السلام الداخليّ

 

 

 

 

 

السَلام الداخليّ

 

ولذلك أقول لكم: لا يهمّكم للعيش ما تأكلون ولا للجسد ما تلبسون. أليست الحياة أعظم من الطعام، والجسد أعظم من اللباس؟ أنظروا إلى طيور السماء كيف لا تزرع ولا تحصد ولا تخزن في الأهراء، وأبوكم السماويّ يرزقها. أفلستم أنتم أثمن منها كثيرًا؟ ومَن منكم، إذا اهتمّ، يستطيع أن يضيف إلى حياته مقدار ذراع واحدة؟

 

ولماذا يهمّكم اللباس؟ إعتبروا بزنابق الحقل كيف تنمو، فلا تجهد ولا تغزل. أقول لكم إنّ سليمان نفسه في كلّ مجده لم يلبس مثل واحدة منها. فإذا كان عشب الحقل، وهو يوجد اليوم ويطرح غدًا في التنّور، يلبسه الله هكذا، فما أحراه بأن يلبسكم، يا قليلي الإيمان!

فلا تهتمّوا فتقولوا: ماذا نأكل؟ أو ماذا نشرب؟ أو ماذا نلبس؟ فهذا كلّه يسعى إليه الوثنيّون، وأبوكم السماويّ يعلم أنّكم تحتاجون إلى هذا كلّه. فاطلبوا أوّلاً ملكوته وبرّه تزادوا هذا كلّه. لا يهمّكم أمر الغد، فالغد يهتمّ بنفسه. ولكلّ يوم من العناء ما يكفيه" (متى 6/ 25 - 34).

أنظر إلى العشب، أنظر إلى الطبيعة، كلّها تعيش في سلام دائم، تؤمن يقينًا بأنّ الله يُعيلها. ليس لها عقل تفكّر به، لكنّها في حالة طبيعيّة تجعلها تتصرّف وكأنّها على يقين بأنّ هناك كيانًا أوجدها، وهو يتكفّل بها.

هذا الإحساس نسمّيه الإيمان، فهو الشعور بأنّه ما يحدث لي، إذا أرجعته إلى الله بثقة، أؤمن بأنّه يُحَوِّل الشرّ إلى خير.

 

 فأيّ أحداث تمرّ في حياتي، وأيّ مصيبة، وأيّ خطأ إذا رفعته إليه، وقلت له: أقدّم إليك هذا، وأنت تعرف أنّي لا أملك الحلّ، وأشدّد على الجملة الأخيرة (لأنّي لا أملك الحلّ). فإذا كان لديّ حلّ، وجب عليّ أن أتدخّل وأصحّحه أوّلاً، لأنّ الله منحني عقلاً ولسانًا ويدَين ورجلَين حتّى أعمل كلّ ما أستطيع أن أعمله. وفي النهاية، إذا لم أجد الحلّ، وإذا حاولت وجرّبت وفشلت، ووجدت الطريق مسدودًا أمامي، فإمّا أن ينتابني اليأس والقلق، أو ألجأ إلى الإيمان.

هناك مواقف في حياتنا تحتاج إلى حلول بسيطة، فإذا تقاعستُ واكتفيت بأن ألقيها على الله أُخطئ، وكثيرًا ما نردّد عبارة "كلّه على الله". هذا غير صحيح، فعلى الله الحالات الميئوس منها، وعليك أنت جميع الحالات التي تستطيع معالجتها.

 

على الإنسان أن يعمل كلّ ما يمكنه عمله لإصلاح ما فسد من أموره، وتبقى بعض الحالات التي لا نجد لها حلاًّ. فعلى سبيل المثال، وفاة أحد الأقارب: هل أملك حلاًّ لها؟ ماذا أستطيع أن أفعل؟ أو حين يرسب أحد الأشخاص في الإمتحان، أو إن أُصيب إنسان بمرضٍ فتّاك كالسرطان، أو إن أجرى طبيبٌ عمليّة جراحيّة لمريض تسبّبت بإحداث عاهة مستديمة له، أو بوفاته، فهذه أحداث قد نتعرّض لها، ونحن غير مسؤولين عنها، أو قد نكون قد تسبّبنا ببعضها من دون قصد.

 

كيف نستطيع في هذه الحالة أن نعيش في سلام داخليّ؟

الردّ واحد وهو الإيمان، فهو الحلّ النهائيّ حين نجد الطريق مسدودًا أمامنا.

 

 

قد يرى بعضهم أنّ في هذا نوعًا من الإتّكاليّة، لكنّ الأمر ليس كذلك. فالإتّكاليّة هي إيمان مزيّف، أمّا حين أعمل كلّ ما أستطيع عمله وأظلّ غير قادر، وأبحث عن حلّ فلا أجده، وأقول: "يا ربّ، يا إله المستحيل، هذا طريق مسدود، وأنا غير قادر على إجتيازه. فهو فوق طاقتي. يا ربّ المستحيل، أنت على كلّ شيء قدير". فالإيمان يحوّل الشرّ إلى خير، ولا شكّ.

هذه هي قدرة الإنسان في الحياة. فالإيمان قوّة خارقة، بمعنى أنّ كلّ ما سأبذله بقواي وما  سأعمله لأصل إلى السلام الداخليّ هو صحيح، لكنّه غير كافٍ.

ستلاحظ في بعض الأوقات أنّ جهدك الشخصيّ لا يصل إلى المستوى المطلوب للحصول على هذا التوازن الذي تنشده. ذلك القهر للغرائز، وتلك السيطرة على النّفس، ستلاحظ أنّ في نفسك نوعًا من العجز، فتصرخ:

"يا ربّ أنا غير قادر.... أنقذني". هذه الكلمة هي صرخة الإيمان، أنقذني لأنّي غير قادر وحدي.

 باب الإيمان مفتوح أمامك، وتستطيع أن تصرخ إلى الله وتقول له: "آمنت، فشدّد إيماني الضعيف!" (مر 9/ 24).

سلام الإنسان الداخليّ يتحقّق حين ينفتح على هذه القوّة العليا التي يجد فيها الطمأنينة.

 

هكذا فعل التلاميذ في السفينة حين صرخوا "يا ربّ، نجّنا، لقد هلكنا" (متى 8/ 25). فمَن غيرُه يقدر على عواصف الحياة؟

هذه نظرة في غاية الأهميّة، وهي سرّ سلامك الداخليّ. فأنا أعيش في سكينة، لا لأنّي لا أصادف مشاكل، بل لتمسّكي بالإيمان.

 

يد الله في يدي دائمًا. وهناك مزمور 91 كلماته تدور في هذا المعنى: "الساكن في كنف العليّ يبيت في ظلّ القدير...". حبّذا لو تحفظه عن ظهر القلب، وتردّده في أوقات الضيق، إن كانت لديك مشكلة أو كان هناك خطر يتهدّدك، أو صادفتك عقبة لم تستطع تخطيّها. في جميع هذه الأحوال يمكنك أن تصلّي هذا المزمور.

قد لا أستطيع حَلّ مشكلةٍ ما في بعض الأحيان، لكن بمقدوري أن ألجأ إلى الله وأقول له: "ربّي أنا إبنك، وأنت أبي".

 إنّ هذا الإحساس بأبّوة الله في حياتي هو إحساس صميمي: "الربّ نوري وخلاصي فمِمّن أخاف؟ الربّ حصن حياتي فمِمّن أفزع؟" (مزمور 27).

 

أنا لا أخاف، فهذا هو إيماني، وأريد أن أنقل إليك، عزيزي القارئ، عدوى هذا الإيمان، فهو نعمة كبيرة منحني الله إيّاها. أشعر بأنّه يمسكني في كلّ لحظة من لحظات حياتي. لا أخاف لأنّي أعلم أنّ جميع المتاعب ستزول بشرط أن أبذل كلّ ما أستطيع، وأشعر بندم حين أكون مقصّرًا.

 يا ربّ أنا مخطئ ونادم على ذلك، والآن أنا غير قادر على تحمّل المزيد. هذه هي صرخة الإيمان.

إن لم يكن لدينا في حياتنا اليوميّة هذه النافذة المفتوحة، سنعيش في يأس وقلق.

 

لكن أودّ أن أشير إلى أنّ الموضوع لا يتوقّف على نظرة فلسفيّة أو إقتناع عقليّ فقط، بل هذه نظرتي الإيمانيّة التي أبنيها على أنّ الله على كلّ شيء قدير، وهو أبي. ربّ المستحيل هو أبي، وأنا إبنه الصغير.

 

يكفيك أن تؤمن بحبّ الله لك

حين أفحص ضميري، قد أسأل نفسي: "هل أنا أحبّ الآخرين؟ لكنّ السؤال الأوّل يجب أن يكون: هل أنا مؤمن إيمانًا عميقًا بأنّني محبوب من الله؟ هذا هو الإيمان.

 

كثيرًا ما نردّد في صلواتنا: يا ربّ أنا أحبّك من كلّ قلبي... وبكلّ روحي... وكلّ قوّتي... وكلّ حياتي. هذه كذبة كبيرة، فمَن منّا يستطيع أن يَدّعي أنّه يحبّ الله كذلك؟! بالنسبة إليّ شخصيًّا، قد أجريت تعديلاً على هذه الصلاة، فأقول: "يا ربّ أنا أؤمن بأنّك تحبّني بكلّ قلبك، وبكلّ قدرتك، وبكلّ ما فيك". لقد حوَّلتُ فعل المحبّة إلى الإتّجاه العكسيّ: أؤمن بحبّك... أؤمن بأنّك تحبّني بكلّ ما فيك.

للأسف الشديد، إيماننا بحبّ الله غير مكتمل. فنحن نردّد: "الله يحبّني". لكنّي أتصوّر أنّ أيّ خطأ يصدر منّي يجعله ينظر إليّ نظرة لوم، لذا أنا مضطرّ إلى أن أرضيه، لأنّي سوف أحتاج إليه حتى يقبلني في ملكوته بعد موتي.

 

إذا كان هذا مفهومنا عن حبّ الله فنحن لم نفهم حتى الآن حبّه الكبير.

 

بالنسبة إليّ شخصيًّا، كلّما كنت أقابل والدتي، كنت أزداد فهمًا لحبّ الله: حبّ بلا شروط ولا قيود. وحين كنت أذهب إلى زيارتها لتناول الغذاء معها وأحضر معي بعض الهدايا، كانت تغضب وتلومني، فاضطررت إلى عدم تكرار ذلك حتى تكون راضية عنّي.

 

وفي حياتي المسيحيّة، ما يُطلَب منّي أوّلاً هو الإيمان، لا أعمال معيّنة، بل الأعمال التي تأتي نتيجة لهذا الإيمان، الإيمان بحبّ الله.

 فأستطيع أن ألخِّص المسيحيّة في هذه الكلمات: "إيمان بحبّ الله المطلق"، وهذا ما يجعل المسيحيّ يعيش رسالته. وعندنا نصوص في رسائل القدّيس بولس (روم 3/ 21 - 31 وغل 2/ 15 - 21، 3/ 1 - 29 وفل 3/ 9 - 10)، إذا طالعتها، تجد غنى غير معقول في موضوع الإيمان.

 

للأسف الشديد، نحن نعيش كالفرّيسيّين واليهود، معتقدين أنّنا نتبرّر بأعمالنا: أصوم مرّتين في الأسبوع... أقدّم عشوري إلى الفقراء، ولسان حالي يقول مع الفرّيسيّ: "اللهمّ، شكرًا لك لأنّي لست كسائر الناس السّراقين الظالمين الفاسقين، ولا مثل هذا العشار؟ إنّي أصوم مرّتين في الأسبوع، وأؤدّي عُشر كلّ ما أقتني" (لو 18/ 11، 12). نحاول أن نتبرّر بالأعمال، وكأنّي أقول: لترى يا الله كلّ ما أفعله من أجلك، فهل هذا يرضيك؟

حبّة مجّاني

لا تحاول أن تشتري حبّ الله لك، فهو حبّ مجّاني بلا مقابل ولا حدود، ولا يتطلّب منك أعمالاً. لا تتعجّب، فالأعمال ستأتي ردًّا على هذا الحبّ، لا شرطًا له، والفرق كبير بين الحالتين.

 

 يعتقد بعضهم أنّه شرط، لكنّه يقول لك: "لا تقل لي: ماذا فعلت، فأنا أحبّك لشخصك، لأنّك إبني، إبني الحبيب". وقبول هذا الحبّ المجّاني يُمثّل قيمة كبيرة في حياتنا.

يكمن عمق الدين المسيحيّ في الإيمان بحبّ الله لنا، وفي الإحساس بفقرنا التامّ، فطوبى للفقراء بالرّوح (متى 5/ 3).

 

إنّي أتقدّم إلى الله فقير الرّوح، متمثّلاً بالابن الضالّ، الذي عاد هو وهو لا يملك شيئًا يقدّمه إلى والده.

 

وهذه النقطة تتلخّص في كلمة واحدة هي النعمة، فإنّها عطاء مجّاني من الله للإنسان، وعلى الإنسان أن يتقبّله بشكر. وكلمة نعمة هي كلمة غنيّة جدًّا، فهي تعني عطاءً مجّانيًّا، وبالفرنسيّة (Grâce)، ومنها كلمة (Gratis) التي تعني "مجّاني". هذه حقيقة هامّة تضع الإنسان في موقعه الصحيح.

 

كلّ ما لديك هو عطاء من الله. الشكل الجميل هو عطاء من الله، فهل أنا صمّمت جسمي وملامح وجهي؟ طبعًا لا. وهذا شخص ذكيّ وناجح في دروسه بتفوّق، فمَن الذي خلق الذكاء فيه؟ إنّه الله. هذا الموقف يجعل الإنسان يتقبّل المديح بطريقة بسيطة. حين تسمع أحدًا يمدحك، فإن أخذته لنفسك، خلق فيك الشعور بالغرور والكبرياء والإعتزاز بالنّفس، لأنّ كلمات الثناء دخلت فيك ولم تخرج. لكنّ هناك مديحًا يدخل إلى الأذن ليخرج مرّة أخرى، كأنّك تقولين: أنا جميلة... والحمد لله، وأنا سعيدة لأنّ الله خلقني كذلك، وأنا ذكيّة، وأشكر الله لأنّه جعلني كذلك.

 

حركة قبول وعطاء، وحين لا يوجد بعد القبول تقدمة وعطاء لإعادة الشيء إلى الله، يحدث إختناق كالشجرة التي تحبس الحياة، وبدلاً من أن توزّعها على الفروع، تحتفظ بها لنفسها.

 

الحياة، حين لا تعطي، تكون موتًا: "كلّ غصن فيَّ لا يثمر يفصله" (يو 15/ 1)، وأيضًا: "مَن حفظ حياته يفقدها، ومَن فقد حياته في سبيلي يحفظها" (متى 10/ 39).

 

هذا هو قانون الحياة، وسُنّة الوجود: هي حركة الأخذ والعطاء باستمرار، قبول النعمة من ناحية، وشكر الله عليها من ناحية أخرى، وفي هذه الحالة أستطيع أن أقبل مديح الناس لي.

فحين يقول لي أحدهم: يا أبونا كلمتك اليوم كانت مؤثّرة وعظيمة، أردّ وأقول: الحمد لله لأنّي لست إلاّ متكلّمًا.

مجّانيّة العطاء في النعمة هي نقطة يجب أن نشعر بها في حياتنا، ولا سيّما في عالم أصبح لكلّ شيء فيه ثمن، واختفت المجّانيّة من حولنا.

 

لعلّها لا تزال في المجتمعات البدائيّة، وكلمة "تفضَّل" تعني: تعال وتناول طعامك معنا بدون مقابل، لكن كلّما تطوّر المجتمع، إختفت المجّانيّة منه، حتى إنّ فتاة تتناول الغذاء مع أمّها في بلد أوروبّيّ تُضطرّ إلى دفع الثمن.

أصبحنا نطبّق هذا المبدأ في تصرّفنا مع الله: أنا محتاج إلى نعمة من الله، فأعتقد أنّه يجب أن أقدّم مقابلاً للنعمة التي أطلبها.

 

فإن كانت صغيرة، قد يكفي أن أوقد شمعة واحدة في الكنيسة، أو أن أتلو "أبانا الذي..." مرّة واحدة، وإن كانت كبيرة، أتصوّر أنّه يلزمني أن أوقد عشر شمعات، أو أتلو "أبانا الذي..." عشر مرّات، وهكذا.

ليست القضيّة في الكمّ، بل في الكيف.

 

ثق بأنّ الله لا يريد منك مقابلاً، بل يطلب الإيمان.

 

 لكنّنا ما زلنا متأثّرين بنظريّة تقول إنّ كلّ شيء ثمنًا، وهذا الإعتقاد يُفسد علاقتنا بالله، كما قد يُفسد علاقتنا بالآخرين.

 

وإذا استوعبنا فكرة مجّانيّة النعمة الإلهيّة، قد نستوعب أيضًا فكرة مجّانيّة العلاقات الإنسانيّة. إذا دعوتني إلى الغذاء، لا يتطلّب ذلك أن أدعوك إلى الغذاء في المقابل، وإذا أهديتك هديّة في عيد ميلادك، لا يتطلّب ذلك أن تعيد إليّ الهديّة في عيد ميلادي. المشاركة جميلة طبعًا، لكن هذا لا يتحقّق بأن أكتب قائمة بمَن جاملوني في كلّ مناسبة، حتى لا أنسى أن أردّ لهم ما قدّموه إليّ. هذا منطق مجتمع معيّن: بقدر ما تعطي تأخذ، وإن لم تعطِني، لن أعطيك.

 

حين تُقابل الله، هل تأتي بأيدٍ فارغة؟

 هل يقول لك: "نعم"، تعال بأيدٍ فارغة، فهو يزيدك.

 

 تعال إليه، لا لأنّ معك تقدمة، بل لأنّك لا تملك شيئًا لتقدّمه إليه، وهو سيعطيك.

 

تعال فارغ اليدين لأنّك تؤمن بحبّه، حبّ بلا شروط: هذا هو حبّ الله.

 

وعلينا أن نتعلّم منه، فهو النموذج الأعلى. وإذا كان مفهوم الحبّ في مجتمعنا قد تشوّه، فهذا يرجع أوّلاً إلى أنّنا فقدنا الإيمان بحبّ الله المطلق.

 

أصبح الحبّ بالنسبة إلينا فعلاً مشروطًا وموقوتًا، فعلاً يقبل التراجع. وهذه الإختبارات يمكن أن نسمّيها تجارب حبّ، حبّ مزيّف، لأنّ الإنسان فقد النموذج، ولأنّ نموذج الحبّ غير المشروط قد إختفى، وأصبح مفهوم الحبّ، عندنا نحن البشر، حبًّا إلى حدٍّ ما ولفترة ما.

 

 لكنّ حبّ الله غير مشروط، ومن خلاله لا يوجد حدث يهزّني، ولا يوجد ما ينزع منّي سلامي الداخليّ، فسلامي راسخٌ فيه.

 

لنتأمّل في نصّ القدّيس بولس إلى أهل رومة (الفصل الثامن): "فمَن يفصلنا عن محبّة المسيح؟ أشدّة أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم عريّ أم خطر أم سيف؟ فقد ورد في الكتاب: إنّنا من أجلك نعاني الموت طوال النهار ونُعَدّ غنمًا للذبح، ولكنّنا في ذلك كلّه فزنا فوزًا مبيّنًا بالذي أحبّنا. وإنّي واثق بأنّه لا موت ولا حياة، ولا ملائكة ولا أصحاب رئاسة، ولا حاضر ولا مستقبل، ولا قوّات، ولا علو ولا عمق، ولا خليقة أخرى، بوسعها أن تفصلنا عن محبّة الله التي في المسيح يسوع ربّنا" (روم 8/ 35 - 39).

ما أجمل هذا النشيد... مَن الذي يفصلني عن محبّة يسوع؟ هذا هو أساس إيماني، وهذا هو سبب سلامي.

حبّه لنا يغيّرنا

كنت أعرف إحدى الفتيات، ولم تكن تحظى بقدر من الجمال. وفي أحد الأيّام قابلتها، وكانت تبدو في جمال غير عاديّ، وتعجّبت كيف تغيّر شكلها بهذه الطريقة الملحوظة، فعرفت منها أنّها قد تمَّت خطوبتها. هذا الحدث أشعرها بأنّها مرغوب فيها، وفي الحال تغيّرت وبدت أكثر جمالاً. والإنسان بمجرّد أن يعرف أنّه محبوب من الله، يشعّ جمالاً.

وأنت، عزيزي القارئ، ربّما تكون قد مررت بتجربة حبّ في حياتك، أو ستمرّ بها في المستقبل. كن على يقين بأنّ هذه التجربة ستُحدِث ثورة فيك، لأنّك ستختبر معنى أن يكون الإنسان محبوبًا، حين تمثّل كلّ شيء في نظر الطرف الآخر. لكن، مهما كان الحبّ عميقًا بين طرفين من البشر، سيظلّ محدودًا.

 

هو أحبّنا أوّلاً

لقد كشف لنا المسيح عن محبّة الله الفائقة للبشر، وأحيانًا نتصوّر أنّ المسيحيّة هي الدين الذي يشجّع الإنسان ويحثّه على المحبّة. وهذا صحيح، لكنّه هناك ردّ فعل لسبب أوّليّ، وهو أنّ الله أحبّنا أوّلاً، ولذا نحن نحبّه: "أمّا نحن فإنّنا نحبّ لأنّه أحبّنا قبل أن نحبّه" (1 يو 4/ 19).

 

فعلى المسيحيّ أن يتساءل أوّلاً: هل أنا أشعر بحبّ الله لي، قبل أن يسأل: هل أنا أحبّ الله والآخرين؟ عليّ أن أقبل حبّه لي، وهذا إكتشاف جديد.

وكلمة "أشعر" قد تكون غير دقيقة، فالأصحّ أن أقول: أعرف وأتيقّن، فهو فعل إيمان، لأنّ الإيمان يسبق المعرفة والإحساس.

 

إنّه اليقين بأنّني محبوب منه. طبعًا، من المفضّل أن يكون مصحوبًا بالإحساس، لكنّ الإيمان يظلّ هو الفعل الأوّل.

 

كيف نبادله الحبّ بالحبّ؟

 

هنا تجدر الإشارة إلى أنّ حبّي لله هو صدى حبّه لي، بمعنى أنّ المبادرة ليست منّي، بل منه.

وأمام هذا الحبّ الغامر الذي يُشعرني بأنّني محبوب حتّى النهاية، أجدني مضطرًّا إلى أن أحبّه، فلا تعتقد أنّك، كمسيحيّ، إشتريت حبّ الله بحبّك له.

 

نحن نقول إنّه فدانا بدمه. ما معنى هذا التعبير؟

 

هذا يعني أنّه دفع الفدية. لقد أعطانا حبّه مجّانًا. لكنّ ردّنا على حبّه لا يشترط أن يكون تلقائيًّا، لأنّ المسيحيّ هو الذي يشعر بحبّ الله فيردّ تلقائيًّا على حبّه بحب من ناحيته.

ومن الصعب وضع إطار جامد لكلمة حبّ، فكلّ حركة تقاوم الأنانيّة هي حبّ، بل يمكن القول بأنّ كلّ حبّ، سواء اتّجه نحو البشر أو نحو الله، هو موجّه إلى الله من دون أن ندري.

فكلّ فعل يُخرجك من ذاتك ويُنمّي فيك روح التضحية يكون بالنتيجة حبًّا لله. إذًا لحبّ الله وجوه كثيرة جدًّا، ويتّخذ أشكالاً وألواناً. والمطلوب منك حركة اللاأنانيّة والخروج من الذات، وبمجرّد أن تحقّق هذه الحركة، تكون قد أحببت الله.

وحين أُحبّ أيّ شخص، يكون الله قد أحبّ من خلالي، لأنّي لست مصدر الحبّ، بل أنا أفتح فقط نافذة حبّه أو أوصدها، ولي الحريّة بأن أفعل هذا أو ذاك، وحين أوصدها أكون أنانيًّا لأنّي أمنع حبّه فيّ، وإن فتحتها يمرّ حبّه ويزداد فيّ.

 

كيف أُحبّ الله؟

بأن أمارس الأفعال التي تعبّر عن هذا الحبّ، فيحفظ وصاياه العشرة هو الحدّ الأدنى لذلك. لا تكتفِ بأن لا تقتل، فغالبيّة البشر، أيًّا كانت درجة إيمانهم، يمتنعون عن ذلك، حتى الملحدون منهم.

إنّ وصايا الله العشر هي الحدّ الأدنى، وُضِعَت لشعبٍ غليظ الرقبة. لكنّنا عبرنا هذه المرحلة، وهناك الكثير ممّا يجب فعله يبدو لنا أرقّ وأعمق من ذلك.

هل يطلب كلّ خطيب من خطيبته، في بداية مرحلة الخطوبة، قائمة بالأفعال التي تبغيها ليعبّر بها عن حبّه لها؟ أم أنّه، بدافع هذا الحبّ، سيخلق ظروفًا مناسبة، وأحاديث ومجالات ليعبّر عن مشاعره. أمّا الشخص الذي لا يحبّ فنجده مضطرًّا إلى أن يسأل كلّ من حوله عن الطريقة التي تعبّر بها عن مشاعره لخطيبته، فينصحونه أن يقدّم لها في عيد ميلادها هديّة، وفي مناسبة أخرى أن يقول لها هذا الكلام أو ذاك إلخ. إنّه محتاج إلى خطّة عمل مسبقة حتّى يعرف ما يجب فعله.

 

أمّا المحبّ فهو لا يحتاج إلى ذلك، لأنّه يملك شعورًا جارفًا في داخله.

 وفي المسيحيّة، هناك مؤمنون بكتالوج ومؤمنون بدون كتالوج: النوع الأوّل لا يشعر بنزعة الحبّ، ويحتاج إلى مَن يرشده في كلّ خطوة: هذه هي مرحلة العهد القديم.

 

هل تؤمن بحبّ الله لك؟

ما دمت لم تكتشف حبّ الله في حياتك، لن تستطيع أن تنعم بالسلام الداخليّ... السلام الرّوحيّ.

 فإنّ قلبك محتاج إلى صخرة يستند إليها ويتشبّث بها، في حين أنّ حبّ الإنسان، مهما كان قويًّا وعميقًا، هو محدود ومهدّد، إذ قد يمرّ بأزمات ومدّ وجزر.

 

 وحبّ الله المطلق في حياتي لا يعنيني لكوني راهبًا، بل على كلّ إنسان أن يكتشف هذا الحبّ. فمن خلال حبّ الخطيب أو الخطيبة، ومن خلال حبّ الصّديق أو الصّديقة، ومن خلال حبّ الوالدين، بل من خلال كلّ حبّ إختبرته، هناك حبّ أغنى وأعمق هو حبّ الله، حبّ لا يخون ولا يتراجع، وهو يمثّل الصخرة التي أبني عليها حياتي.

لقد بحث القدّيس أوغسطينس عن حبّ في حياته، وأخيرًا كتب في اعترافاته هذا الكلام:

 "خلقتنا لك يا ربّ، وقلبنا في قلق واضطراب ما دام لم يجدك".

 

 فالإنسان محتاج إلى قيمة الثابتة، وأجيب: ربّما، لكنّ الحبّ المطلق الذي ستكتشفه من خلال حبّ الله هو أرسخ وأعمق، ومعه تكون في سلام داخليّ دائم. فمن خلاله أستطيع أن أقول مع بولس الرسول:

"لأنّي عالم على مَن اتّكلت" (2 طيم 1/ 12).

 

                                                               الأب هنري بولاد اليسوعيّ  

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية