الغوص في لجّة الثالوث

 

 

 

الغوص في لجّة الثالوث

 

الصلاة هي الغوص أكثر فأكثر في لجّة الثالوث: فيأتي الروح ويستحوذ عليك ويعطيك الابن، والابن يعطيك الآب.

 

لقد بدأت خبرة الصلاة بتطلّع الله المثلّث التقاديس. وأنت، الآن، تكمّلها أو بالأحرى تواصلها في سرّ الثالوث الأقدس. وحينما عبرتَ مراحل الخطّة الخلاصيّة جميعها، ازددت معرفة بغنى سرّ الله الذي لا يُسبَر، والذي يشبّهه القدّيس بولس بلجّة: تستطيعون مع جميع القدِّيسين أن تُدركوا من محبّة المسيح ما العرض والطول والعلو والعمق، تلك المحبّة التي تفوق كلّ إدراك، فتمتلئوا هكذا من كلِّ ملء الله (أفسس ٣/ ١٨ ـ ١٩). وهناك مرحلة أخيرة يجب اجتيازها، لأنّ السرّ الفصحيّ ليس غاية في ذاته، بل يُفضي إلى محبّة الثالوث. فإنّ يسوع، بعبوره هذا العالم إلى الآب، يجذبك وراءه ويدخلك في سرّ علاقته بالآب.

 

 

إنّ حياة الثّالوث هي أساس التأمّل وصلاة التطلّع.

 

 فحينما تصلّي، تكون على وعي بالعلاقات الجديدة الموجودة بين أقانيم الثالوث وبينك، فتدع ذاتك تنجذب وتنساب في حركة حياة الثّالوث. وكما يقول القدّيس إيريناوس: "إنّ الرُّوح يقبض عليك ويعطيك الابن، والابن يُعطيك الآب". في الصَّلاة، لا تتوقّف عند المناطق الوسطى ممَّا يتناول الفكر والإحساس. بل توغّل في هذه اللجّة حيث يسكن الثّالوث، وتعال وانضمّ أوّلًا إلى الثّالوث الموجود فيك. مهما كانت همومك وقلقك وخطاياك واحتياجاتك، انضمّ أوّلًا إلى الثّالوث، وستلقى ذلك بطريقة أخرى.

 

إنّك هنا في قلب الصَّلاة. ويمكنك بعقلك وقلبك الوصول إلى وجود الله. إلّا أنّ سِرّ حياته الداخليّة لن يكون في متناولك: الرُّوح القدس وحده يستطيع أن يشكف لك بالاختبار، سرّ المحبّة هذا. أنت تعرف عبارة القدِّيس يوحنّا: الله محبّة (١يوحنّا ٤/ ٨). ولكن هل أدركت كلّ أبعاد هذه اللفظة: المحبّة؟ ففي نظرك، تتوقّف المحبّة على أن يريد إنسانٌ خيرًا للآخر وأن يهتمّ به أو أن يميل إليه. فالله محبّة في عمقه؛ وهذا يعني إنّه جماعة أشخاص، أو بالأحرى شركة. فكيانه بل وجوده هو أن يحبّ. وبكلمة: المحبّة شخص.

 

إنّ الكيان بالنسبة إلى الله يعني أن يُحبّ، أي أن يخرج من ذاته ليعطي ذاته لآخر ويوجَد فيه. وكلّ أقنوم من الثّالوث يوجد في العلاقة التي توجّهه إلى الآخر. فحينما تقول إنّ الله أب تؤكّد في الوقت نفسه إنّه لا يوجد إلّا ليخرج من ذاته، ويعطيَ ذاته ويوجد بكلّيته في ابنه. ويسوع نفسه لا يوجد ولا يحيا إلّا للآب وإيّاه يُعطي ذاته بكاملها. ومحبّتهما المتبادلة تعبّر عن ذاتها وتصبح خلّاقة في شخص الرُّوح القدس .

 

فالتأمّل يجعلك تكتشف بالخبرة مجرى المحبّة العظيم السَّاري بين أقانيم الأسرة الإلهيّة.

 

ففي قلب الثّالوث، أنت، حقًا، عند مصدر المحبّة القائمة في العالم وفي الكنيسة. حينما يُعلن يسوع أكبر الوصايا (متى ٢٣/ ٣٤ ـ ٤٠) ويدعو تلاميذه إلى محبّة الله ومحبّة إخوتهم، إنّما يضعك بذلك في قلب الثالوث. ولكنّك لا تستولي على محبّة الله ومحبّة الآخرين، لأنّها ليست محبّة يمكنك إحداثها في ذاتك بقواك الخاصّة؛ ولا علاقة لها بالأحاسيس التي تشعر بها تجاه الله في الصلاة، ولا هي نوع من المحبّة البشريّة الطبيعيّة لإخوتك.

وعند تطلّعك الثّالوث الأقدس، تطلب إلى المحبّة الآتية من فوق، والتي توحّد الأقانيم الإلهيّة الثلاثة، أن تأتي وتحلّ فيك: إنّ محبّة الله قد أفيضت في قلوبنا بالرُّوح القدس الذي أعطيناه (روم ٥/ ٥). فالرُّوح القدس هو الذي يخلق فيك هذه المحبّة، ويعطيها لك المسيح المائت والقائم، والذي تتناوله طعامًا في الإفخارستيا. "بعد أن غذوتنا بالسرّ الفصحيّ، أفض علينا، يا ربّ، روح محبّتك لكي تحفظ محبّتك الأبويّة قلوبنا في اتّحاد تام".

 

وإذا حاولت أن تدنو قليلًا من سرّ العلاقات الثالوثيَّة، ترَ أنّها تتميّز بحركة مزدوجة: استقبال واشتراك، عطاء وتبادل.

 فالأشخاص الإلهيّة لا تمتلك ذاتها إلّا لإعطائها. وإنّها تحقّق ذاتها بالخروج من ذاتها. فالله لا يكفّ عن إظهار محبّته في إعطاء ذاته، أتعلّق الأمر بالمحبّة بين الأقانيم الإلهيّة ذاتها أم بالمحبّة للبشر، المتفجّرة في الخلق والصَّليب والكنيسة.

حاوِل أن تعيَ محبّة الله لك. إنَّها دعوة إليك لتتذكّر عظائم الله تجاهك فتفهم معناها وتتّحد به. إنّه يخلقك ويحفظك في الوجود بكلِّ غنى شخصك: الجسد، الرُّوح، القلب، المواهب، إلخ...، وبالعماد يخلقك من جديد ويجعل منك ابنًا يغذّيه بالإفخارستيا ويمنحه غفرانه. تذكّر نِعَم حياتك كلّها على صعيد الدّعوة والصَّلاة والرِّسالة...

 

في الصَّلاة ، أدخل في سرّ هذه العطايا ومعناها العميق. وإنّك غالبًا ما تشبه الابن الأكبر في مَثَل الابن الشّاطر وقد بَهرَته خيرات أبيه: لم تعطني قطّ جديًا لأتنعّم به مع أصدقائي (لوقا ١٥/ ٢٩). فإنّ منظر الخيرات والأشياء حجب عنه منظر الأشخاص. فهو لا يرى الأب الذي هو مانح هذه العطايا كلّها؛ ولهذا فإنّ الأب يوجّه إليه توبيخًا رقيق العبارة: يا ابني، أنت معي في كلِّ حين، وجميع ما لي هو لك (لوقا ١٥/ ٣١). فعندما تعي عطايا الله، تكتشف أنّ الآب، من خلالها، يجعل ذاته حاضرًا لك أكثر فأكثر. وهو يمضي إلى أبعد، إذ يحقّق في قلبك حضوره، حضور المحبّة والنعمة. إنّ الهبة العظمى والسُميا التي يعطيكها تتركّز في شخص ابنه يسوع.

 

إنّ هذا الوعي لعظائم الله دعوة إلى تمجيد عمل الله فيك وإلى الإعجاب به. إنّك هنا عند منعطف كلّ حياة مسيحيّة. فمن جهَّة، يمكنك استعمال عطايا الله لأجل تنعّمك الأناني عوض أن تجعلها أدوات علاقة مع الله ومع الآخرين. إنّها خطيئة الابن الأصغر الذي يذهب ويبذّر خيراته في حياة إسراف بعيدًا عن الأب. لقد قطع العلاقة مع أبيه، إنّه منقطع عن ذويه. ومن جهَّة أخرى يمكنك أن تقدّم ذاتك لله مع كلّ كيانك وتوجّه إليه هذه العطايا مع ثرواتك وقلبك. وغاية هذا التطلّع هي أن تقودك إلى تتميم هذه التقدمة لله في حقيقة كيانك.

فمع كلّ الخليقة، أنت مدعو، إلى الدخول مع المسيح في قلب حياة الثالوث: كلّ شيء هو لكم، وأنتم للمسيح، والمسيح لله (١كور ٣/ ٢٢ ـ ٢٢).

فعندما تقوم بالتأمّل، فذلك يعني أنّك تُقبَل مجّانًا في حوار المحبّة هذا الموجود بين الأقانيم الإلهيّة الثلاثة، وإنّك تشاركهم حياتهم واتّحادهم، حتّى تصبح قادرًا على أن تقول لله: "أنتَ".

 

ولكنّك تكتشف حالًا متطلّبات دخول الثّالوث في حياتك. فإنّك لا تستطيع أن تلجَ تيّار المحبّة هذا إلّا شريطة أن تعيش وتحبّ مثل أقانيم الثّالوث. وهذا يقتضي منك تخلّيًا تامًّا عن شخصك وفقرًا كليًّا فيه تعطي ذاتك للآخر. وأنت هنا تتمّم شريعة التطويبات: إنَّ الفقر الرُّوحيّ هو الشرط الضروريّ للمحبّة. وهكذا تكون كلّ خيراتك موضوعة تحت تصرّف الله والآخرين.

 

إنّك، تفهم، الآن، لماذا تتأصّل المحبّة الأخويَّة في شركة الثالوث:

ففي الشّركة مع إخوتك، أنت مدعوّ إلى أن تعيش على الأرض المحبّة التي توحّد الأقانيم الإلهيَّة.

 

 فكما أنّ الآب يحبّ الابن بأن يُعطيه ذاته كلّها، والابن يحبّ الآب بأن يعطيه ذاته كلّها له، هكذا فالمحبّة عينها التي تجري في قلب الثالوث تعلّمك أن تعطي حياتك للآخرين.

 

فالمحبّة الأخويّة لا تقوم على الأساليب التقنّيَّة، بل على شركة أعظم مع الله. وفي الحقيقة، إنّك لا تبذل جهدًا لكي تحبّ إخوتك، وإلّا فستتعرّض لأوهام عديدة؛ ولكنّك حينما تعيش متجرّدًا وفقيرًا، تغمرك محبّة الله وتجعلك قادرًا على محبّة الآخرين: ليكونوا واحدًا كما نحن واحد (يوحنّا ١٧/ ٢٢). 

 

فكثيرًا ما نجعل المحبّة الأخويَّة مقتصرة على سلوكيَّة مبهمة أو على نوع من العاطفة الحسيّة، في حين أنّها تأتي، قبل كلِّ شيء، سرّ الثالوث. فكلّ مرّة يتحابّ الزوجان أو الأصدقاء، فإنّهم  يعيشون ويُعيدون على الأرض سرّ الثالوث.

 

ففي تطلّع هذا السرّ أساس كلّ صلاة وكلّ محبّة صادقة للآخرين. وكان "بردييف" يقول لأصدقائه الشيوعيِّين: "إنّ تعليمنا الاجتماعيّ هو الثالوث".

 

فهدفك الوحيد على الأرض، إذًا، هو أن تتطلّع الثالوث وتسجد له، وأن تعرض لهذه المحبّة كلّ السَّطح العاري من كيانك، حتى أكثر قواك حسيّة، كلّي تغمرك وتجرفك في تيّارها.

 

أليس هذا هو التفتّح الكامل لدعوتك الأبديّة؟ فلماذا قلّما يتغذّى المسيحيّون من سرّ الثالوث الأقدس؟

 

 وكان بوسعهم أن يجدوا في هذا التطلّع ينبوعًا متدفّقًا للحياة الأبديّة. أمّا أنت، فبإستطاعتك أن تعيد بدون انقطاع تطلّع الثّالوث هذا، الذي هو جوهر التأمّل وحياة الصَّلاة. وعند خروجك من رياضة روحيّة قامت على اختبار الصَّلاة، يحسن بك أن تعيد هذا التطلّع مدّة أسابيع عديدة لكي تحافظ على روح الأسرار التي تأمّلتها.

 

والمرحلة الأخيرة تضعك في قلب الثّالوث، لكي ترى أنّ جميع الأشياء تنحدر منه: "تأمّل كيف أنّ كلّ الخيرات وكلّ المواهب تأتي من فوق، كما تتدفّق الأشعّة من الشمس والمياه من الينبوع". ويوم تفهم أنّ كلّ شيء يأتي من الله، تصبح حقًا معاونًا له، بممارسة كهنوتك، كهنوت المعمّدين، فتقدّم للآب، مع يسوع، ذاتك ذبيحة مقدّسة، حيّة مرضيَّة (روم ١٢/ ١) وتقدّم له في الوقت نفسه الخليقة كلّها.

 

وكما أنّ يسوع، في حضن الثّالوث، يرفع ذاته باستمرار إلى الآب مع كلّ ما أخذه منه، هكذا أنت، أيضًا، تردّ إلى الله كلّ الخيرات التي وهبها لك. إنّه فعل الاستسلام الكامل النهائيّ الذي قام به يسوع على الصَّليب عندما قال لأبيه: كلّ شيء قد تمّ.

 

إنّ هذا التأمّل في الثّالوث يجب أن يوحّد حياتك كلّها، لأنّه يغمسك في حقيقة المحبّة ويعلّمك أن تجد الله وأن تحبّه في كلّ الأشياء. فيوم تفهم أنَّ الله يحبّك، وأنَّ المحبّة تحوي كلّ شيء، تتغيّر أمامك الحياة وتجد الله في كلِّ مكان: في علاقاتك وفي شغلك اليوميّ كما في الدراسة والصَّلاة.

 

فلن يوجد، من بعد، تضارب فيك بين الصَّلاة والعمل، وبين الحياة مع الله والحياة مع البشر.

 

والصّراع الحقيقيّ يكون بين الإنسان العتيق والإنسان الجديد، بين الخطيئة والنعمة، وبين الأنانيَّة وعطاء الذات. فإذا كان قلبك مفتوحًا ومستعدًا، فسيجرفك تيّار المحبّة وستكون حياتك الموضع الممتاز لاختبار الله.

 

جان لافرنس

 

 

                                                              

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية