الصراع الروحي في الحياة اليومية

 

 

 

الصراع الروحي  في الحياة اليومية

 

 

الصراع الروحي في الحياة اليومية

 

لنبدأ من الأناجيل. يصوّر لنا الانجيليّون أنّ حياة يسوع كانت صراعات بينه وبين قوى الشرّ. إنّ طريقة يسوع في التعاطي مع التجربة، عندما دعاه المجرّب في البريّة مثلًا، مُختلفة كليًّا عمّا يفكّر به الإنسان.

الطريقة الأوضح قد تكون الإعتراف الشهير لبطرس. بعد المسير مع يسوع، بطرس هو القادر على معرفة المسيح، يسوع يوافق على اعترافه بقوله: «طوبى لَكَ يا سِمعانَ بْنَ يونا، فلَيسَ اللَّحمُ والدَّمُ كشَفا لكَ هذا، بل أَبي الَّذي في السَّمَوات» (متى 16: 17). ثمّ يعلن يسوع عن آلامه.

وبَدأَ يسوعُ مِن ذلِكَ الحينِ يُظهِرُ لِتَلاميذِه أَنَّه يَجِبُ علَيهِ أَن يَذهَبَ إِلى أُورَشَليم ويُعانِيَ آلامًا شَديدة مِنَ الشُّيوخِ وعُظَماءِ الكَهَنَةِ والكَتَبَة ويُقتَلَ ويقومَ في اليومِ الثَّالث. فَانفَرَدَ بِه بُطرُس وجَعلَ يُعاتِبُه فيَقول: «حاشَ لَكَ يا رَبّ ! لن يُصيبَكَ هذا!». فالتَفتَ وقالَ لِبُطرس: «إِنسَحِبْ! وَرائي! يا شَيطان، فأَنتَ لي حَجَرُ عَثْرَة، لأَنَّ أَفكارَكَ لَيسَت أَفكارَ الله، بل أَفكارُ البَشَر». (متى 16: 13-24)

 

تفكير الإنسان يتعارض مع فكر الله!

فالعدو الذي كان يُحاربه يسوع ربّما أكثر مِن الشيطان هُم البَشر أنفسهم الذين تبنّوا بأفكارهم الاتّجاه المعاكس لمشروع الله.

 إنّ الأشخاص الذين يعرفون رياضات القدّيس إغناطيوس يعرفون تمرين التأمّل بالرايتين.

نصوص أخرى مشابِهة نجدها بالأناجيل.

 

كمطالبة يعقوب ويوحنّا بالمراكز الأولى. إنّه أيضًا تفكير إنسانيّ. فالمركز الأول عند الله يكون للذي يخدم.

أو كمعاطاة يسوع مع رجال ونساء من ذوي السمعة السيئة. وجواب يسوع هو: «لَيسَ الأَصِحَّاءُ بِمُحتاجينَ إِلى طَبيب، بلِ المَرْضى. «ما جِئتُ لأُدعُوَ الأَبرار، بَلِ الخاطِئينَ إِلى التَّوبَة». (لوقا 5: 31-32).

ونستطيع المتابعة بالأمثلة. الابن الضال والابن البكر الذي يرفض المسامحة. تفضيل الصغار. وأجر الذين أتوا متأخّرين، يتساوون مع الأوّلين. الأناجيل تحمِل العديد من الأمثلة.

ونصّ التطويبات يُمكن أن يُعتبر كملخّص لكلّ أعمال يسوع. نحن نُعجب بهذا النصّ، نجده جميلا. قد نجده شاعريًا. ولكن.. لا ننسى أنّه يقول حرفيًّا عكس ما يفكّر به الإنسان.

 

إنّ يسوع يتعارك، كما قال لبطرس، مع "أفكار البشر". لا حاجة هنا لتظهر شخصيّة غامضة، فنحن المعنيّين أوّلاً بهذا.

 

 إذا أمكننا التكلّم بهذا عن الإنجيل، ماذا يحدث إذا مع الشخص الذي يصلّي، الذي يتأمل بالإنجيل؟ الذي يريد أن يصبح تلميذاً للربّ باعتناق طريقته بالتعامل؟

 

إذا أردنا أن نكون صادقين، هنا تكمن المعركة ليس بين الله وبيننا، ولكن بين الذي يسكن فينا والآخر الذي يصبو أن يتبَع الربّ.

 

 كلّ منّا يعرف هذه الازدواجيّة الموجودة فينا. من المؤكد، وحتى تصبح الصّلاة صراعًا أم معركة، علينا مشاركة كياننا بالكامل.

كما يعقوب الذي يحارب بكلّ كيانه، وكلّ قواه. هناك صلوات كالقراءات، كما هي صلاة الفرض مثلا. يمكننا أن نصلّيها دون أن يحدث شيء مهمّ داخلنا. نصلّي بكلمات لم نشارك في وضعها.

إنّنا نكرّس جزء من وقتنا لله، ومن الممكن أن نتبنّى ونعتمد بعض من هذه الكلمات التي نتلوها، هذا حسن ولكنّه غير كافٍ.

 الصلاة الحقيقيّة تتطلّب منّا أن نكون حاضرين كليًّا مع كياننا كلّه.

 كما قال لنا يسوع بتلخيصه للشريعة: أحبّ الله من كلّ قلبك، وكلّ نفسك، وكلّ روحك، وكلّ قوّتك... ومن ثمّ الأمور الهامّة تتحقّق.

 

حتى الله لا يستطيع التكلّم إلى شخصٍ غير موجود! أو فقط حاضر حضورًا جزئيا.

القدّيس إغناطيوس يَنصح الذي يُصلّي أن يضع نفسه بوعيٍّ لحضور الله. هو حاضر هنا، نحن أيضًا. وفي هذا الوقت بالذات يمكن للمواجهة الخلاصيّة أن تتحقّق.

من الذي يغيِّر؟

في الكثير من صلوات الطلب، نظهر لله عن رغباتنا. هي في بعض الأحيان جيّدة، وأظنّ أن هذا يُعجب الله أن يرى أنّنا نرغب لعالمنا وللأخرين الأشياء التي يرغبها هو.

نصلّي من أجل شخص نحبّه. أو نعرض حالات من الاستغاثة بالربّ. أو نطلب منه التدخّل في الاتجاه الذي نظنّ أنّه صالح. وهلمّ جرا. ولكن .. في هذه الصّلوات نُشير لله بغير وعيّ منّا عمّا ننتظره منه. لكي نقول له بطريقة جادّة: "بهذه الصّلاة ليس نحن من عليه أن يتغيّر بل أنت!" بقولنا له أنّ العالم ليس جيّدًا وأنّ عليه أن يغيّره... لا تقلقوا أبدًا:

 

الله لا يتغيّر أبدًا، لحسن الحظ! ولا حتى نتيجةً لصلواتنا! وهو يفهم دون شكّ صلواتنا غير الملائمة. أو ببساطة تعابيرنا التي تتحدّث عن همومنا أو ما يشغل بالنا.

 

الهدف الحقيقيّ للصّلاة مع ذلك هو أن نتغيّر نحن، وليس الله.

 

 وهذا التعبير الذي تسمّيه التقاليد المسيحيّة التحوّل يتطلّب معركة (أو صراعًا). الصلاة التي لا تغيّر شيئًا في داخلنا ليست صلاةً حقيقيّة.

 

 وإذا لم يتحرّك شيء فينا في نهاية الصّلاة، مِن المُحتمل ألاّ تكون صلاتنا محادثة حقيقيّة مع الله. هذا ما أعنيه عندما أقول أنّ كلّ صلاة حقيقية هي صراع.

صراع مَع مَن؟

ولكن مَع مَن نحن نتعارك؟ مع أنفسنا؟ أو كما يعقوب مع "أحد"؟

 

 شخص لا يمكن إدراكه مع العلم بأنّه قريب جدًا؟

 

لا، المسألة ليست صراعًا مع ذواتنا الخاصّة. هناك آخر يُسائلنا، يدفعُنا ويحثُّنا، يُجادلنا ويَطرح علينا العديد مِن الأسئلة.

 

في صلاته التأمّلية، يستحضر البابا بندكتوس السّادس عشر شخصيّات ابراهيم وموسى. هنا أيضًا الله يدخل في علاقة مع الإنسان، يتواصل معه بطريقة سريّة.

 

مِن خلال صوت؟ بواسطة ملاك؟ الله بظهوره بصورة إنسانيّة يدخل إلى الحياة ويخرج منها؟ هذا ليس واضحًا. الواضح هو أنّ هناك حوارًا. إنّ الحوار بين إبراهيم والله، وبِما يتعلّق بِصَدوم وعاموره مُفيد ومُنوِّر.

فالله يعلن أنّه سيدمّر هذه المدن. وهو يستدعي إبراهيم. وإبراهيم هذا، عنده دون شكّ أفكاره المُستترة التي لا يُعلن عنها: فابن أخيه لوط وعائلته يعيشون هناك، ويريد بالتالي أن يخلّصهم. ولكنّه يقول أشياءً مغايرة مثل: مِن غير الوارد أن يُعاقب الله الصّالحين مع الأشرار. ما يعني أنّ إبراهيم يضع نفسه في موقف الله. يقول لله أنّه، وإن كان فعلًا هو الله فإنّه لا يستطيع أن يكون غير عادل، يعاقب الصّالحين مع الأشرار. ألا تُصبح لعبة صغيرة من الله، يُريد مِن خلالها أن يسمع إعلان إبراهيم لإيمانه بإله حقيقيّ؟

 

إنّها دعوة لكي يُدرك إبراهيم ويعرف بأنّ عدالة الله تتخطّى عدالة البشر. ومَن يستطيع أن يجعله يفكّر؟

 

لأنّه وإذا كان وسط مدينة فاسدة، ليس فيها سوى بعض الصالحين، ماذا سيكون مصير حياتهم؟

 

لِم على الله أن يحفظ كلّ المدينة من أجل هؤلاء؟ ألا يكون لأنّه يأمَل أنّ حياة هؤلاء الصّالحين يُمكن أن تنجح بتحويل الآخرين؟

 

الله يظهر ذلك بعدئذٍ من خلال إرسال ابنه الوحيد الذي هو حقيقةً صالح وسط العالم. هذا العالم لم يَقبله ووَضَعه على الصّليب، ولكن حياة هذا الصّالح أصبحت سلامًا للجميع. وهو الذي بدا مَهزومًا أصبح مُنتصرًا.

 

هل فهم إبراهيم مَن هو الله؟

 

هذا يبدو لي من غير المحتمل، ولكنّ الله وضع نفسه بمستوى الإنسان، وبالحوار معه، يستطيع هذا الإنسان أن يغيّر. وبهذا صورة أخرى عن الصراع أو النضال وهي الصَّلاة. المثل عن موسى مشابه أيضًا. هنا، الله يهدّد بإبادة الشعب الغير وفيّ والوثني. ويقول لموسى أنّه ينقذه لكي يصنع الشعب المختار. يرفض موسى ويذكّر الله، أنّه بدأ، هو بتحرير هذا الشّعب، وأن عليه أن يُكمل معه هذا العمل. وبخلاف ذلك، سوف يقول الآخرين أنّ الله جذب الشعب من الصّحراء ليبيدهم... وبهذه الطريقة، الله يدفع موسى لكي يُعلن تضامنه مع الشعب اللاوفيّ ولكي يُعلن أيضًا، أنّ الله لا يستطيع إبادة هذا الشّعب حتى ولو كان غير وفيّ له. الله يناقش مع موسى ويجعله يدرك أنّ مشروعه الخلاصيّ يتخطّى قلّة الاخلاص.

 

وبحالة إبراهيم كما بحالة موسى، علينا ان نُدرك أيضًا أنّ عالم الخطيئة لا يُحتمل عند الله. أجل، في الصلاة يبدأ الله بحوار مع الإنسان. ظاهريًا على قدمٍ من المساواة. صراع شخص لشخص.

 يستطيع أن يعطي الإنسان الانطباع بأنّه ربح المعركة، حتّى يسلّم هذا الأخير أنّ الله هو الله حتى ولو وضع نفسه على مستوى الإنسان، وهو يغيّر الإنسان من طريق التبادل معه.

 

وصلاتنا؟

تبدو لي الصلاة هي الوقت حيث يُمكّن إجراء حوار حقيقيّ مع الله. عندما يعيَ الإنسان حضور الله، وعلى قَدر معرفته دون استيعابه كليًّا، ولكن مع الانفتاح وقبول احتمال تغيير الله لقلبه.

 

هذا ما يحدث بتفاصيل حياتنا اليوميّة، تلك التي نفهمها بالتالي التي لا نفهمها. أو عندما نشعر بالتناقضات بداخلنا بين ما نخال أنّنا نعرفه عن الله وبين ما هو الله حقيقة. أفكار الإنسان المُسبقة مُمكن أن تتعارض مع مشروع الله. ولكنّ الوعي كما حدث مع بطرس، مُمكن أن يُغيّرنا بعُمقٍ ويُقرّبنا إلى الله فنستطيع إدراكه. نغيّر أفكارنا لكي تُصبح ملائِمة لمشروع الله وبالتالي لعالمنا.

 

الأب توم سيكينغ اليسوعي

 

macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية