الصلاة وحياتنا الزائلة

 

 

الصلاة وحياتنا الزائلة

 

 

الواقع الغامض

 

في ضوء خبراتنا اليوميّة نجد إمكانيّة تفهّم الوحدة والعدوانيّة في حياتنا تفوق قدرتنا على تفهّم الطابع الوهميّ الذي يتّسم به العديد من رغباتنا.

 

 مع ذلك، فإنّ حياة روحيّةً حقيقيّةً غير ممكنة إلّا من خلال محاولتنا الدائمة لإزالة الغموض الذي تسبّبه أوهام وجودنا الإنسانيّ، ولتحويل وحدتنا الصارخة إلى عزلة صامتة، ولخلق مكان غير مخفيّ حيث يستطيع الغرباء أن يشعروا بالارتياح.

 

 إنّنا بحاجة إلى الإرادة والشجاعة للسعي بعيدًا إلى ما وراء محدوديّات وجودنا الهزيل والمحدّد، وذلك نحو إلهنا المحبّ، الذي تجد فيه كلّ حياتنا مرساتها. إنّ صمت عزلتنا لا يكون إلّا صمت الأموات عندما لا يجعلنا على أُهبة لسماع صوت جديد منطلق من وراء كلّ الثرثرات البشرية. واستضافة الغرباء، بدورها، لا تؤدّي إلّا إلى بيت مزدحم عندما تنقطع الحركة ويبقى الجميع في مكانهم.

 

العزلة والاستضافة لا يمكنهما أن تثمرا ثمارًا دائمة إلّا إذا كانتا مترسّختين في حقيقة تتجاوزهما عرضًا وعمقًا وعلوًا، تتسلّمان حيويّتهما منها.

 

أمّا هاتان الحركتان فليستا الأوليَين لأنّهما أكثر أهميّة وحسب، بل بسبب سهولة التعرّف إليهما والتمثّل بهما. ففي واقع الأمر، يمكننا أن نصنّفهما ونفكّر فيهما لأنّ جذورهما مترسّخة في تلك الحركة الأكثر عمقًا في الحياة الروحيّة، ألا وهي الحركة من الوهم إلى الصلاة.

 

  فمن خلال هذه الحركة نسعى إلى الله إلهنا، الذي هو الحقيقة الأزليّة، ومنه ينطلق كلّ موجود.

 

على هذا، فإنّ الحركة من الوهم إلى الصلاة هي بمثابة سند الحركتين الأساسيّتين. من الوحدة إلى العزلة ومن العدوانيّة إلى الاستضافة، وأنّها أساس وجودهما، وهي التي تقودنا إلى صميم الحياة الروحيّة.

 

هذه الحركة التي تأتي في المقام الأوّل والختاميّ هي مركزيّة جدًّا في حياتنا الروحيّة، بحيث إنّه يصعب علينا الاتّصال والإمساك بها. ولا يعود سبب هذه الصعوبة إلى أنّ هذه الحركة غامضة وغير حقيقيّة، بل لأنّها قريبة جدًّا منّا، بحيث لا تفسح المجال الضروريّ للتعبير عنها وفهمها على نحو مقبول. وقد يؤدي هذا السبب إلى جعل أكثر الحقائق الحياتيّة سموًّا، تحت رحمة التهكّم والكلام المبتذل.

 

أمّا في ما يخصّ النسّاك الذين قدّموا حياتهم في سبيل الصلاة والصمت والخلوة، مدفوعين بحبّهم المتّقد لله، فتتحوّل المقابلات الصحفيّة معهم إلى قصص تافهة، تدور حول التغيّرات في الأنظمة والعادات، التي تبدو لهم غريبة. كما أنّ الأسئلة التي تدور على أسباب المحبّة والزواج والكهنوت، أو أيّ قرار أساسيّ حياتيّ، فإنّها تؤدّي عادة إلى كلام تافه بلا معنى، وإلى فأفأة وتردّد بالغين .

 

وهذا لا يعني أنّ هذه الأسئلة ليست ذات أهميّة، بل إنّ الإجابات عنها عميقة جدًّا وتمسّ أعماق كياننا، بحيث لا يمكننا التعبير عنها بكلمات بشريّة.

في هذا المجال يمكننا أن نتعلّم شيئًا من خبرة اللاعب على الحبال: فيليب بيتي (Philippe Petit). فبعدما ألقى البوليس القبض عليه بسبب مشيه على الحبال وهبوطه، بالتعاون مع أصدقائه، من أحد أبراج المركز التجاري العالميّ في نيويورك، أخذوه إلى مستشفى المدينة ليخضع لفحص نفسانيّ.

 وعندما وجدوه سليمًا عقليًا على نحو كامل ومنشرحًا، سألوه: "لكن، لماذا... تريد أن تمشي على حبل مشدود بين أعلى أبراج المدينة وأن تخاطر بحياتك؟"

 في أوّل الأمر، حار فيليب كثيرًا في سؤالهم، ثمّ أجابهم: "حسنًا، إذا ما رأيت ثلاث برتقالات، فإنّني لا أقدر إلّا أن أتلاعب بها؛ وإذا ما رأيت برجين، فإنّي لا أقدر إلّا أن أمشي بينهما".

 

 جوابه هذا يشرح كلّ شيء، إذ إنّ ما هو أكثر بديهيًّا وقربًا ليس بحاجة إلى تفسير.

فمَن يسأل طفلًا لماذا يلعب بالطابة؟ ومَن يسأل اللاعب على الحبال لماذا يمشي هكذا؟ ومَن يسأل العاشق لماذا يحبّ؟

إنّ الأكثر قربًا منّا يكون شرحه وتفسيره أكثر صعوبة من غيره. وهذا صحيح، لا في ما يخصّ العشّاق والفنّانين واللاعبين على الحبال وحسب، بل المصلّين أيضًا.

 

ففي حين تعبّر الصلاة عن العلاقة الأكثر حميمّية، فإنّ التكلّم عليها هو من أصعب الأمور، وسرعان ما تصبح موضوعًا لأحاديث تافهة ومبتذلة.

 

وبالرغم من أنّها أكثر إنسانيّة من كلّ الأفعال الإنسانيّة، فسرعان ما تفهم كأكثر الأفعال خرافية وعديمة الفائدة.

مع ذلك، علينا أن نتابع الكلام على الصلاة، تمامًا كما نتابع الكلام عن الحبّ والعاشقين والفنّ والفنّانين.

 وذلك لأنّنا إذا لم نبقَ على اتّصال بمركز حياتنا الروحيّة، الذي ندعوه "صلاة"، فإنّنا لا نعود على اتّصال بأيّ شيء يخرج منه.

 

كما أنّنا إذا لم ندخل في تلك الساحة الباطنيّة التي نحسّ فيها بالتوتّر، وحيث تتمّ الحركة المؤدّية من الوهم إلى الصلاة، فإنّ عزلتنا واستضافتنا الآخرين سرعان ما تفقدان عمقهما، وبدلًا من أن تكونا ذات أهميّة جوهريّة في حياتنا الروحيّة، تصبحان زخرفًا من زخارف التقوى التي تزيّن كياننا الأخلاقيّ.

 

 

وهم الخلود

إنّ أكبر العقبات التي تحول دون دخولنا ذلك البعد الحياتيّ العميق في كياننا، حيث نختبر الصلاة، هي وهمنا في الخلود الذي يشمل كلّ مجالات حياتنا.

 

وفي أوّل الأمر، لا يبدو ممكنًا أو صحيحًا أنّنا نتوهّم هكذا، إذ ندرك جيّدًا، وعلى عدّة مستويات، أنّ حياتنا زائلة. فمَن يفكّر في أنّه خالد؟

 

 ولكن، في حياتنا الروحيّة بأنّ الأمور ليست بسيطة كما نتصوّرها.

 إنّنا نجد أنفسنا مقيّدين بالوهم الذي لا يفارقنا  أبدًا، أي بوهمنا في الخلود، وذلك كلما فتّشنا بتلهّف عن شخص آخر بوسعه أن يكسر قيود وحدتنا، وكلّما بنينا وسائل دفاعيّة جديدة لحماية حياتنا وجعلها كأنّها ملكيّة لا نريد تحويلها إلى شخص آخر.

 فبالرغم من أنّنا لا نفتأ نقول بعضنا لبعض ولأنفسنا إنّنا لن نعيش إلى الأبد، بل سنموت قريبًا، فإنّ أفعالنا اليوميّة وأفكارنا واهتماماتنا تبقى توحي لنا مدى صعوبة تقبّلنا الكامل الكلام الذي نردّده.

 

إنّ أحداثًا صغيرة، وفيما تبدو بسيطة، لا تفتأ تذكّرنا بميلنا السريع إلى تخليد أنفسنا وعالمنا، فنجد أنّ كلمة واحدة معادية تجعلنا نشعر بالوحدة والكآبة، وأن مجرّد حركة رافضة إيّانا تجعلنا نغوص في حالة من الانزعاج، كما أنّ فشلًا كبيرًا واحدًا يؤدّي بنا إلى الشعور بالكآبة الفتّاكة.

 

وإن تعلّمنا، من أهلنا ومعلّمينا وأصدقائنا، ومن العديد من الكتب الدينيّة والدنيويّة، أنّ قيمتنا تفوق ما يظنّه الناس، فإنّنا لا نفتأ نخلع قيمة الخلود على الأمور التي نملكها وعلى الناس الذين نعرفهم وعلى المخطّطات التي نصنعها وعلى النجاحات التي نتباهى بها.

 

 حقًّا، إنّ معاكسة صغيرة قد تكشف لنا فجأة عمّا نعيشه من وهم في الخلود، وتوضح لنا إلى أيّ مدى أصبحنا تحت وطأة العالم المحيط بنا، الذي يوهمنا بأنّنا نتحكّم في حياتنا. ومشاعرنا العديدة، مشاعر الكآبة والانقباض، وحتى القنوط العميق، ألا تكون هذه كلّها مرتبطة غالبًا، على نحو عميق، بجديّتنا المفرطة في تفهّم الناس الذين نعرفهم، وفي تقبّل الأفكار التي تعرض علينا والأحداث التي تصبح جزءًا منّا؟

 

إنّ انعدام الفسحة الضروريّة، هو ما يبعد عن حياتنا روح الفكاهة، وبوسعه أن يخلق فينا حالة الكآبة الخانقة، يحول دون رفع رؤوسنا إلى فوق أفق وجودنا الذاتيّ المحدود.

 

 

العاطفيّة والعنف

في سبيل التقرّب قليلًا من وهمنا الكبير، قد يكون مفيدًا أن نوضح اثنين من أعراضه الأكثر شيوعًا، وهما: العاطفيّة والعنف. ظاهريًّا إنّهما مختلفان جدًّا، لكن بمنظارنا الروحانيّ بوسعنا أن نفهم جيّدًا رسوخ كلّ منهما في الوهم الإنسانيّ، وهم الخلود.

غالبًا ما تظهر العاطفيّة حيثما تصبح العلاقات الحميميّة ثقيلة وقاتلة، ويتعلّق الناس بعضهم ببعض بجدّية شبه انتحاريّة.

 

 فعندما نحمّل إخوتنا في البشريّة توقّعات مرتبطة بوهم الخلود، فإنّ الانفصال عنهم، أو الخوف من إمكانيّة ذلك، يمكن أن يطلق مشاعر، من الصعب التحكّم فيها.

 

في أثناء مسيرة سلميّة سنويّة في هولندا، شارك 3000 طالب وطالبة من طلّاب المدارس الثانويّة، وكانوا يمشون ويتكلّمون معًا لمدّة ثلاثة أيّام. وتفاجأ المسؤولون بظاهرة العاطفيّة المتزايدة التي اتّصفت بها التفاعلات بين المشتركين في المسيرة.

 

فلهؤلاء الهولنديّين المتحفّظين عادةً، كان تشابك الأيدي ذا أهميّة بالغة، وفي ساعة الفراق أصبحت محطّة القطار مكتظّة بالفتيان والفتيات، الذين كانوا يبكون وهم يعانقون بعضهم بعضًا.

وعند تقويم المسيرة، تساءل بعض المشتركين إذا كان بإمكانهم بعد خبرة المشاركة هذه، أن يعيشوا سعداء في المستقبل. وفي حين كانوا يشعرون ببعدهم عن الكلمات والشعائر الدينيّة الصادرة عن الكنيسة التي دعتهم إلى المسيرة، فإنّ خبرة التعايش الفريد، بعضهم مع بعض، حرّكت فيهم المشاعر القويّة والمخيفة.

 

يوضح لنا هذا الحدث كيف تصبح النزعة العاطفيّة بارزة، نتيجة للتوقّعات المغلوطة حول العلاقات الإنسانيّة الحميميّة. وقد تؤدّي هذه الحميميّة إلى الكآبة واليأس، وذلك إذا كانت مخفيّة وراء قناع الخلود.

 

 فعندما لا نستطيع أن ننظر إلى ما وراء حدود التعايش مع بعض لنرسّخ حياتنا في الله، الذي هو مصدر كلّ شعور بالحميميّة، يصبح صعبًا علينا أن نبعد عنّا وهمنا في الخلود، وأن نكون معًا من دون أن نغرق في مستنقع العاطفة.

 

 لكنّ العاطفيّة ما هي إلّا جانب واحد من جوانب وهمنا في الخلود، والعنف هو الجانب الآخر.

 

 ليس غريبًا أن نجد غالبًا العاطفيّة والقسوة موجودين معًا عند بعض الناس.

 

هناك مثلًا، صورة هيتلر الذي نجده فيها منفعلًا أمام طفل صغير، وقد اغرورقت عيناه بالدموع. فصورته هذه تبقى مطبوعة في ذاكرة الكثيرين الذين شاهدوا أعماله القاسية الخالية من الرحمة.

 

 فالوهم الذي قد يؤدّي في حالةٍ ما إلى الدموع قد يؤدّي إلى التعذيب في حالة أخرى.

إليكم هذه القصة التي توضح ذلك في كلِّ نتائجه:

"في أثناء الحرب العالميّة الثانية، كان مطران لوثريّ مسجونًا في معسكر ألمانيّ ومعرّضًا للتعذيب من قِبَل ضابط بوليسيّ، كان يريد أن يجبره على الاعتراف. ففي غرفة صغيرة كان الرجلان واقفين، وجهًا لوجه، وكان الواحد ينهال على الآخر ضربًا مبرِّحًا متزايدًا. ولم يستسلم المطران للعذاب، بل كان يتحمّل الألم على نحو رائع. أمّا الضابط فأغضبه صمت المطران لدرجة أنّه صار يضرب ضحيّته بقسوة متزايدة، إلى أن انفجر أخيرًا وصرخ في وجه المطران قائلًا: " ألا تعرف أنّي قادر على قتلك؟"

 

فتطلّع المطران إلى عيني جلّاده وقال ببطء: "بلى أعرف. إعمل ما بدا لك، لكنّني سبق ومتُّ".

 

عندئذٍ، لم يعد بإمكان الضابط أن يرفع ساعده، إذ فقد القدرة على الضرب، كأنّه أصيب بالشلل، ولم يعد بوسعه أن يلمس ضحيّته.

 

إنّ قساوته كلّها كانت تعتمد على افتراض أنّ الرجل المعذّب سيتمسّك بحياته الذاتيّة كملكيّته الأكثر القيمة، وسيكون مستعدًا أن يدلي باعترافه، تعويضًا عن حياته. لكن عندما زال أساس عنفه، أصبح التعذيب عملًا سخيفًا وبلا جدوى".

 

توضح لنا هذه القصّة أنّ العاطفيّة ليست هي وحدها من أعراض وهمنا في أنّنا نمتلك حياتنا، بل العنف أيضًا.

 فسرعان ما تصبح علاقتنا الإنسانيّة معرّضة للعنف والدمار، وذلك إذا ما تعاملنا مع حياتنا الذاتيّة ومع حياة الآخرين، لا باعتبارها هبات علينا تقبلّها، بل كأنّها ملكيّاتنا ندافع عنها أو نغتنمها.

وغالبًا ما نجد بذور العنف مغروسة في وسط العلاقات الحميميّة.

 

ولهذا، فالحدود الفاصلة بين التقبيل والعضّ، بين العنق والصفع، بين الاستماع واستراق السمع، بين نظرة الحنان ونطرة الارتياب، هي حقًا ضئيلة جدًّا.

 

كما أنّ وهمنا المخفيّ في أعماقنا، إذا ما طغى على علاقاتنا الحميميّة بالآخرين، فإنّه يجعل رغبتنا في أن نحبّ تتحوّل بسرعة إلى عنف شهوانيّ.

 

فعندما تقودنا رغباتنا غير المحقّقة إلى مطالبة إخوتنا في البشريّة بما ليس في وسعهم إعطاؤه، نجعلهم بذلك أصنامًا ونتحوّل نحن إلى شياطين.

 

 وعندما نطالب الآخرين بما يفوق إمكانيّة التجاوب الإنسانيّ، ينحدر بذلك تصرّفنا ويصل إلى مستوى أدنى من الإنسان.

وأخيرًا، إذا ما كانت أفعالنا تنطلق من وهمنا في أنّ العالم ملك لنا، كملكيّة خصوصيّة، لا أحد يستطيع أن يسلبها منّا، نصبح بالنتيجة، مصدر تهديد بعضنا لبعض، وتصبح الحميميّة مستحيلة.

 

على هذا، وفي سبيل التوصّل إلى حميميّة حقيقيّة، غير عنيفة، من الضروريّ أن نخلع قناع وهمنا في الخلود، وأن نتقبّل الموت، على نحو كامل، كمصيرنا الإنسانيّ، وأن نسعى ما وراء حدود وجودنا الإنسانيّ، إلى إلهنا الذي ولدنا منه ومن حبّه الحميميّ.

 

 

صنميّة أحلامنا

من ناحية أخرى، تبقى أوهامنا أقوى ممّا قد نريدها أن تكون. فقد نقول في ساعات يقظتنا إنّ كلّ شيء زائل ولا نستطيع أن نحتفظ بأيّ شيء إلى الأبد، وقد نتوصّل إلى شعور داخليّ عميق بكرامة الحياة، مع هذا كلّه فإنّ أحلامنا الليليّة وأحلام اليقظة لا تفتأ أن تخلق صور الخلود.

 

وإذا شعرنا أثناء النهار كالطفل الصغير الذي يحسّ بفشله، فإنّ عقولنا، في لحظات أحلامنا، تكون على أتمّ الاستعداد لتجعلنا أبطالًا عظماء طوال القامة، أبطالًا ظافرين، يستحقّون الإعجاب من قِبَل جميع الذين لم يأخذونا كثيرًا على محمل الجدّ أثناء يقظتنا، أو أبطالًا مأساويّين، لم يُعترف بهم إلّا في زمن متأخّر جدًّا، من قِبَل من كانوا ينتقدوننا في أيّام حياتنا.

 

وفي أحلامنا قد نتغيّر ونصبح كيوسف الأوّل، وهو يسامح بسخاء أخاه في مصر، أو كيوسف الثاني، وهو يحمل بعناية ابنه المُضْطَهَد إلى البلاد ذاتها.

 

 ففي أحلامنا بوسعنا أن ننصب تماثيل، إكرامًا لاستشهادنا الذاتيّ وأن نحرق البخور لأنفسنا المجروحة.

 

وهذه الصور التي تُحَقَّق غالبًا من طريقها رغباتنا غير المحقّقة، تذكّرنا بإمكانيّتنا أن نعوّض صنمًا بصنم آخر. أمّا أن نخلع أقنعة أوهامنا أثناء الأربع والعشرين ساعة في اليوم، فذلك أصعب ممّا قد نظنّ.

 

وإنّه ليس من الحكمة أن نحاول تغيير أحلامنا مباشرة، أو أن ينشغل بالنا كثيرًا بالصور غير المتوقّعة التي تظهر أثناء ليالينا. ومع ذلك، فإنّ أصنام أحلامنا تجعلنا متّضعين، إذ تذكّرنا بأنّ طريقًا طويلًا لا يزال أمامنا، وذلك قبل أن نكون مستعدّين للقاء إلهنا، الذي هو الإله غير المخلوق، وليس ذلك الذي تخلقه عقولنا وأيادينا، وهو الذي بيده المُحبَّة يجلبنا إلى الوجود.

 

إنّ عبادة الأصنام، أي عبادة آلهة زائفة، هي تجربة خطيرة نقع فيها، وخطورتها تفوق كثيرًا كلّ توقّعاتنا.

 

فنحن بحاجة إلى قدر كبير من الإخلاص والصبر في إيماننا، حتى يمكننا في حياتنا الواعية واللاواعية أيضًا أن نتّجه من الوهم إلى الصلاة.

 

إنّ القدّيس باسيليوس أبا الحياة الرهبانية في الكنيسة الشرقية الأرثوذكسية الذي عاش في القرن الرابع الميلادي، كان واضحًا في كلامه على الأحلام، مؤكّدًا عدم إمكاننا إبعادها عن حياتنا الروحيّة.

 

فعندما طُرح عليه السؤال: "ما هو مصدر التخيّلات الليليّة غير اللائقة؟" أجاب: "إنّها تصدر من الأهواء المنحرفة التي نشعر بها خلال النهار. ولهذا، إذا كنّا مهتمّين بما يريده الله وطهّرنا أنفسنا وأبدينا اهتمامًا مستمرًا بالأمور الصالحة والمرضية لله، فستكون أحلامنا مليئة بهذه الأمور".

 

بالرغم من عدم إمكاننا التعامل مباشرة مع أوهام أحلامنا، فنحن مدعوّون حقًا إلى السعي نحو الله، لا في ساعات يقظتنا فحسب، بل في أحلامنا أيضًا.

 

علينا أن نخلع، بتأنٍّ وإصرار، أقنعة الأوهام المرتبطة بخلودنا، وأن نبدّد حتّى الاختراعات الواهنة التي تخلقها عقولنا عند شعورنا بالإحباط، وأن نمدّ سواعدنا نحو البحر العميق والسماء العالية، في صلاة دائمة.

 فعندما نتّجه من الوهم إلى الصلاة، نتّجه من الملجأ الإنسانيّ إلى المنزل الإلهي، وهناك يصبح بالإمكان لعزلتنا واستضافتنا أن يلقيا الدعم الذي يسندهما.

 

 

الأسئلة الصعبة

يؤدّي بنا ما سبق إلى أسئلة صعبة:

 هل بإمكاننا أن نسعى إلى الله كإلهنا؟

 هل الحميميَّة مع الله ممكنة؟

هل بإمكاننا أن ننمّي علاقة مُحبّة به، هو الذي يتخطّى كلّ إدراكنا؟

 هل الحركة المؤدِّية من الوهم إلى الصلاة شيء أكثر من الحركة نحو غموض قاتم؟

إنّ هذه الأسئلة ليست جديدة تمامًا، فهي كانت موجودة منذ لحظة وضع الخطوط العريضة الأولى للحياة الروحيَّة.

 

 فالسعي إلى أعماق نفوسنا، ليس مجرّد السعي إلى المزيد من أنفسنا، أو السعي إلى المزيد من الإدراك الموسّع حول تفاصيل حياتنا الباطنيّة، بل إنّه السعي إلى المركز في أعماقنا، حيث بالإمكان أن يتمّ لقاء جديد، وحيث يمكننا أن نسعى إلى أبعد عن أنفسنا نحو ذاك الذي يتكلّم في عزلتنا.

 

 

والسعي في سبيل الاتصال بالغرباء ليس مجرّد السعي للاتصال بطابور طويل من الناس، الذين يوحي مظهرهم بأنّهم محتاجون إلى الطعام والملبس وإلى أنواع من الاهتمام شتّى، بل إنّه التوصّل إلى الوعود التي يحملونها معهم كهبات يقدّمونها إلى مستضيفيهم.

وكلّ ما سبق يشير إلى ما هو أسمى ممّا يمكن لعقولنا أن تدركه، وأعمق ممّا يمكن لقلوبنا أن تشعر به، وأوسع ممّا يمكن لسواعدنا أن تشمله.

 إنّه يشير إلى ذلك الذي يمكننا أن نلتجئ تحت جناحيه، وأن نرتاح في حبّه، وهو الذي ندعوه إلهنا. (مزمور 90).

 

مع أنّ الأسئلة التي تدور على علاقتنا بالله، إلهنا، ليست جديدة تمامًا، إلّا أنّها تُطرح الآن مواجهةً وعلى نحوٍ مباشر وجذريّ، وذلك أكثر من ذي قبل.

 

 كلّنا نشعر، في وقت ما من حياتنا، بأنّ العزلة واستضافة الغريب تصلحان للسعي من أجلهما وللتأمّل فيهما، وأنّهما، من دون شكّ، ذات قيمة إنسانيّة. وقلّة من الناس تنكر أنّهما من مقوّمات الحياة الناضجة، وخاصّة عندما تُمارسان باعتدال.

أمّا في ما يخصّ الصلاة، ألا نستخدم كثيرًا كلمة صلاة إذا ما شعرنا بأنّنا وصلنا إلى حدود إمكانيّاتنا البشريَّة؟

 

 وأليست هذه الكلمة معبّرة عن عجزنا أكثر منها عن اتّصالنا الخلّاق بمصدر حياتنا؟

علينا أن نعترف بحقيقة ما نشعر به في الصلاة ونختبره ونتساءل عنه وننزعج منه غالبًا، بسبب الأحداث الواقعيّة والمؤلمة.

 

مع هذا، فإنّ الحياة الروحيّة بدون صلاة هي حقيقة كالإنجيل بدون المسيح.

لهذا، فعوضًا عن إثبات ما نقوله وندافع عنه، يحسن لنا أن نجمع في السؤال التالي جميع الأسئلة التي تؤدّي إلى ارتيابنا وقلقنا:

 

 إذا كانت الصلاة في مفهومها كعلاقة حميميّة بالله، هي أساس كلّ العلاقات، وذلك بذواتنا وبالآخرين، كيف إذًا بوسعنا أن نتوصّل إلى صلاةٍ نعيشها ونختبرها حقيقةً كمحور وجودنا؟

 

إن ركّزنا على هذا السؤال يصبح بإمكاننا أن نستكشف أهميّة الصلاة في حياتنا الخاصّة في حياة الذين نلتقي بهم في اجتماعات شخصيّة أو من خلال الروايات والكتب.

 

 

مفارقة الصلاة

تكمن مفارقة الصلاة في أنّه من الضروريّ أن نتعلّم كيف نصلّي في حين لا يمكننا إلّا أن نتقبلّها هبة مجّانيّة. إنّها تمامًا المفارقة التي تجعل الصلاة معرّضة بوضوح للعديد من الأقوال التي تبدو متعارضة.

 

إنّ جميع القدّيسين الكبار في التاريخ وجميع المرشدين الروحيِّين الجديرين بالاحترام يتكلّمون على ضرورة تعلّم الصلاة، وذلك لأنّ الصلاة واجبنا الأوّل، بالإضافة إلى أنّها دعوتنا السامية.

 

وهناك كتب ملأت المكتبات، تتناول موضوع كيفيّة الصلاة. وحاول العديد من الرجال والنساء أن يكتبوا عن الأنواع والمستويات المختلفة المرتبطة بخبراتهم المؤثّرة، وشجّعوا قرّاءهم على اتّباع طريقهم. إنّهم يذكّروننا باستمرار بكلمات بولس: "صلّوا دائمًا" (1 تسالونيقي 5 / 17)، ويقدّمون غالبًا توجيهات موسّعة عن كيفيّة تطوير العلاقة الحميميّة بالله. بالإضافة إلى ما سبق، نجد طرقًا روحيّة حول الصلاة، ولا نتعجّب إذا وجدنا حججًا وافية، تدعم طريقة أو أخرى.

 

واحدة من هذه الطرق أو التقاليد هي "هيسكاسم" التي يعني أصلها في اللغة اليونانيّة "الاستراحة".

 

وثيوفانوس، الناسك الروسيّ، الذي عاش في القرن التاسع عشر، اتّبع هذا التقليد، وعرض لنا، نموذجًا جميلًا للتعليم عن الصلاة:

"ضع لنفسك نظامًا، يجعلك دائمًا مع الله، وركّز ذهنك على قلبك، ولا تدع أفكارك تتشتّت، وكلّما شرد ذهنك استرجع أفكارك، ورجّعها إلى المنزل وإلى مخدع قلبك، وكن مبتهجًا في محادثتك الربّ".

 

إنّ ثيوفانوس وجميع المؤلّفين الروحانيّين العظام يعتبرون، بدون شك، التدريب الروحانيّ الجدّي أمرًا جوهريًّا، بل في سبيل التوصّل إلى علاقة حميميّة مع الله. فبحسب تفكيرهم أنّ الصلاة بدون السعي المستمرّ الجهيد، لا تكون نافعة أبدًا.

 وفي الواقع، دوّن بعض المؤلّفين الروحانيّين محاولاتهم في الصلاة بتفاصيل محدّدة واضحة، لدرجة أنّهم غالبًا ما يتركون القارئ ينطبع بانطباع خاطئ بأنّه يستطيع أن يصل إلى أي مستوى يريده في الصلاة، وذلك بمجرّد الجهد الجهيد والمثابرة والصادقة. أمّا هذا الانطباع، فإنّه خلق الكثير من خيبات الأمل، إذ يشعر الكثيرون بعد سنين طويلة من الجهد الجهيد في عمليّة الصلاة، بأنّهم أبعد عن الله ممّا كانوا عندما بدأوا.

 

من ناحية أخرى، يذكّرنا باستمرار القدّيسون والمرشدون الروحانيّون أنفسهم الذين يتكلّمون على التدرّب على الصلاة، بأنّ الصلاة هي هبة من الله، فيقولون إنّه لا يمكننا أن نصلّي وحدنا، بل إنّه روح الله هو الذي يصلّي فينا.

 

ويوضح القديس بولس ذلك قائلًا: "... ولا يستطيع أحد أن يقول: "يسوع ربّ" إلّا بإلهام الروح القدس" (1 قور 12 / 3).

 فلا يمكننا أن نفرض على الله علاقة بنا، إذ يأخذ هو المبادرة ويأتي إلينا. ومن ناحيتنا، لا نستطيع أن نجعل الله يأتي إلينا من خلال أي تدرّب أو جهد أو أي نشاط تقشّفيّ.

وجميع المتصوّفين يؤكّدون مجتمعين أنّ الصلاة هي نعمة، أي هبة مجّانيّة من لدن الله، لا يسعنا إلّا أن نتجاوب معها بالشكر. ولكنّهم لا يلبثون أن يضيفوا أنّ هذه الهبة القيّمة هي حقًا بمتناول أيادينا.

 

ففي يسوع المسيح دخل الله عمق حياتنا، على نحو حميميّ جدًا، وذلك حتى يمكننا نحن أن ندخل عمق حياته من خلال الروح القدس.

 

 فهذا هو مغزى الكلام الرائع الذي وجهّه يسوع إلى رسله عشيّة موته: "غير أنّي أقول لكم الحقّ: إنّه خير لكم أن أمضي. فإن لم أمضِ، لا يأتيكم المؤيّد (أي الروح القدس). أمّا إذا ذهبتُ فأرسله إليكم". (يو 16: 7).

 

لقد أصبح الله واحدًا منّا حتّى يوجّهنا من خلال يسوع نحو حميميّة حياته الإلهيّة.

ويسوع جاء إلينا حتّى يصبح مثلنا، وأنّه تركنا حتّى يدعنا أن نصبح مثله، وبمنحه إيّانا روحه القدّوس، أي نفسه الإلهيّ، أصبح أقرب إلينا ممّا نحن إلى أنفسنا.

فمن خلال نَفَس الله بالذات يمكننا أن ندعو الله "أبّا" أي أبانا، ويمكننا أن نشارك في سرّ علاقة الآب بالابن الإلهيّة. على هذا، صلاتنا في الروح القدس تعني إذًا المشاركة في حياة الله بالذات، أي في حياته الحميميّة.

 

في هذا المجال كتب توماس ميرتون (Thomas Merton):

"إنّ اتّحاد المسيحيّ بالمسيح هو اتّحاد سريّ، بحيث يصبح يسوع المسيح مصدر الحياة فيَّ وأساسها... ويسوع المسيح، بمنحه إيّاي روحه القدوس، "يتنفّس" إلهيًّا فيّ".

 

ربّما ما من تشبيه معبّر عن العلاقة بالله في الصلاة كتعبير "نفَس الله". ففي حالتنا كالمصابين بمرض الربو الذين يشفون من قلقهم، قد أزال الروح القدس قلقنا وجعل لنا كلّ شيء جديدًا، فنستقبل نفَسًا جديدًا وحريّة جديدة وحياة جديدة.

 وهذه الحياة الجديدة هي حياة الله بالذات. الصلاة، إذًا، هي "تنفّس" الله فينا، ومن خلال ذلك يصبح جزءًا من الله في حميميّته الإلهية، ونولد من جديد.

 

على هذا تكمن مفارقة الصلاة في أنّه تتطلّب منّا جهدًا جادًا، وفي الوقت ذاته، لا يمكننا أن نتقبّلها إلّا هبة.

 

 فلا يمكننا أن نسيّر الله كما نريد، من خلال تخطيطنا وتنظيمنا. ومن ناحية أخرى، لا يمكننا أن نتقبّل الله بدون عناية وتدريب.

 

 فترغمنا مفارقة الصلاة هذه أن ننظر أبعد من حدود وجودنا الزائل. وبقدر ما نستطيع أن نزيل وهمنا في الخلود وأن نتوصّل إلى تفهّم وضعنا الزائل، يمكننا أن نسعى بحريّة إلى الخالق، الذي يخلق الحياة من جديد، وأن نتجاوب مع هباته بالشكر.

 

غالبًا ما نعتبر الصلاة ضعفًا، ونظامًا يدعمنا، فنستخدمها عندما لا يعود بإمكاننا أن نساعد أنفسنا.

 

 قد يكون الأمر كذلك إذا ما خلقنا نحن إله صلاتنا، على مثالنا، وكيّفناه بحسب احتياجاتنا واهتماماتنا.

 

ولكن، إذا ما جعلتنا الصلاة نسعى إلى الله، لا بحسب شروطنا، بل بحسب شروط الله، فإنّها تسحبنا من انشغالاتنا الذاتية وتشجّعنا على مغادرة الأرض المألوفة وتتحدّانا للدخول في عالم جديد، لا يمكننا احتواؤه ضمن حدود عقولنا وقلوبنا الضيّقة.

 

 فالصلاة إذًا، مغامرة رائعة، لأنّ الله، الذي ندخل معه في علاقة جديدة، هو أكبر منّا ويتحدّى كلّ حساباتنا وتوقّعاتنا.

 

والحركة المؤدّية من الوهم إلى الصلاة، صعب القيام بها، إذ تقودنا من الأمور اليقينيّة غير الصحيحة إلى الأمور المشكوك فيها، لكن الصحيحة.

 

كما أنّها تقودنا من نظام هيّن يدعمنا إلى استسلام خَطِر، ومن "الآلهة" العديدة، مانحة الأمان، إلى الإله الذي ليس لحبّه حدود.

 

 

غياب الله وحضوره

إنّ الله هوالمتسامي الذي يسمو على عقولنا وقلوبنا، على أفكارنا ومشاعرنا، على توقّعاتنا ورغباتنا، وعلى الأحداث والخبرات في حياتنا. ومع ذلك، فالله هو في مركز كلّ شيء، حيث نلتقي به في قلب صلاتنا، وحيث يبدو جليًا أنّ التمييز بين حضور الله وغيابه لا يكون تمييزًا حقيقيًا.

 

ففي الصلاة لا يُفرّق أبدًا حضور الله عن غيابه، ولا يُفرَّق أبدًا غياب الله عن حضوره، إذ يسمو حضور الله على خبرة التعايش الإنسانيّ، لدرجة أنّه كثيرًا ما يُعتبر غيابًا.

ومن ناحية أخرى، فإنّ غياب الله غالبًا ما يكون شعورًا عميقًا لدرجة أنّه يؤدّي إلى شعور جديد بحضوره. نجد في المزمور (22/ 2 ـ 6) تعبيرًا قويًا عن ذلك:

"إلهي إلهي ، لماذا تركتني؟ هيهات أن تخلّصني كلمات زئيري!

إلهي، في النهار أدعو، فلا تجيب، وفي الليل لا سكينة لي.

أمّا أنت فإنّك قدّوس، جالس في تسابيح إسرائيل.

عليك توكّل آباؤنا، توّكلوا فنجّيتهم.

إليك صرخوا فنجوا، وعليك توكّلوا فلم يخزوا".

 

ليست هذه الصلاة تعبيرًا عن خبرة شعب إسرائيل فحسب، بل هذ ذروة الخبرة المسيحيّة أيضًا.

إذ عندما تفوّه يسوع من على الصليب بهذه الكلمات، لامست الوحدة التامّة التقبّل الكامل، وفي  تلك اللحظة، لحظة الفراغ الكامل، تمّ كلّ شيء.

وفي تلك الساعة، ساعة الظلام، ظهر نور جديد. وعندما شهد البشر الموت، في الوقت نفسه تمّ تأكيد الحياة. وأخيرًا، عندما برز غياب الله على نحو صارخ، في الوقت نفسه أُعلن عن حضوره، على نحوٍ عميق جدًا.

وهكذا اصبح الله ذاته، في بشريّته، مشاركًا لنا في خبرتنا المؤلمة جدًا لغيابه، أصبح بذلك حاضرًا لنا، على نحوٍ كبير. ونحن عندما نصلّي ندخل في السرّ الإلهيّ. ومن  خلال وجودنا الإنسانيّ، نجد أن الحميميّة مع الله تتخطّى دائمًا حميميّتنا الإنسانيّة، ونختبر هذه الحميميّة بانتظارنا المخلّص، الذي جاء وسوف يأتي. وبالرغم من أنّنا في لحظات استثنائية قد يغمرنا شعور عميق بحضور الله في مركز وحدتنا وفي وسط الفسحة التي نخلقها للآخرين، فإنّه يلازمنا، على الأغلب، شعور مؤلم بالفراغ، ولا يمكننا أن نختبر الله إلّا كالإله الغائب.

نقرأ هذه العبارات في كتابات المؤلّفة الفرنسيّة سيمون وايل (Simone Wiel) :

"الانتظار بتأنٍّ وترقّب هو أساس الحياة الروحيّة".

 

بهذه الكلمات تعبّر الكاتبة جيّدًا عن الغياب والحضور اللذين لا ينفصلان أبدًا بعضهما عن بعض في سعينا إلى الله في الصلاة.

 على هذا، فالحياة الروحية هي أوّلًا انتظار بتأنٍّ، أي أنّها انتظار من خلال الألم، وفي هذا الانتظار نتذكّر غياب الله عبر العديد من خبرات الشعور بعدم الإنجاز.

 ومن ناحية أخرى، بما أنّ الحياة الروحيّة هي أيضًا انتظار بترقّب، فذلك يدعنا أن نتعرّف إلى المؤشّرات الأولى لحضور الله، الذي يأتي إلينا في وسط آلامنا.

فلا يمكننا، إذًا، أن نلمس حضور الله، إلّا إذا أدركنا بعمق غيابه، كما نكتشف آثار أقدام إله في عمق توقنا له وهو غائب، فندرك أنّ رغبتنا في محبّته تولد من حبّه لنا عندما يحرّك قلوبنا.

 

 فالمرء، بانتظاره الشخص المحبّ بصبر، يكتشف كم سبق وملأ الحبيب حياته. من هنا نجد أنّ علاقتنا الحميميّة بالله تتعمّق وتنضج من خلال خبرة غيابه المطهّر، تمامًا كما يحدث للمحبّين الذي يكتشفون من جديد بعضهم بعضًا أثناء الفترات الطويلة منّا الغياب. فبإصغائنا إلى رغباتنا العميقة نسمع الله خالقها، وباتّصالنا بمركز وحدتنا نشعر بلمسة الله المحبّة، وبمراقبة رغبتنا المستديمة في الحبّ بدقّة نتوصّل إلى إدراك ذواتنا، فنفهم أنّ قدرتنا على الحبّ مشروطة بكوننا محبوبين سابقًا، وأنّ قدرتنا على تقديم الحميميّة إلى الآخرين مشروطة بكوننا أتينا إلى الوجود انطلاقًا من الحميمية الموجودة في أعماق الله سبحانه.

 

في أيّامنا هذه، وقد كثر العنف ودمار الحياة، وصارت جروح البشريّة مكشوفة للأنظار، إذ من الصعب علينا أن نقبل اختبارنا الله كغياب مطهّر، وأن ندع قلوبنا تنتظر بصبر ومهابة إلى أن يأتي.

 فنحن نميل إلى التمسّك بحلول سريعة لأسئلتنا بدلًا من التساؤل عن صحّة الأسئلة، كما نميل إلى الوثوق بأي اقتراح يعدنا بعلاج سريع.

 

وازداد هذا الميل كثيرًا، بحيث إنّنا نتفاجأ اليوم بظاهرة انتشار الخبرات الروحيّة في كلّ مكان، وازدياد الطلب عليها ممّا يضاهي طلب المواد التجاريّة.

 

 فنجد عددًا كبيرًا من الناس يتهافتون على بعض الأمكنة حيث يتواجد الأشخاص الذين يعدونهم بتأمين خبرات مكثّفة من التعايش الجماعي والعواطف الانفراجيّة، التي تشعرهم بالبهجة اللذيذة وبالنشوة المحرّرة والانخطاف الروحيّ.

 

وبسبب احتياجنا المقلق إلى تحقيق الذات وسعينا اللاهث للحصول على خبرة الحميمية مع الله، أصبحنا معرّضين لابتكار أحداثنا الروحيّة الخاصّة.

 

على هذا، ففي حضارتنا، التي لا تهدأ، أصبح من الصعب، إلى أقصى الحدود، أن نجد في الانتظار ما يرضينا من خلاص.

مع ذلك، وبالرغم من كلّ شيء، فإنّ الله الذي يخلّصنا، ليس مصنوعًا بأيدي بشريّة، كما أنّه يتخطّى ما نتوصّل إليه على المستوى النفسيّ من تمييزات بين التعابير المستخدمة: سابقًا وليس بعد، والغياب والحضور، والذهاب والإياب.

 

وأخيرًا، لا يسعنا إلّا أن نبتعد تدريجيًا عن أوهامنا وأن نصلّي من خلال ترقّبنا وانتظارنا الدؤوب، على غرار صاحب المزامير:

"أللّهمّ أنت إلهي، إليك بكرتُ، إليك ظمئت نفسي وتاق جسدي.

كأرض قاحلة مجدبة لا ماء فيها.

كذلك في القدس شاهدتُك لأرى عزّتك ومجدك.

أطيبُ من الحياة رحمتك. وإيّاك تُسبّح شفتاي.

وكذلك في حياتي أباركك، وأرفع كفّي باسمك.

كمِن شحم ودسم تشبع نفسي، وبشفاه التهليل يُشيدُ فمي.

إذا ذكرتُك على مضجعي تمتمتُ بك في الهجعات،

لأنّك كنتَ لي نُصرةً، فأهلّل في ظلّ جناحيك.

عَلِقت بك نفسي، ويمينك ساندتني..."

                                                  (مز 63/ 2 ـ 9)

 

تحويل الاحتجاج إلى صلاة

عندما يصبح بإمكاننا أن نُبعد أوهامنا في الخلود، نصبح قادرين على خلق الفسحة المنفتحة، حيث نستطيع أن نمدّ سواعدنا إلى إلهنا، الذي يتخطّى كل توقّعاتنا وأحلامنا ورغباتنا.

وقد لا نتحرّر من أوهامنا أبدًا على نحوٍ كامل تمامًا، كما قد لا نتحرّر أبدًا على نحو كامل من وحدتنا وعدوانيّتنا، لكنّنا عندما ندرك حقيقة أوهامنا كما هي، سندرك أيضًا ملامح الصلاة الأولى، وسنكتشف أنّنا دائمًا في حركة بين قطبَي الوهم والصلاة.

 

ففي بعض الأوقات، عندما يستحوذ  علينا عملنا اليوميّ، على نحو كامل، فإنّ كلمة الصلاة لا تستشير إلّا انزعاجنا، وفي أوقات أخرى تبدو لنا الصلاة هيّنة، بديهيّة ومرادفة تقريبًا للحياة. لكنّنا نجد أنفسنا عادةً بين نقيضين، فنصلّي وفي الوقت نفسه نبقى متمسّكين بملكيّاتنا المستحبّة بيد واحدة على الأقلّ، ولا ندرك إلّا بغموض طابعها الوهميّ.

وفي أوقات أخرى نصبح مجبرين من جديد على أن نستفيق من وضعنا، وضع اللاسبات واللايقظة.

 

 فعندما تجدنا في أزمة حرب أو مجاعة أو مرض أو موت، نصبح وجهًا لوجه أمام الأمور اللامعقولة في الحياة، ولا يبقى بإمكاننا أن نبقى محايدين، بل يُطلب إلينا الإجابة. ويحدث غالبًا أن جوابنا الأوّل والأكثر جلاءً هو احتجاج ينفجر من عمق أنذهالنا. وفي هذه اللحظات الحاسمة من حياتنا، نتذكّر أوهامنا من جديد، ويُطلب إلينا أن نحوّل احتجاجنا إلى صلاة. ويكون ذلك أمرًا عسيرًا جدًّا، لكنّه لا يبعدنا عن واقعنا الحقيقيّ، بل يقرّبنا منه.

مؤخّرًا، سقط إكليريكيّ من درّاجته ومات على الفور، وهو كان قد انتهى من دراسته الطويلة الاستعداديّة للخدمة الدينيّة، وأصبح مستعدًّا للابتداء بخدمة الكنيسة. وصُدِم بوفاته هؤلاء الذين كانوا يعرفونه جيّدًا، فأصبحوا يشعرون باحتجاج صارخ من عمق قلوبهم متساءلين:

 

 

 لماذا حدث ذلك لهذا الإنسان بالذات، وهو الشخص الجليل الذي كان يمكنه أن يعمل الكثير للعديد من الناس؟

لماذا حدث ذلك في الوقت الذي كانت تنشئته الغالية ستعطي  ثمارها؟

لماذا انتهت حياته هكذا، من دون أيّة تهيئة ومن دون بطولة؟

 طبعًا، تبقى كلّ هذه الأسئلة المعقولة بدون أيّ جواب، والجواب الإنسانيّ الوحيد، كما يبدو، كان الاحتجاج الحادّ الصارخ.

لكنّ احتجاجًا كهذا هو تعبير عن استمراريّة وهمنا في أنّنا نفقه ماهيّة الحياة وأنّنا نسودها ونتحكّم في قيمها وأهدافها.

 

 

في الواقع، إنّنا متوهّمون، وبالمقابل فإنّ هذا الحادث يتحدّانا لنحوّل احتجاجنا إلى صلاة، ترفعنا أبعد من حدود وجودنا، نحو ذاك الذي يحمل حياتنا في يده وقلبه، بحبّ ورحمة لا حدود لهما.

 

 وإذ نحاول أن نتقبّل هذا التحدّي، نصير حكماء إذا ما خاطبنا أنفسنا، بكلمات صاحب المزامير:

 "يا بني البشر، حتّام يكون مجدي عارًا، وحتّام الباطل تحبّون والكذب تبتغون؟ إعلموا أنّ الربّ قد صنع العجائب لصفيِّه. الرَّبُّ يسمع حين أدعوه" (مز 4 / 3 ـ 4)

                           

                          

                                                    الأب هنري نُووِين

 

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية