الثبات والقوّة والوحدة

 

 

 

الثبات والقوّة والوحدة.

 

إنّك تحلم بحياة تتوفّر لك فيها أوقات طويلة من الوحدة والعزلة للصّلاة. ولكنّك حينما تجد لك وقتًا حرًّا تبذّره في العبث والانشراح. إنّك تعاني من تراكم الأشغال عليك وترغب في أن تقبض على زمام حياتك. فعلى الأخص، لا تلقِ اللّوم على الظروف الخارجيّة، كضيق الوقت أو العلاقات الكثيرة، بل اعلم أن الخلل الحقيقيّ هو فيك. فعليك أن تحقّق التناسق بين كيانك العميق وبين حياتك المُعطاة للآخرين.

 

إنّك تختبر كلّ يوم التفتّت في حياتك وتبعثر الوقت بدون مشروع ولا حرّية. ويعسر عليك أن تجد هويّتك، لأنك مشتّت وتعيش حياة سطحيّة. وتشعر بالرغبة في توحيد حياتك في الحضور لذاتك وفي اقتبال الآخرين والأمور الخارجيّة. وبكلمة، إنّك تشتاق إلى بلوغ خبرة أوغسطينس لحظة اهتدائه. فهو يقول إنّه اجتاز من اللامبالاة إلى العزم ومن التفتّت إلى التوحّد، ومن الجهد المشتِّت إلى الجهد المركِّز والموحِّد. 

 

ولا يمكن أن تتحقّق حركة التهدئة هذه على مستوى الوسائل. إنّ وجودك المستقطَب والموحَّد حول حضور كائن ما، هو، وحده، قادر على انتزاعك من الشعور بالتمزّق والتفتّت، الذي يقسمك داخليًا.

 فعليك أن تكون حاضرًا لذاتك، لتكون قادرًا على أن تستقبل في مركز كيانك وتضمّ إلى ذاتك كلّ ما يجلبه لك من الخارج الأشخاص أو الأشياء أو الأفكار المنقولة.

 

 وكما قال "مونييه": "يجب أن يكون حوارك الداخلي عميقًا بحيث يمكنك مواصلته مع أوّل شخص تلتقي به".

 

ولكن هناك توحيد أعلى، يجري حول حضور الله في يسوع المسيح، وبه تنجو من التشتّت والتفكّك. ويقول لنا القدّيس أوغسطينس إنّه بعد اهتدائه اختبر وقتًا يجمعه المسيح ـ وكان اختبارًا منشِّطًا ـ، واجتاز فيه من اللامبالاة إلى العزم.

 فالمسيح يجمع غبار لحظاتك لكي يوحّدها في تاريخ الخلاص.

 

 وحضور يسوع المسيح في التأمّل هو نافذة مفتوحة على الله. فعندما تفتح نافذة ما، فالغبار المنثور في مهبّ الريح، يوجّهه ويوحّده شعاع الشمس. فحينما يكون انتباهك ونيّتك متّجهين نحو المسيح، فإنّهما يوحّدان غبار لحظات حياتك وأحداثها.

 

"ها إنّ حياتي ليست إلّا طيشًا، وتقبلّتني يدُك في ربّي، ابن الانسان، الوسيط بين وحدتك وتعدّدنا... إنّي أتعلّق بوحدتك وأنسى ما ورائي، وأتخلّى عن الرغبة القلقة في معرفة ما سيأتي أو ما سيحدث تائقًا فقط إلى الأمور الحاضرة، وأطلب، بجهد بعيد عن كل تشتّت، سعف الدّعوة السماويّة. ولكنّي مشتّت في الزمان الذي أجهل نظامه. فأفكاري وأعمق حياة نفسي تشعر بتمزّق من جرّاء الانشغالات الكثيرة الصَّاخبة، حتى اليوم الذي فيه، بعد أن أتطهّر بنار حبّك وأنصهر فيها، انسكب فيك بكليّتي".

 

إنّك ستجد وحدتك يوم تجعل الله مركز ثقلك. فيأخذ وجودك إذ ذاك ثباتًا واستقرارًا يتأصّل في الأبديَّة.

 

 ويقول القدّيس أوغسطينس أيضًا: "حينئذ سأحظى بالثبات والرسوخ فيك". وليس ثمّة وصفة عمليّة لتوحيد كيانك حول حضور الله. فلا تستطيع الوصول إلى ذلك بقراءة القصص، كما هو الشأن مع من يريد تعلّم الانكليزيّة مثلًا في أشهر قليلة.

 

ولا يمكنك أن تدّعي العيش في هذا الحضور بصورة دائمة ما لم تخصّص أوقاتًا طويلة من حياتك لتكون هناك في حضوره، وفي انتظار زيارته وإرادته. فالأمر، إذًا، يتجاوز الأفكار والألفاظ والعواطف. وهكذا، شيئًا فشيئًا، من دون أن يتعلّق الأمر بك ستنفذ إليك وتغزوك هذه الخبرة أي خبرة الله القريب جدًا منك؛ ويمكنك القول مع مونييه: "إنّ قاعدتي الوحيدة هي أن يكون لي الشّعور الدائم بحضور الله".

 

 وبمقدار ما تتقدّم في هذا الغمام المظلم، بمقدار ذلك ستشعر بعجزك عن التعبير عنه بألفاظ. وأكثر من ذلك، فإنّك على غرار القدّيسة كاترينا السيانية، لن تستطيع أن تقول أيّ شيء عن الله بدون أن تنفيَه حالًا، ويخال لك أنك تجدّف.

 

 

                                                                          جان لافرانس

 

 

macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية