الرعاية تفرض المحبّة

 

 

الرعاية تفرض المحبّة

 

 

يشبّه المسيحُ نفسه بالراعي وتلاميذَه بالخراف. بل إنّه تشبيه يتكرَّر مرّات كثيرة في الكتاب المقدَّس، في عهدَيه القديم والجديد. فعلاقة الربّ مع شعبه شبيهة بعلاقة الرّاعي مع الخراف. إنّها علاقة مبنيَّة على المعرفة والمحبَّة. وليس في ذلك تحقير للإنسان، بل بالعكس.

 

ففي حضارة ريفيَّة وزراعيَّة التشبيه طبيعيّ للتعبير عن العلاقة الوطيدة والحميمة التي تربط الله بالشعب.

 

هذه العلاقة قد تصل في بعض الأحيان إلى درجة العلاقة الشخصيَّة وحتّى البنويَّة. وغالبًا ما نرى الكتاب المقدَّس يستعملها ليؤكِّد أهميَّتها وعمقها وخطورة التعدّي عليها.

 

وعن مثل هذه العلاقة يتحدَّث يسوع في الفصل العاشر من الإنجيل بحسب يوحنّا، عندما يقول عن نفسه إذ هو الراعي الصَّالح الذي يعرف خرافه وخرافه تعرفه. إنّه يدعوها باسمها فتتبعه لأنّها تعرف صوته.

 

مسؤوليَّة الرّاعي الأولى هي رعاية الخراف وحمايتها. فلا يهرب عندما يداهمها الخطر ولا يتركها للذئاب لتخطفها وتبدّدها والويل للراعي الذي لا يهتمّ بالخراف، والذي يخون الأمانة ولا يتحمَّل المسؤوليَّة. مثل هذا الراعي سينال العقاب.

 

الرعاية تفرض المحبَّة

الراعي الصالح يحبّ الخراف ويضحّي بنفسه في سبيلها. أمّا الأجير فتبقى علاقته بها سطحيَّة، وعلاقة مصلحة. الميزة الأُولى للراعي هي أن يكون محبًّا. والمحبَّة الحقيقيَّة هي في بذل الذات. هذه المحبَّة لا أكبر منها ولا أعظم (يو 15/ 12 - 13).

 

المحبَّة الحقيقيَّة هي أن يحبّ الإنسان دون حساب. لذلك فعليه أن يثق بالمحبوب ويسلِّم أمره إليه. والمحبوب الأوَّل هو الله، إذ لا محبَّة بدونه، لأنّه هو المحبَّة بالذات. وبالتالي فكما يقول يسوع لبطرس، مقياس المحبَّة الحقيقيّ هو في "أن يمدَّ يديه، ليمنطقه شخص آخر ويقوده إلى حيث لا يشاء".

 

 

قبل مغادرة القطيع، يريد المسيح أن يتأكَّد من أنّه بين أيدٍ أمينة. بعد إختياره للرّسل، إختار بطرس وأقامه رئيسًا عليهم. لكنَّهم ما زالوا خائفين، يعيشون في قلق على المصير بعد ذهابه. فماذا تُراه سيحلّ بالقطيع إذا كان الرّعاة جبناء خائفين؟

 

كلّهم هربوا وتركوه وحده. وأكثر من ذلك، فذاك الذي "تمرجل" مرّات عدَّة وقال إنّه مستعدٌّ للموت في سبيله، وإنّه لن يترك أحدًا يمدّ إليه يدًا، ها هو عند ساعة الحقيقة يتراجع وينكره ثلاث مرّات... فهل هو جدير بعد بتحمُّل المسؤوليَّة؟

 

نعم! بالرغم من كلِّ شيء، شرطَ أن يعلن أمام الجميع محبَّته للربِّ... وعلى الأقلّ ثلاث مرّات، كما أنكره ثلاث مرّات: "أنت تعلم كلَّ شيء... وتعلم أنّي أُحبُّك".

والمحبَّة تستر كلَّ الذّنوب: "أَحبِب واصنع ما تشاء" يقول أوغسطينوس لأنَّك إذّاك لن تعمل إلاّ ما يرضي المحبوب.

المحبَّة هي الأساس. متى وُجدت تلاشت كلّ الصعوبات والعراقيل. وبما أنَّ بطرس يحبُّ يسوع، لذلك يحقّ له أن يرعى القطيع وهو بالتأكيد، سوف يقوده إلى المرعى الخصب.

 

موقف بطرس من يسوع، كم هو شبيه بمواقفنا المتأرجحة غالبًا بين الإيمان والشكّ، وبمواقفنا المتقلِّبة بين الإيمان الرّاسخ والمتين والحما السطحيّ والمتعصِّب. إنّنا غالبًا ما نكرِّر في أقوالنا وكلامنا أنّنا مع المسيح حتّى الموت... وبأنّنا، ولئن تركه الجميع، فنحن على إيماننا به ثابتون كم مرَّة "نستلّ السّيف من غمده" (يو 18/ 10) لنقاتل من نسمِّيهم أعداء المسيح؟

 

 كم نتباهى بأنّنا نحبُّه ونحن مستعدّون للموت في سبيله، وبالرغم من ذلك ننكره، ليس فقط ثلاث مرّات، بل مرّات ومرّات كلَّ يوم...

 

هذا على الصّعيد الفرديّ... فما ترانا نقول على الصّعيد الإجتماعي؟ أين نحن أبناء القطيع الصّغير من هذه الأمانة، نحن الذين أرادنا الله أقليَّة في هذا الشرق لنشهد لإسمه ونجسِّد وجوده؟

 ألسنا نتنكَّر له كلَّ يوم وننكره ونهرب؟ فنهاجر إلى بلاد بعيدة لنطمئنَّ ماديًّا إلى الغد، غير مبالين بالغد المسيحيّ في بلادنا؟

 

ألا نستلّ غالبًا السّيف معتقدين أنّه ضمانة لمستقبلنا متناسين أنّنا وُجِدْنا لنكون شهودًا وشهداء وأنّه لم يعد من حقِّنا بعد ذلك، إن نحن حقيقة أحببناه، أن نمضي إلى حيث نشاء، بل أن نتركه هو يمنطقنا ويذهب بنا إلى حيث هو يريد؟

 

الأب جورج أبو جوده

 

  

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية