الجهر بالله في أيّامنا

 

 

 

الجهر بالله في أيّامنا

 

 ماذا يعني اليوم فعلُ إيمان الإنسان المسيحيّ الذي يردّد مع الكنيسة: "أؤمن بالله؟"

 إنّ فعل الإيمان هذا يمثّل، أوّلاً، قرارًا متّخذًا حيال قيم هذا العالم وحيال المعايير التي يعتمدها في التقدير.

 يمكن الإعتراف بهذا القرار على أنّه يتجاوب والحقيقة (ينبغي إعتباره، بمعنى خاصّ، بمثابة قرار باختيار الحقيقة)، لكنّه، في نهاية المطاف، لا يجد تفسيره إلاّ في القرار بالذات، أي بصفته قرارًا.

وهذا الفعل يؤلّف أيضًا فصلاً، بمعنى أنّه يحدث عمليّة قطع (Ent-scheidung/ (Scheidung، ويقوم بعمليّة تمييز إمكاناتٍ مختلفة.

 

فالعمل الذي توجّب على إسرائيل أن يقوم به في بداية تاريخ، ذاك العمل نفسه الذي توجّب على الكنيسة أن تقوم به في منطلق مسيرتها، هو ما يتوجّب على كلّ حياة إنسانيّة أن تقوم به من جديد.

 فكما أنّه كان ينبغي، في الماضي، إتّخاذ قرار ضدّ الإمكانات التي يتيحُها مولوخ وبعل، ضدّ العرف، واختيار الحقيقة، كذلك فإنّ المجاهرة المسيحيّة المتمثّلة في القول: "أؤمن بالله" ما فتئت تؤلّف عمليّة تمييز، وتقبّل، وتطهّر وتحوّل.

بهذه الطريقة فقط يمكن للمجاهرة المسيحيّة بالله الأوحد أن تبقى قائمة عبر العصور. والآن لننظر في الإتّجاهات التي تقودنا فيها، هذه العمليّة.

 

 

أوّلاً، أوّليّة "اللّوغوس" المعنى

يمثّل الإيمان المسيحي بالله، أوّل ما يمثّل، خيارًا يقول بأوّليّة "اللّوغوس"، المعنى، بالمقارنة مع المادّة. فإنّ التوكيد المتجلّي في عبارة "أؤمن بأنّ الله موجود" يتضمّن الخيار بأنّ "اللّوغوس" المعنى، أي الفكر، الحريّة، الحبّ ليس موجودًا في النهاية فحسب، بل هو قائم في البداية أيضًا.

 فـ "اللّوغوس"، المعنى، هو القدرة التي تخلق كلّ وجود وتحيط به.

بتعبير آخر لنقل إنّ فعل الإيمان هو إلإقرار بأنّ الفكر والمعنى ليسا نتيجة ثانويّة عرضيّة من نتائج الوجود بل إنّ كلّ وجود ناجم عن الفكر، هو نفسه "فكر" من حيثُ بنيتُه الذاتيّة العميقة.

 

 وهكذا يمثّل الإيمانُ، بمعناه النوعيّ، قرارًا نابعًا من خيارالحقيقة، ذهابًا من كون الوجود هو، في نظر الإيمان، حقيقة ومعقوليّة ومعنى، علمًا أنّ هذه الصفات ليست مجرّد إضافات عالقة بالوجود قد تكون تولّدت في ظرف من الظروف، وفي مكان من الأمكنة، فجاءت خلوًا من أيّ دلالة حقيقيّة تعبّر عن عناصر بنيويّة قائمة في مجملِ الوجود الواقعيّ.

إنّ هذا الخيار النابع من إعتبار الوجود قائمًا على بنية معقولة، ومن إعتبار أصل الوجود ناجمًا عن المعنى وعن العقل، ينطوي أيضًا على الإيمان بمسألة الخلق.

 

وبالفعل، فإنّ الإيمان بكون الوجود إنّما حصل بفعل عمليّة خلق، هو تعبير عن اليقين بأنّ الفكر الموضوعيّ البادي في جميع الكائنات، والذي يتيح لنا أن نعيها أفضل فأفضل، ليس سوى بَصمة من بصمات روح ذاتيّ، وتعبير عن وجوده الراهن، إنّه يقين بأنّ البنية المنطقيّة الملازمة للوجود، والتي نستطيع فكرها من جديد هي، بالضبط، التعبير عن فكرٍ مطلق سابق هو الذي منحها الوجود.

 

بطريقة أدقّ: يتراءى من خلال الكلام الفيثاغوريّ على الله - المهندس، حَدْسٌ أكيد مؤدّاهُ أنّ للوجود بنيةً رياضيّة، وأنّ هذا الوجود جاء نتيجة "فعلٍ فكريٍّ"، وأنّه يتألّف من بنية معقولة.

 

تنطوي النظريّة الفيثاغوريّة على فكرة متبلورة مفادها أنّ المادّة بالذات ليست مجرّد لا - معنى، وليست شيئًا مغلقًا دون إمكان المعرفة، بل تحتوي على مضمون من الحقيقة والمعقوليّة هو الذي يتيح للعقل البشريّ أن يدرك ما يدركه منها.

 

ولقد اكتسب هذا الحَدْسُ في أيّامنا قدرًا بارزًا بفضل عمليّة إستكشاف البنية الرياضيّة التي للمادّة، وبفضل الإمكانات التي توفّرها لنا الرياضيّات للإطّلاع على المادّة وإكتشاف أسرارها.

كان أينشتاين يقول إنّ نواميس المادّة تعبّر عن "عقل فائق كليًّا، بحيث إنّ مبتكرات الفكر البشريّ ليست، بالمقارنة معه، سوى صورة عنه باهتة إلى حدّ التفاهة".

 

بتعبير آخر: إن ما يقوم به فكرنا ليس سوى أنّه يستعيد ويكتشف من جديد فكرًا سابقًا مسجّلاً في جسم الواقع.

 

 ففكرنا لا يستطيع إلاّ أن يبذل جهده للّحاق، ولو بصورة ضعيفة جدًّا، بذلك الفكر المتجسّد موضوعيًّا في الكائنات، بغية أن يجد فيه الحقيقة.

 

وهكذا فإنّ المفهوم الرياضيّ للعالم قد أدرك، نوعًا ما، من خلال الطابع الرياضيّ الذي يتّصف به الكون، "إله الفلاسفة"، على أنّه قد اكتشفه مع مسأليّته بأكملها. يشهد على ذلك، مثلاً، الرّفض العنيد الذي أبداه أينشتاين حيال الفكرة القائلة بوجود إله شخصيّ، ففي نظر أينشتاين إنّما تأتّت هذه الفكرة من التصوّر "التشبيهيّ"، المقرون بـ"ديانة مبنيّة على الخوف" وبـ"ديانة قائمة على أساس أخلاقيّ". ويقيم أينشتاين، في معارضة مثل هذه الديانة، "العاطفة الدينيّة التي يثيرها مشهدُ الكون" والتي يعتبرها وحدَها حقيقيّة، ويراها تتجسّد "في نشوة الإعجاب حيال تناغم نواميس الطبيعة وتناسقها" وفي "الإيمان الراسخ بالعقل الذي يدير نظام الكون"، وفي "الرغبة النّزاعة إلى فهم ولو ومضة صغيرة جدًّا من ذاك العقل السّامي الذي يتبدّى من خلال الكون".

إنّ مسألة الإيمان بالله بأكملها ماثلة في هذا الموقف.

 

فمن ناحيةٍ نرى شفافيّة الوجود الذي يُحيلنا، من حيث هو "فكر" إلى فعل فكريّ فائق، لكنّنا، في الحين نفسه، نصطدم باستحالة إقامة علاقةٍ بين هذا الفعل الفكريّ الفائق والإنسان. هنا يظهر الحاجز الذي يؤلّفه المفهوم الضيّق والسطحيّ عن معنى "الشخص" في وجه المماثلة بين "إله الإيمان" و"إله الفلاسفة".

 

قبل الذهاب إلى أبعد من هذا الحدّ، أودّ أيضًا أن أشير إلى قول عالم آخر. فلقد قال جيمس جينز

 

 "إنّنا نكتشف في الكون آثارَ قدرةٍ تنظّم وتشرف، تتّصف هذه القدرة بشيء مشترك مع عقلنا الفرديّ الخاصّ، لكنّ هذا الشيء، على حدّ ما تسمح باستنتاجه مكتشفاتنا الحاليّة، هو غير الشعور وغير الأخلاق وغير ملكة الإحساس الجماليّ، إنّه نزعة التفكير تبع طريقة معيّنة نسمّيها التفكير الهندسيّ، لعدم توافر تسمية أفضل".

 

فنعود إلى وجهة النظرة عينها: الرياضيّ يكتشف رياضيّة الكون، أي حقيقة أنّ الكائنات هي نتاج فكر. هذا كلّ شيء أي إنّ فكر العالم الرياضيّ لا يبلغ إلاّ إله الفلاسفة.

لكن هل ينبغي إستغراب ذلك؟

كيف يستطيع العالم الرياضيّ، الذي ينظر إلى العالم من زواية النظر الرياضة وحدها، أن يجد في العالم شيئًا آخر غير عالم الرياضيّات؟

 

 أليس من الأولى دعوته إلى أن ينظر إلى العالم من غير هذه الزاوية؟

 

 ألم يُقيّض له قطّ أنّ تأمّل شجرةَ تفّاحٍ مزهرة؟ ألم يساوره العجب مرّة إزاء عمليّة الإخصاب التي لا تتمّ، باستثناء دور النّحلة والشجرة، إلاّ عبر الزهرة، متضمّنةً هكذا أعجوبة الجمال غير الضروريّة؟

 

 هذه الأعجوبة نفسها، هل يمكن فهمها من دون الإستناد إلى الجمال الفائق الذي يوجد مستقلاًّ عنّا نحن؟

 

 إذا كان جينز يزعم أنّ روح الكون الفائق يفتقر إلى الحسّ الجمالي، يمكن الردّ عليه بهدوء والقول:

من المؤكّد أنّ الفيزياء لن تكتشف الرّوحَ الفائق أبدًا، لأنّ من طبعها، في البحث الذي تقوم به، أن تغضّ النظر عن الجمال وعن الموقف الأخلاقيّ، وبما أنّ الفيزياء تستكشف الطبيعة بذهنيّة رياضيّة محض، لا يمكنها، منطقيًّا، أن تدرك منها غير الناحية الرياضيّة.

 

فالجواب هو دائمًا رهن بالسؤال المطروح. لكنّ الإنسان الذي يحاول أن يفهم الكلّ مضطرٌّ إلى القول:

 لا جدال في أنّنا نجد في الكون ترتيبًا رياضيًّا موضوعيًّا، لكنّنا نجد فيه أيضًا معجزة الجمال الفائقة التي تستعصي على التفسير، الأمر الذي يحمل المرء حملاً على الإعتراف بأنّ العقل الرياضيّ الذي خلق هذه الموجودات قد إستخدم في صنعها قدرةً مبدعة.

 

إختصارًا لهذه الملاحظات التي سقناها لمامًا وأوردناها بصورة جزئيّة، يمكننا القول:

 العالم هو فكر موضوعيّ، فهو يَمْثُلُ لنا في بنية "روحيّة" وعلى أنّه "معقول" وقابل للفهم. إنطلاقًا من ذلك يمكن القيام بخطوة إضافيّة قدمًا:

الإعتراف بوجود الله هو عبارة عن اليقين بأنّ الفكر الموضوعيّ هو نتاجُ عقل ذاتيّ فائق، وأنّه لا يمكن له أن يستمرّ موجودًا إلاّ بصفته شكلاً من أشكال تبَدّي هذا العقل الفائق. بعبارة أخرى، فإنّ الوجود المعقول بالفكر (كما يظهر من خلال بنية العالم) يفترض وجود كائن أعلى عاقل.

من أجل توضيح هذا الإثبات وترسيخه، ربّما كان من المفيد أن نُدرجه - ولو من حيثُ بعضُ ملامحه فقط - في نوع من النقد الذاتيّ للعقل التاريخيّ.

 

 فعُقبى ألفين وخمسمائة سنة من التفكير الفلسفيّ قلّما أمكننا الكلام على الحقيقة الواقعيّة بلا قيد ولا شرط، كما لو كان الكثيرون ممّن سبقونا لم يحاولوا، عبثًا، عمل الشيء نفسه.

 من ناحية أخرى، إذا تأمّلنا في حُطام النظريّات المتراكم، إذا أخذنا في الإعتبار ذاك القدْرَ الكبيرَ من المهارات التي استُعملت سُدى، وكلّ أعمال المنطق التي آلت إلى فراغ، قلت إذا تأمّلنا في هذه الأطلال التي يبسطها التاريخ أمام أعيننا، حُقَّ لنا أن نيأس إلى الأبد من الأمل في العثور على شيء من تلك الحقيقة السريّة الفريدة التي تسمو على الواقع المحسوس.

ومع ذلك، فإنّ المأزق ليس محتّمًا بالقدر الذي يمكننا إفتراضه كذلك، أوّل وَهلة. لأنّه، وخلافًا للعدد الذي يكاد يفوق الحصر من الأنظمة الفلسفيّة التي حاول الإنسان بها سَبْر أسرار الوجود، ليس ثمّة، في نهاية المطاف، إلاّ القليل النادر من الإمكانات الحقيقيّة لتفسير سرّ الوجود.

يمكننا أن نصوغ السؤال الذي يختصر كلّ شيء ويؤلّف حصيلة الموضوع، على النحو الآتي:

ما هو، بالنسبة إلى الكائنات المتعدّدة، النسيجُ المشترك، تقريبًا، الذي يتألّف منه الوجود؟

 ما هو الكائن الوحيد القائم خلف الكائنات المتعدّدة التي هي جميعًا "موجودة؟"

 

 إنّ الأجوبة العديدة التي عرفها التاريخ على هذا السؤال تؤول، في نهاية الأمر، إلى خيارين أساسيّين.

 

 هاكم الأوّل منهما، وهو الأوضح: إنّ كلّ ما نصادفه هو، في جوهره، ليس إلاّ مادّة. فهذه الأخيرة وحدها هي الباقية هنا على الدوام بمثابة الحقيقة الواقعيّة التي يمكن تحقّقها، وبالتالي فإنّها هي التي تمثّل القوام الحقيقيّ لما هو موجود - ذاك هو الحلّ الماديّ للمسألة.

 

أمّا الخيار الثاني فيدلّ إلى الإتّجاه المعاكس الذي مؤدّاه أنّنا إذا تفحّصنا المادّة في العمق نجد أنّها نتاجُ فكرٍ، ونتاج فكر موضوعيّ.

 

فهي لا تستطيع، إذًا، أن تؤلّف العنصر 4 المكوّن الحاسم. قبل المادّة يوجد الفكر، الفكرة، كلّ كائن يؤول، في التحليل الأخير، إلى كائن "مفكور"، ويجب ردّه إلى الرّوح على أنّ هذا الأخير هو حقيقته الأصليّة - ذاك هو الموقف "الفكرانيّ" المثاليّ.

 

إنّ إبداء الرأي في مثل هذه المسألة يستوجب التوغّل إلى أعمق من هذا الحدّ، والسؤال:

 ما هي المادّة؟ ما هو الرّوح؟

 

 باختصار نقول: نسمّى مادّةً الكائنَ الذي لا يفهم الوجود، أي الكائن الذي "هو موجود"، لكنّه لا يعي نفسه.

 

فردُّ الكينونة بأكملها إلى المادّة بصفتها الشكلَ الأوّليّ للحقيقة الواقعيّة، يعني التأكيد، منطقيًّا، أنّ هذا الشكل من أشكالِ الكينونة الذي يعي الوجود يؤلّف بداية كلّ كائن ومبدأ، يعني ذلك أيضًا أنّ عمليّة وعي الكينونة ليست سوى ظاهرة ثانويّة وعرضيّة برزت خلال التطوّر.

إنطلاقًا من هذا المفهوم، وبالفعل ذاته، يتكوّن لدينا تعريفُ "الرّوح"، فيجب تعريفه بأنّه الكائن الذي يعي ذاته، الكائنُ الحاضر بالنسبة إلى ذاته.

إذًا، فإنّ الحلّ الفكرانيّ المثاليّ لمسأليّة الكينونة يفترض المفهوم القائل بأنّ طبيعة "الكينونة" تقوم دائمًا على كونها معقولةً من وعي فريد.

 أي إنّ وحدة الوجود قائمة في هويّة الوعي الكلّي الفريد الذي إنّما تمثّلُ الكائناتُ المتعدّدة مختلف ومضاته.

 

الإيمان المسيحيّ لا يتطابق وأيًّا من هذين الحلّين. من المؤكّد بالطبع، أنّه هو أيضًا يقول بأنّ "الكينونة" تقوم على كونها "موعاةً". المادّة، من ذاتها، تحيل إلى ما يتعدّاها، إلى الفكر الذي سبقها والذي هو آصَلُ منها.

 

لكنّ الإيمان المسيحيّ يخالف ما يقول به المذهب الفكرانيّ (المذهب المثاليّ) الذي يجعل من جميع الكائنات "ومضاتٍ" من الوعي الشامِل الكلّ، فيقول: الكينونة هي أن تكون مفكورة، (معقولة)، لكن لا بمعنى أنّ الكائن لا يظلّ قائمًا إلاّ إذا ظلّ مفكورًا (معقولاً) بحيث إنّ مظهر إستقلاله الذاتيّ، إذا ما أنعمنا النظر فيه، من شأنه أن يتكشّف عن كونه مجرّد مظهر.

 بل إنّ الإيمان المسيحيّ يؤكّد، بالحريّ، أنّ الكائنات موعاةٌ من وعي خلاّق، وناجمةٌ عن حريّة خلاّقة، وأنّ هذا الوعي الخلاّق الذي يسند وجود جميع الأشياء قد منح كلاّ من هذه الكائنات حريّة الكينونة الذاتيّة المستقلّة.

 

بهذا يتخطّى الإيمان المسيحي كلّ فكرانيّة محض.

 

 لقد تبيّن لنا أنّ الفكرانيّة (المذاهب المثاليّة) تعتبر أنّ الواقع بأكمله هو ما يتضمّنه وعيٌ فريد، أمّا المفهوم المسيحيّ فيرى أنّ مبدأ كلّ شيء يقوم على الحريّة الخلاّقة التي تهَبُ الشيءَ الذي تكون قد فكَرَتْه حريّة أن يكون كائنًا مستقلاًّ.

 بهذه الطريقة يصبح الكائن كائنًا في ذاته، إلى كونه مفكورًا من وعي فريد.

ممّا سبق نستنتج، في آن واحد. جوهر مفهوم الخلق، ومفادُه أنّ الأنموذج الذي وِفْقَهُ ينبغي فهمُ عمليّة الخلق لا يتمثّل في صورة الصّانع، إنّما في صورة الرّوح الخلاّق، الفكر الخلاّق.

وهكذا تبدو فكرةُ الحريّة على أنّها هي السّمةُ المميّزة للإيمان المسيحيّ بالله تعالى، وهي التي تفرّق هذا الإيمان عن أيّ نوع من أنواع المذاهب الواحديّة.

 فالإيمان المسيحيّ لا يردّ أصل كلّ حقيقةٍ واقعيّة إلى وعي من النّوع غير المعيّن، بل إلى حريّةٍ خلاّقةٍ هي، بدورها، تخلق حريّات.

بهذا المعنى يستأهلُ الإيمانُ المسيحيّ، بأعلى درجة من درجات الجدارة، أن يُسمّى: فلسفة الحريّة.

 بالفعل، فهو لا يرى أنّ وجود الوعي الذي يشمل جميع الكائنات، ولا الواقع الماديّ وحده، يفسّران وجودَ الحقيقة الواقعيّة الكليّة، بل يرى أنّ ثمّة حريّة عاقلة مفكّرة هي التي تخلق، بفعل تفكيرها، كائناتٍ حرّة، جاعلةً هكذا من الحريّة الشكل الذي يؤلّف نسيجَ الوجود.

 

 

 

ثانيًا، الإله الشخصي

إذا كان الإيمان هو، في الدرجة الأولى، خيار يقول بأوّليّة "اللّوغوس" المعنى، وإذا كان إيمانًا بوجود حقيقة سابقة هي المعنى الأعلى الخلاّق الذي يحمل وجودَ العالم، فهو أيضًا إيمان بأنّ هذا المعنى الأعلى له قِوام شخصيّ.

 فمؤدّى الإيمان المسيحي أنّ الفكر الأصليّ الأعلى الذي أنتج العالم ليس هو وعيًا مغفلاً وحياديًّا، بل هو حريّة، وحبّ سام خلاّق، وشخص أسمى.

 أي إنّ الإيمان المسيحي هو أيضًا خيار يقول بأوّليّة الفرديّ على العامّ.

 فالحقيقة الواقعيّة الأسمى ليست الكينونة العامّة بل الكينونة الفرديّة، هكذا يكون الإيمان المسيحي أيضًا خيارًا يقول بالإنسان، هذا الكائن المنفتح على اللاّنهاية، والذي لا يمكن ردّه إلى ما سواه، وبالفعل ذاته يكون الإيمان المسيحي خيارًا يقول بأوّليّة الحريّة ممّا ينفي أوّليّة الحتميّة الكونيّة.

 

وهذا ما يُبرز ميزة الإيمان المسيحي النوعيّة بالمقارنة مع جميع أشكال الخيارات الأخرى التي اعتمدها العقل البشري. ويصبح الموقفُ الذي يتّخذه الإنسان الذي يتبنّى قانون الإيمان المسيحي واضحًا تمام الوضوح.

من السّهل البرهانُ على أنّ الخيار الأوّل - أوّليّة "اللّوغوس"، بالنسبة إلى المادّة المجرّدة - غير ممكن من دون الخيار الثاني والخيار الثالث، أو بالأحرى نقول إنّ الخيار الأوّل، إذا ما نُظر إليه وحده، لا يتعدّى أن يكون موقفًا فكرانيًّا (مثاليًّا) محضًا، ولن يرتسم خطّ الفصل بين الفكرانيّة (المذهب المثالي) والإيمان المسيحي الذي يختلف كثيرًا عن الفكرانيّة، إلاّ إذا ضممنا إليه الخيارين الآخرين، أعني الخيار القائل بأوّليّة الفرديّ، والخيار القائل بأوّليّة الحريّة.

من شأن هذا الموضوع أن يتطلّب الكثير من الشرح. أمّا نحن فلنكتفِ ببعض الإيضاحات الضروريّة ولنطرح، بادئ الأمر، هذا السؤال:

 

 ما هو المقصود عندما نؤكّد أنّ اللّوغوس "المعنى" الذي يمثّل العالم فكره، هو شخصٌ وأنّ الإيمان، تبعًا لذلك، هو خيار يقول بأوّليّة الفرديّ بالنسبة إلى العامّ؟

يمكننا الجواب بطريقة جدّ بسيطة:

إنّ ذلك يعني، في نهاية المطاف، أنّ هذا الفكر الأعلى الخلاّق، قاعدُ وجودِ كلّ شيء ومبدأُه، هو فكرٌ يعي نفسه حقًّا، بل لا يكتفي بأن يعرف ذاته، إنّما يعي أيضًا كلّ ما يفكره. وهذا معناه، إضافة إلى ما سبق، أنّ هذا الفكر الأعلى ليس يعرف فحسب، بل إنّه يُحبّ أيضًا، إنّه خلاّق إنطلاقًا من كونه حبًّا، وإنّه أيضًا وأيضًا، وذهابًا من كونه قادرًا، لا على المعرفة فحسب، بل على الحبّ كذلك، قد أرسى وجودَ ما فكَرَه على الحريّة وجعله كائنًا مستقلاًّ، لقد "وضّعه"، مانحًا إيّاه كيانًا ذاتيًّا خاصًّا.

 

 خلاصة القول أنّ الفكر الأعلى الذي نحن في صدده يعرفُ ويُحبّ ويَحملُ بحنانٍ موضوعَ فكرِه الذي غدا كائنًا مستقلاًّ.

 وها نحن قد عدنا من جديد إلى هذه النقطة التي تستقطب كلّ أفكارنا:

 عدمُ الإنحصار بما هو الأكبر، بل الإنحصار بما هو الأصغر، ذاك هو الإلهيّ.

 

لكن إذا كان لوغوس - "معنى" - كلّ ما هو موجود، إذا كان الكائن الأعلى الذي يحمل وجود الكلّ ويشمل الكلّ هو وعيًا أعلى، وحريّةً عُليا وحبًّا أعلى، عندئذ لا يعود من المنطقيّ القول بأنّ الحقيقة الأسمى في العالم ليست الحتميّةُ الكونيّة بل الحريّة.

 

وعلى هذا تترتّب نتائج في غاية الأهميّة. لأنّ الحقيقة تصبح، نوعًا ما، بنية العالم الحتميّة، وبالتالي فإنّ العالم لا يمكن فهمه إلاّ بصفته "غير مفهوم". إنّه، حتمًا، غيرُ قابل الردّ إلى التصوّر. لأنّه إذا كانت واسطةُ العقد في العالم هي حريّةٌ تحمل العالم وتريده وتعرفه وتحبّه بأكمله بصفته حريّةً، عندها يصبح العنصر غير المتوقّع، الملازم للحريّة، جزءًا جوهريًّا من عناصر العالم.

 

 إنّ اللاّتوقّع هو أحد مستلزمات الحريّة.

 

والحال كذلك، لن يكون من الممكن أبدًا ردُّ العالم بأكمله إلى النظام المنطقيّ الرياضيّ. لكن إلى جانب هذا المظهر الجريء والعظيم من مظاهر عالم يتّسم بسِمة الحريّة في بنيته، يبرز كذلك سرّ العنصر الشيطانيّ المظلم الذي يؤلّف الوجه المعاكس له.

 

 إنّ عالمًا خُلقَ وأُريد بما فيه من مجازفة الحريّة والحبّ لن يستطيع أن يكون نظامًا] رياضيًّا محضًا. إنّه مَرتعٌ للحبّ، وهو، بالفعل ذاته، مرتع تجول فيه الحريّة وفيه يزمجر خطر الشرّ.

 

 لكن هذه المجازفة الناجمة عن سرّ الظلمة يخوضها العالم سعيًا إلى النور الأكبر الذي يؤلّفه الحبّ والحريّة.

إنّنا نرى من جديد، عبر مثل هذا المنظور، أنّ مقولتي الأقصى والأدنى، الأكبر والأصغر، تتحوّلان.

 

 ففي عالم ليس في التحليل الأخير، رياضيًّا، بل حبّ، الحدُّ الأدنى هو فعليًّا حدٌّ أقصى؛ فأصغر الكائنات، القادر أن يحبّ، يُصبح أكبَرَها؛ والفرديّ يفوق العام، والشخص، هذه الحقيقة الفرديّة في الزمن وغير القابلة للتكرار هي في الحين نفسه الحقيقة النهائيّة الأسمى.

 

 ليس الشخص، في مثل هذه الرؤية للعالم، مجرّد فرد، مجرّد صورة منسوخة ناجمة عن تجزّؤ الفكرة الكليّة وتوزّعها في المادّة، إنّما هو "شخصٌ" بالتمام.

 

 يرى الفكرُ الإغريقيّ أنّ الكائنات الفرديّة الكثيرة، بما في ذلك البشر، ليست سوى أفراد وجدوا نتيجة لعمليّة التجزئة التي أحدثتها المادّة في الفكرة الكليّة. فبهذا المعنى تظلّ الكثرة دائمًا حقيقةً ثانويّة، فيما الواقع الحقيقيّ لا يقوم إلاّ في الوحدة وفي الشمول.

 

أمّا المسيحيّ فلا يرى في الإنسان فردًا، بل شخصًا.

في هذا الإنتقال من الفرد إلى الشخص يظهرُ، على حدّ ما رأى، كلُّ مسافة الدّرب الممتدّة من العصور القديمة إلى المسيحيّة، من  الأفلاطونيّة إلى الإيمان.

 فهذا الكائن المحدّد ليس قطعًا شيئًا ثانويًّا من شأنه، فقط، أن يتيح لنا أن نلمح، بصورة مجزّأة، الحقيقة الواقعيّة الشاملة، التي هي وحدها حقيقيّة. فهو حدٌّ أقصى من حيث كونه حدًّا أدنى. وهو حقيقة واقعيّة عليا وأصيلة، من حيث كونه واقعًا مفردًا في الزمان وغير قابل للتّكرار.

هلمّ نخطو خطوة أخيرة: فإذا كان الأمر كذلك، أي إذا كان الشّخص يفوق الفرد، إذا كان المتعدّد واقعًا حقيقيًّا وليس شيئًا ثانويًّا فقط، إذا كان ثمّة أوّليّة للفرديّ بالنسبة إلى الشامل، عندئذٍ لن تكون الوحدة هي الحقيقة الواقعيّة الوحيدة، بل عندئذ يكون للمتعدّد أيضًا حقوقُه الخاصّة الثابتة.

 

إنّ هذا الإثباتَ النابع من الخيار المسيحيّ وفق ضرورة داخليّة يقودنا عفويًّا إلى تجاوز المفهوم القائل بأنّ الله ليس سوى وحدة.

 

 فالمنطق الداخليّ للإيمان المسيحيّ بالله يحتّم تجاوز المفهوم التوحيديّ المجرّد ويقود إلى الإيمان بالله الواحد والثالوثي.

 

 

                                                                         جوزيف راتسنجر

           

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية