التفتيش عن الله بذاته

 

 

 

التفتيش عن الله بذاته

 

لا تفزع إذا كان تأمّلك قاحلًا، فإنّك هكذا تتعلّم أن تحبّ الله لأجل ذاته، وليس لأجل أفراح تجنيها منه.

 

في أثناء الصَّلاة، ينبغي لك ألّا تخاف مشاعرك، بل عليك أن تهذّبها وتطهّرها. تقبّل تعابيرها ومظاهرها، ولكن تجنّب كلَّ محاباة ذاتيَّة، وكلّ انطواء على ذاتك. فإنّ الفرح الذي يرافق هبة ذاتك لله في التأمّل هو صالح وبحسب إرادة الله. ولكن، إذا لاحظتَ ذلك وأردت إثارته من جديد لذاته، بدون أن يدعوَ إلى ذلك أيّ داعٍ، فأنت غير طاهر.

في أثناء الصَّلاة، يجب عليك أن تتعلّم التفتيش عن الله لذاته. ومن هذه الناحية، فإنّ الصعوبات واليبوسات التي تلاقيها هي نافعة، لأنّها تؤكّد لك إنّك لا تذهب إلى الصّلاة لأجل الأفكار أو الأحاسيس التي تجدها فيها، بل لأجل الله وحده.

وهكذا فإنّ أجفّ تأمّل يُنمي فيك هذا التعلّق العميق بالله الذي يدفعك إلى الصلاة لتكون معه ولكي تعطيَ ذاتك أكثر لمحبّته.

 

 

وما تطلبه إذ ذاك ليس شعور المحبّة، بل المحبّة الحقيقيَّة التي تدفعك إلى تسليم ذاتك إلى الله حقًا. وحينما تأتي إلى الصَّلاة، عليك ألّا تجلب إلا شيئين: الشَّوق إلى أن تكون هناك أمام الآب، والعزم على أن تدوم هناك حبًّا به. إذ ذاك ينبغي لك أن تدعوَ الرّوح القدس لكي يمنح قلبك المسكين المحبّة التي يحبّ بها الأقانيم الإلهيّة الثلاثة بعضهم بعضًا.

 

 

بهذه الطريقة، تُجري عمل تمييز وتحقّق. ففي علاقاتك مع الله، كما في علاقاتك مع الآخرين، ستميّز المحبّة الحقيقيّة عن مجرّد الانفعال الذي فيه تحصُرُ أحيانًا كثيرة صلاتك ومحبّتك الأخويَّة. وهكذا تتعلّق أكثر فأكثر بالله المحبوب من أجل ذاته.

وإذا منّ الله عليك بأن تمرّ فعلًا بخبرة صلاة طويلة، فستتعلّم أن تمكث أمام إله تلتمسه وتحبّه لأجل ذاته. وهكذا ستعرف فقرًا شديدًا وتجرّدًا تامًّا عن ذاتك. وحينما تعود إلى الحياة اليوميّة، ستؤكّد صلاتك علاقتك بالآخرين الذين ستريدهم وتحبّهم أيضًا لذاتهم.

 

 

إنّ شريعة كلّ محبّة، ولا سيّما كلّ محبّة روحيّة، هي أن تنسى ذاتك لكي تبحث عن فرحك وغبطتك في الآخر. والمهمّ في الصَّلاة وفي المحبَّة الأخويَّة هو أن تخرج من ذاتك لكي تركّز انتباهك كلّه على الآخر. ويجب أن تكون نظرتك مثقلة بالمحبّة السخيّة وأن تتركّز على الآخرين.

فعوضًا عن أن تكون الصّلاة انطواء على الذات، فهي مثل المحبّة الصادقة، خروج من الذات للذهاب إلى الآخر. إنّها هبة الذات للآخر مجّانًا وفي التسبحة والسُّجود.

 

إنّ صلاة الشكر وحدها تستطيع أن تساعدك على إجراء الخروج من الذات.

فإذا قلّصتك صلاتك وطوتك على ذاتك، فتلك علامة  ظاهرة على أنّها ليست شوقًا حقيقيًا إلى الله، بل هي تفتيش عن ذاتك، مهما كانت فيها الانفعالات والتفجّرات الحسيّة.

 

وكلّما عَظُمَت طاقتك الانسانيّة على الحبّ، أصبح ضروريًا لك هذا التوازن العاطفيّ وهذا التطهير. وبدون حبّ الصَّلاة وخبرة الله، سيحصل فارق كبير بين طاقتك على الحبّ وحياتك الروحيَّة التي تتعرّض للبقاء ضعيفة ومرهقة.

 

 فاذهب إلى المسيح بمحبّة بسيطة واسعَ في الصَّلاة لإقامة حوار ودّي. لا تسعَ وراء الأفكار عن الله، بل أن لا تلقى عنده إلّا الفرح والسَّلام، وستضمحلّ صعوباتك بالمحبّة ذاتها.

 

ويجب أن تكون أوقات لقائك مع الله لذيذة حتى في الأوقات التي يظهر فيها بعيدًا عنك، لا بل خاصَّة في هذه الأوقات:

 

 " فإنّ المحبّة يجب أن تكون في الأعمال أكثر منها في الأقوال".

 

 

                                                                          جان لافرانس

 

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية