة، بما تحمله من معانٍ، هي أبعد من مجرّد الانجاب، لا بل هي التربية على الحبّ والقيم التي تعدّ وتصنع الفرد الصّالح إنسانيًا واجتماعيًا ووطنيًا.

 

 

قيمة العمل المنزليّ

لم يغب عن بال أفراد المجتمع أنّ عمل المرأة في بيتها يحتاج إلى التفرّغ والتخصّص، والعلم والفكر والدقّة، كما يحتاج إلى الإدارة والاقتصاد والرقّة والإحساس والعاطفة والحنان. الأسرة مؤسّسة متشعّبة المهام والمسؤوليات.

هل غياب الأمّ عن منزلها لأسباب عديدة منها المبرّر وغير المبرّر، لا يضرّ بتربية أطفالها؟

 

يقال إنّ ذلك يشكّل خطرًا جسيمًا على تربية الطفل، فقد يعرّضه للإصابة بكثير من الأمراض النفسيّة التي تؤثّر في سلوكه وقد تؤول به إلى الانحراف. ألا تعلّمنا الاختبارت بأنّ غياب الأب أيضًا يحثّ اضطرابات نفسيّة وقيمية ومصاعب تؤدّي إلى مطبّات خطرة في العلاقات العائليّة؟

 

إلّا أنّ بعض النساء يستطعن التوفيق بين متطلّبات العائلة وعملهنّ المهنيّ، من هنا لا بدّ للحكومات من تشريع قوانين وأحكام من أجل حماية العائلة والمرأة معًا، ومنها:

إعطاء قيمة جوهريّة وأساسيّة لعمل المرأة في المنزل وتربيتها لأولادها، إعادة الاعتراف والاعتبار لتضحياتها من قبل زوجها الملزم باحترامها وتقديرها مع مشاركته الفعّالة في تحمّل المسؤوليّة التربويّة في شكل مباشر من خلال تقاسم المهمّات في ما بينهما. وهذا الأمر يسهم في عمليّة التوازن والمساواة بين الرَّجل والمرأة. لماذا لا يدفع لها أجر مقابل عملها المنزلي أو ربّما رفع راتب زوجها أو خلق حوافز أخرى تجعلها تُقبل على نشاطها البيتيّ متخطية بذلك الإحباط والملل؟

 وماذا عن تخفيض أوقات عملها المهني المحفّز الأكبر لنجاح العمليّة التربويّة المنزليّة؟ هناك آراء متعدّدة وحلول متوفّرة إعادة الاعتبار  لمكانة المرأة ودورها في المجتمع، إلّا أنّ النية وحدها غير كافية، لا بدّ من أعمال حسيّة وعمليّة ظاهرة للعيان.

 

 

توزيع الأدوار والمهمّات

هل توزيع الأدوار والمهمّات أو تبديلها بين الرّجل والمرأة في ما خصّ التربية المنزليّة يُسهم في إعادة الأمور إلى نصابها؟

 

 ليس من المستحسن تبديل الأدوار بين الرّجل والمرأة لأنّنا سنخلق معضلة جديدة عوض حلّ القضية.

 

منطقيًّا من الضروريّ توزيع الأدوار وتقاسمها في ما بينهما. فالطفل والولد وحتى المراهق في حاجة إلى حضور الأب وتدخله المباشر في العمليّة التربويّة التي تعكس نموًّا صحيحًا على مختلف الصعد.

إنّ توزيع الأدوار والمهمّات وتقاسمها على أساس الشّراكة ضمن الثنائيّ يعطي ديناميكيّة وحيويّة للأسرة، ما يجعلها واحة للسَّلام والأمان والاستقرار النفسيّ والتوازن العاطفيّ.

من هنا لا بدّ من إحداث تحوّلات جذريّة في الأنماط المجتمعيَّة الشرقيَّة، ولا سيّما العربيّة، في ما يخصّ العادات والتقاليد لتطوير أدوار أفراد المجتمع ومهمّاتها التي تخطّاها الزمن والمستجدّات العصريَّة.

 

مسؤوليّة مشتركة

فالذهنيّة والعقليّة لم تتطوّرا كثيرًا، وحتّى القوانين لم تواكب العصرنة، كما لم يحدث تغيّر جذريّ على صعيد المؤسّسات العامّة والخاصّة قادر على تحضيرها للتأقلم مع العولمة وعالم الاقتصاد الجديد ومجتمع المعرفة والتكنولوجيا. هذا الخطأ الجسيم أثّر سلبًا في نشاط الرَّجل والمرأة.

تتطلّب التربية المنزليّة بعض المؤهّلات العلميّة والثقافيّة وكثيرًا من الفطنة والحسّ والمنطق والحكمة، إضافة إلى الفضائل الإنسانيّة والأخلاقيّة. زد على هذا الكم الحضاري الكثير من الحنان والعاطفة والصبر والحبّ.

إنّ توافر المعطيات الإيجابيّة اجتماعيًا ومهنيًّا واقتصاديًّا يساعد الرَّجل والمرأة على إدراكهما للدور التربويّ والمسؤوليّة المشتركة في ما خصّ المهمّة الملقاة على عاتقهما، وأكثر من ذلك حرصهما على أن يصلا بهذه الرسالة المقدّسة الجليلة إلى أسمى درجات النجاح.

يمكننا القول إنّ الثنائيّ ملزم تنظيم حياته المشتركة بطريقة سليمة وصحيحة، متعاونًا ومتعاضدًا على تربية الأولاد، مثمّنًا دعوة الخالق ونعمته.

 

فالثنائيّ يحمل رسالة مهمّة وعظيمة للمجتمع من خلال تجاوبه ومساهمته في مشروع الله للإنسانيّة، أي خلاص الإنسان من خلال ممارسته للفضائل الإلهيّة والإنسانيّة والأخلاقيّة.

 

أوليست التربية العامل الأساسيّ للوصول إلى الأسمى؟     

 

       

                                           الأب نجيب بعقليني

                                          اختصاصي في لاهوت العائلة

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية