السّلام أمرٌ ممكن

 

 

 

 

السّلام أمرٌ ممكن

 

 

السّلام أمرٌ ممكن

 

إنّ ألوف الحروب حصلت في التاريخ المدوّن، وبالطبع أكثر منها حصل قبل التاريخ، وأتصوّر أنّ حروبًا كثيرة أخرى ستقع وتدوّن في المستقبل. والقول "ستقع وتدوّن" يعني أنّ التاريخ سيستمرّ، إذ حيث لا تدوين فلا تاريخ. في أقوال الربّ يسوع بالإنجيل، لا يوجد أيّ وعد أو أيّ تنويه بأنّ الحروب ستقطع قبل مجيئه الثاني. بل بالعكس، ففي ذاك الفصل العظيم من إنجيل القدّيس متّى (الفصل 24) الذي يسهب فيه الربّ يسوع عن ظروف مجيئه الثاني وعن العلامات التاريخيّة والكونيّة الدالّة على قرب هذا المجيء، نقرأ عن لسانه هو: "ستسمعون بالحروب وبما يشاع عن الحروب. فإيّاكم أن تجزعوا، فلا بدّ من حدوث ذلك، ولكنّها ليست هي الآخرة. ستقوم أمّة على أمّة، ومملكة على مملكة، وتحدث مجاعات وزلازل هنا وهناك. وهذا كلّه بَدءُ المخاض".

الشاهد في كلّ هذا أنّ الإنجيل  في بعض من فقراته الأشدّ هولاً وروعة وخشوعًا ينبئنا بالحروب "حتّى انقضاء الدّهر"، وبأنّ هذه الحروب "لا بدّ من حدوثها"، وبأنّ كلّ هذا إنّما هو "بدء المخاض". وبما أنّ المسيحيّ المؤمن يتطلّع في التاريخ فوق كلّ شيء إلى مجيء المسيح الثاني، وبما أنّ المسيح نفسه يقول إنّ أمّةً ستقوم على أمّة ومملكة على مملكة قبيل هذا المجيء، وبما أنّه لم يجئ بعد، وبما أنّه آتٍ بكلّ تأكيد، فواضح أنّ الحروب لم تنتهِ بعد في التاريخ.

إنّ نظرة الإنجيل إلى الحروب ونظرة يسوع إليها نظرة واقعيّة طبيعيّة هادئة، أبعد ما تكون عن التحليق في التمنيّات والخياليّات والعاطفيّات والمثاليّات.

إنّ كلّ حرب على الإطلاق نجمت عن مسبّبات مباشرة. وأوّل فصل في تاريخ كلّ حرب يتناول هذه الأسباب ويحاول إثباتها: هذا أو ذاك خطّط لهذه الحرب، أو كلاهما خطّطا لها، وهذا أو ذاك حشد الجيوش والمعدّات، وهذا أو ذاك كان المحرّض الأوّل أو كان البادئ بإطلاق النّار. أيًّا كانت الظروف والأحوال والتوتّرات التي نشأت وتراكمت قبيل الحرب أو في السّنين والعقود التي سبقتها، فكلّ حرب اندلعت بالفعل في لحظة معيّنة وبفعل قرار معيّن. أمّا اللّحظة فليست محتّمة، إذ كان بالإمكان تقديمها أو تأخيرها، وبالفعل حصلت هذه التقديمات والتأخيرات مرارًا في تاريخ الحروب. والقرار نفسه ليس محتّمًا، فعلى افتراض أنّ المقرّر، لسبب ما، مات بغتة قبيل قراره أو بعد القرار لكن قبيل التنفيذ، فالقرار لم يكن ليتّخذ، أو التنفيذ نفسه قد يتأخّر أو حتّى يتعطّل. وخلفاؤه في السّلطة قد يعيدون النّظر في القرار أو يتردّدون في اتّخاذه أو يلغونه، أو على افتراض أنّ مفاوضات دبلوماسيّة سريّة، أو اتّصالات ما، كانت قائمة قبل القرار، أو حتّى بعد القرار لكن قبل التنفيذ، وأنّها أدّت، أو أوشكت أن تؤدّي، إلى تسوية معقولة، أو إلى شيء من التفاهم، فالقرار لم يكن ليتّخذ أو التنفيذ لم يكن ليتمّ. هذا أيضًا ما حصل بالفعل في كثير من التوتّرات الدوليّة عبر التاريخ.

ينتج حتمًا من كلّ هذا أنّ حربًا واحدة لم تكن محتّمة في التاريخ كلّه، وأنّ كلّ حرب إطلاقًا كان بالإمكان تجنّبُها. بهذا المعنى إنّ السّلام في أيّ لحظة هو أمر ممكن، مهما كانت اللّحظة مشحونة بإمكان إندلاع حرب.

ومع كلّ ذلك، فالحروب وقعت وتقع وستقع. فمع أنّ الحرب ليست محتّمة، فليس محتّمًا كذلك حدوث ما يُبطِل القرار أو يؤخّر اللّحظة. نحن في هذا الصّدد أمام سرّ إنسانيّ رهيب، هو سرّ الحريّة.

 

الإنسان حرّ، والأحداث، أيًّا كانت، ليس في وسعها خنق حريّته خنقًا تامًّا. الإنسان حرّ في أن يتمرّد حتّى على عقله، حرّ في أن يخاطر حتّى بحياته. حرّ حتّى في أن ينتحر. وهكذا قلْ في الجماعات والأمم والشعوب، لأنّ هذه جميعًا بشر، وقادتها جميعًا بشر. والحريّة صفة ملازمة لكلّ ما هو بشر.

إنّ الحرب ليست محتّمة، وتجنّب الحرب ليس محتّمًا كذلك. بين هذين النطاقين اللامحتملين ترتع الحريّة. الإنسان حرّ في أن يرجّح كفّة الحرب أو يرجّح كفّة السّلام. والحريّة هنا تعني المسؤوليّة التاريخيّة التامّة. فإذا اعتمد الإنسانُ الحربَ فعليه أن يتحمّل تبعة اعتماده. في الحروب الفاشلة كثيرًا ما يتلف المعتدون قبل النهاية الوثائق الحاكمة عليهم، أو حتّى يبيدون الذين أسرّوا إليهم بالقرار كي لا يشهدوا عليهم فيحمّلوهم مسؤوليّة الحرب. وفي كلّ ظرف تُتّخذ الإحتياطات السريّة التامّة كي يبقى أمر مَن بدأ الحرب، من كان البادئ بإطلاق النار، مسألة غير مبتوت فيها، مسألة قابلة للنّقاش والجدل. وما يقال عن قرار الحرب وسريّته والحفاظ التامّ على هذه السريّة يُقال كذلك عن كلّ قرار لدى كلّ مسؤول يستتبع ذيولاً تاريخيّة مسؤولة.

 

الإنسان يعرف تمامًا أنّه حرّ، ويعرف تمامًا أنّه مسؤول عن جميع قراراته، ولذلك يحيط قراراته المهمّة بالكتمان التامّ، كي تبقى له الحريّة، في ساعة حكم التاريخ، في أن يبرهن ولو بالتهرّب أو بالكذب أو حتّى بالتلفيق والتزوير، أنّه، في حال النّجاح، كان هو مسؤول، أو أنّه، في حال الفشل، لم يكن هو المسؤول. كيفما اتّجهنا وكيفما أدرنا وجهنا، فإنّا نجد أنفسنا دائمًا وأبدًا أمام الحريّة المتأصّلة في كيان الإنسان.

 

ونجد أنّ الإنسان أخلاقيّ أدبيّ بطبيعته، ولذلك لا يهمّه شيء في الوجود أكثر من حفاظه، بشتّى الطرق، على نصاعة اسمه وسمعته، وعلى براءته وطيب نيّته أمام التاريخ. يتصرّف الإنسان في كلّ شيء كأنّ قاضيًا خفيًّا مشرفًا على كلّ أعماله سيدينه يومًا ما بالعدل، وهو لا يخاف شيئًا أكثر ممّا يخاف هذا الديّان ويوم دينونته، سواء أكان مؤمنًا ونظر إليه بصفته الله الخالق، أم كان ملحدًا ونظر إليه بصفته مجرّد حكم التاريخ.

الإنسان اللامتهرّب من مسؤوليّة قراراته، المقرّ بخطأه وخطيئته، اللامبرّر قراراته بشتّى الأعذار والأسباب، المتحمّل تبعتها بشجاعة، هذا الإنسان من أندَر البشر. وبالمعنى الكامل قد لا يوجد إطلاقًا. وهو إن صنع هذا فلا يصنعه بطبيعته ومن تلقاء نفسه، بل لأنّ حبًّا متعاليًا آتيًا إليه كهبة مجّانيّة من الخارج قد مسّه فوق طبيعته.

إنّ الإنسان حرّ وبالتالي مسؤول، وهو يعرف تمامًا أنّه حرّ ومسؤول. الإنسان حرّ لأنّ فيه قبسًا من الله الذي خلقه على صورته ومثاله والذي هو نفسه الحريّة والمسؤوليّة المطلقتان. والله الخالق يحترم الإنسان مخلوقه لدرجة أنّه بعد خلقه إيّاه حرًّا مسؤولاً تركه يختار كلّ شيء، ولا سيّما الأشياء المهمّة الأخيرة، بحريّة ومسؤوليّة تامَّتَيْن.

 فعندما سقط آدم لم يردعه ردعًا جبريًّا، مع أنّه كان بإمكانه ذلك، لأنّ الله يفضّل الحرّ السّاقط على العبد الكامل.

هنا عظمة الحريّة، هنا سرّها العظيم الهائل، هنا شرفها الذي لا يدانيه أيّ شرف، بالرّغم من أخطارها التي هي أيضًا لا تدانيها أيّ أخطار. والإله المتجسّد نفسه، ابن الإنسان، فضّل أن يموت موت الصّليب من دون أن يتدخّل إطلاقًا في حريّة أيّ إنسان، من دون أن يرغم أيّ ابن بشر أو يُكرهه أو يضغط عليه.

"فتولّى عنه عندئذ كثير من تلاميذه وانقطعوا عن مصاحبته. فقال يسوع للإثني عشر: "أفتريدون أنتم أن تذهبوا مثلهم". فأجابه سمعان بطرس: "ربّ، إلى مَن نذهب وكلام الحياة الأبديّة عندك؟ نحن آمنّا بك وعرفنا أنّك قدّوس الله" (يو 6/ 66 - 69). الإنسان حرّ تمامًا أن يتولّى عن الله أو أن يؤمن به.

"وإذا واحد من أصحاب يسوع قد أهوى بيده إلى سيفه، فاستلّه وضرب عبد عظيم الأحبار، فقطع أذنه. فقال له يسوع: "إغمد سيفك، فمن يأخذ بالسّيف بالسّيف يهلك. أوَتظنّ أنّي لا أستطيع أن أسأل أبي، فيمدّني السّاعة بأكثر من اثني عشر فيلقًا من الملائكة؟ ولكن كيف تتمّ آيات الكتب التي تقول إنّ هذا ما يجب أن يحدث؟" (متّى 26/ 51 - 54). فضّل المسيح الموت على أن يدافع عن نفسه بالعنف، مع أنّه كان باستطاعته أن يسأل أباه فيمدّه بأكثر من اثني عشر فيلقًا من الملائكة للدّفاع عن نفسه.

الحريّة، الحريّة - هذه ما نجد أنفسنا في النهاية دائمًا وأبدًا في حضرتها، في أعماق الله، في ذاته وفي علاقاته بالبشر، وفي أعماق الإنسان، في ذاته وفي علاقاته بالله وبالآخرين. والحريّة دائمًا وأبدًا تعني المسؤوليّة. وإن كان في الوجود شيء نهائيّ رهيب فهو هاتان الحريّة والمسؤوليّة.

لا يعني إذًا قولُ قداسة البابا بولس السادس "إنّ السِلم أمر ممكن" تعطيل حريّة الإنسان، ولا يعني أنّ السِلم، في أيّ حال، أصبح أمرًا ميكانيكيًّا أوتوماتيكيًّا محتّمًا. الممكن شيء، والمحتّم شيء آخر تمامًا. الممكن قد لا يتحقّق، وما قد يتحقّق بالفعل قد يكون ممكنًا آخر عكس ذاك الممكن تمامًا. في أيّ حال تبقى حريّة الإنسان المسؤولة مؤمَّنة دونما أيّ نقصان. إنّ ما يعنيه قداسته أنّ الحرب هي أيضًا ليست بالشيء المحتّم، وأنّ السِلم هو دائمًا وأبدًا، حتّى في أحلك السّاعات، شيء ممكن، وأنّ علينا جميعًا أن نعمل كلّ ما في وسعنا، وبإخلاص تامّ، كي يصبح السِلم الممكن سِلمًا واقعًا، "وأنّ الإنسان لم يُترَك وحيدًا لبلوغ غايته في الحياة بمجهوده الذاتيّ فقط، بل إنّ قوّة أبويّة قادرة تستطيع أن تتدخّل في مجرى الأحداث الحاسمة التي تعنيه".

يعني قداسته أنّ العقل والتعقّل والإقناع هي التي يجب أن تقرّر مصير البشر، لا القوّة ولا حسم السّلاح. يعني أنّ أعمق رغبة في النّفس البشريّة هي رغبة السّلام لا رغبة الحرب، وأنّ الحرب، إذا ما خاضها البشر، فإنّما هي من أجل السّلام، وليس السّلام من أجل الحرب. السّلام إذًا، حتّى في حالة الحرب، هو الغاية والهدف، أمّا الحرب فلا تكون الغاية والهدف في حالة السّلام. هذا ما كان يشدّد عليه القدّيس أوغسطينس في جميع تعاليمه عن الحرب والسّلم.

يعني بولس السادس بقوله إنّ السّلم أمر ممكن أنّ التكنولولجيا الحديثة خلقت أسلحة فتّاكة تخطّى مفعولها كلّ تصوّر، بحيث أصبح أكيدًا أنّ أيّ فائدة قد تجنى من كسب أيّ حرب (وحتّى فكرة كسب الحرب أصبحت الآن عند العارفين بدخائل المور فكرة فارغة من أيّ معنى) هي لا شيء بالقياس إلى الخراب والدّمار الناجمين حتمًا عنها. إنّ تطوّر أدوات الحرب نفسه كاد يؤول إلى إلغاء فكرة الحرب نفسها، أو إلى ضرورة تحريمها، أو إلى مكافحة كلّ تجربة للوقوع في فتنتها.

ثمّ نحن المسيحيّين، العائشين بخوف الله الآب ورجاء ابنه يسوع، الذي هو ربّ السّلام وأميره، هذا ال"يسوع" الذي "لم يخطأ ولم يعرف المكرَ فوه. شُتم ولم يرد على الشتيمة بمثلها. تألّم ولم يهدّد أحدًا، بل أسلم أمره إلى من يحكم بالعدل"، هذا ا"يسوع" الذي "أخذ عاهاتنا وحمل أوجاعنا... وجرح لأجل معاصينا وسحق لأجل آثامنا... قُدّم وهو خاضع ولم يفتح فاه. كشاة سيق إلى الذبح وكحمل صامت أمام الذين يجزّونه"، هذا ال"يسوع" الذي قال "طوبى للسّاعين إلى السّلام، فإنّهم أبناء الله يدعون"، هذا ال"يسوع" الذي أعطانا "سلامه هو، لا سلام العالم"، والذي، كما يقول الرّسول بولس: "هو ذاته سلامنا"، أقول، نحن المسيحيّين، الذين هذا هو ربّنا وإلهنا وأملنا ورجاؤنا و"منشئ إيماننا ومتمِّمه"، لا يسعنا إلاّ أن نحبّ السّلام، وننشده، ونعمل له بإخلاص، ونصلّي من أجله، ونضحّي في سبيله، ونحبّ أعداءنا. ونقرّ أنّنا خطأة كغيرنا من البشر، ونرى في غيرنا العقل نفسه الذي فينا وإمكان الإستجابة نفسها للإقناع ولفعل الله العليّ الذي فينا، ونجهد لتعزيز كلّ المنظّمات وكلّ الأدوات وكلّ الإجراءات العاملة للتقريب والتوفيق والمصالحة، ونسعى بأمانة وبإرشاد الرّوح القدس كي تصبح الحرب الممكنة دائمًا أمرًا بعيد الإحتمال، وكي يصبح السلم الممكن دائمًا أمرًا واقعًا بالفعل. وإذا بؤنا بالفشل فما علينا إلاّ أن نرتمي على ركابنا ونصرخ مع إخواننا المسلمين: "لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم"، وننادي الربّ يسوع: "مشيئتك يا ربّ لا مشيئتنا، وحكمتك يا ربّ لا حكمتنا!".

إنّ القدّيس أوغسطينس في كتابه مدينة الله يقول: "إنّ السّلام خير هائل، وهو من العظمة بحيث حتّى في هذه الحياة الدّنيا الفانية لا توجد كلمة تبعث فينا السّرور وتهزّنا من الأعماق عند سماعها أكثر من كلمة السّلام، ولا يوجد شيء نشتهيه بتوق أشدّ، أو يُرضي نفوسنا ويشبعها من الأعماق كالسّلام" (الكتاب 19، الفصل 11).

هذا خير السّلام وهذه بركته. فإذا فكّرنا دومًا وأبدًا في السّلام، إذا عملنا له ليل نهار، في نفوسنا (لأنّ النّفس أمّارة بالسّوء ولأنّها آخر الأمر مصدر كلّ خصام وسلام)، وفي علاقاتنا اليوميّة بالآخرين، وفي علاقات مجتمعنا بغيره من المجتمعات، وشعبنا بغيره من الشعوب، وبلدنا بغيره من البلدان، إذا ميّزنا تمييزًا قاطعًا السّلام الحقيقيّ الدائم من السّلام الزائف الزائل، إذا سعينا، على أساس هذا التمييز، لإزالة الأسباب المؤدّية إلى الزّيف والزوال، من ظلم واضطهاد واحتقار لحقوق الإنسان وحرّيّاته الأساسيّة واستغلال الإنسان أخاه الإنسان (والإعلان العالميّ لحقوق الإنسان يقرّ بأنّ الإنسان قد "يلجأ مضطرًّا، في آخر أمره بالظلم والطغيان، إلى دفعهما عنه بالثورة"، كما أنّ القدّيس توما الأكوينيّ نفسه يعلِّم أنّ القانون "إذا كان مضرًّا بالخير العامّ، فيجب عدم مراعاته" - القسم الثاني من القسم الأوّل من الخلاصة اللاهوتيّة، السؤال 96، الفصل السادس)، إذا حرصنا على أن نكون نحن منبعًا للتآلف والوئام، لا مصدرًا للتفرقة والخصام، إذا صبرنا وتألّمنا وخطّطنا وركّزنا نفوسنا على أسباب السّلام الحقيقيّ الباقي، محترمين الآخرين وحقوقهم احترامنا أنفسَنا وحقوقنا نحن، إذا طُبعت نفسنا، في كلّ نزعة ونزوة منها، على التوفيق والإنسجام بين العناصر والمعطيات المتباينة المتنافرة، إذا تمكّنّا بالإعتزام والعادة، من وضع كلّ شيء في محلّه اللائق به، وذلك بإخضاع التافه للمهمّ والمهمّ للأهمّ وكلّ شيء، بما في ذلك وقبل كلّ شيء أنفسنا نحن، لله؛ إذا فعلنا هذا، أو بعضًا منه، بخصوص هذه أو تلك من الأوضاع الشخصيّة أو العائليّة أو الإجتماعيّة أو السياسيّة الواقعيّة المباشرة، فقد نوفّق عندئذ بالحيلولة من دون الحرب التي ليست في أيّ حال أمرًا محتّمًا، وبتحويل السّلام الممكن في كلّ حال إلى سلام حقيقيّ ثابت واقع.

كلّ هذا لا يمكن حصوله إلاّ إذا اتّجهنا بالفعل في عقلنا ونفسنا وإرادتنا الحرّة إلى الله، حقيقة كلّ سلام ومصدره، وإلى يسوع المسيح، أمير كلّ سلام وموحيه وربّه. السّلام آخر الأمر هبة تضفيها محبّة الله الآب ونعمة المسيح الابن وشراكة الرّوح القدس على النّفس المنكسرة الحائرة القابلة، ومنها تشعّ على العالم.

 

                                                                      د.شارل مالك    

      

macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية