الفرح دعوة حياتنا

 

 

 

 

 

الفرح دعوة حياتنا

 

الفرح لا نصنعه بأيدينا، بل هو هبة شخص آخر لنا، وهذه هي خبرتنا اليوميّة في الحياة. فالفرح يأتينا من كلمة إنسان يدعم، يساند، يشجّع، يغفر، يجدّد الثقة والعهد، يمنح بسخاء صداقته ومحبّته.

 

ونحن نختبر الفرح من خلال مواقف بسيطة وأمور صغيرة نستشعر من خلالها عطاء الحياة المجانيّ والفياض. نفرح من حضور الناس حولنا، من نظرة قبول وحنان يحطّونها علينا، من مرح الأطفال ولهوهم، من رجاء مريض وحبّه الحياة بالرغم من معاناته، من تضامن إنسانيّ يتخطى الحواجز الدينيّة والاجتماعيّة والسياسيّة.

 

الفرح هو سرّ الحياة، يفاجئنا بحضوره في حياتنا، فتنفتح أعيننا على علامات الرجاء من حولنا، وتمتدّ أيادينا لتعانق القريبين والبعيدين، ويملأنا شعور بالانتماء إلى الإنسانيّة جمعاء، في تنوّعها واختلافاتها، في جمالها وألمها وخطيئتها.

 

 

و قبل كلّ شيء فالفرح هو وعد يسوع لنا، ورغبة قلبه لنا. يريد أن يعطينا ذاته فنعرف معنى الحياة وطعم الفرح.

 

فأنّنا نفرح حين نكتشف مكانتنا في قلب يسوع، ومدى حبّه لنا الذي يفوق ما يمكن أن نتخيّله أو نتصوّره. هو نبع الحياة، لذا هو فيض الفرح.

 

 فعندما يسكن فينا ونسكن فيه، تدب الحياة في جنبات حياتنا كافة، ونشعر بأنّنا نمسك بتاريخنا كلّه وسائر أبعاد شخصيّتنا وكياننا بدون خجل، خوف أو حزن، بلا ندم، تردّد أو حسرة، فيعمّ قلبنا الفرح الذي لا ينازعه شعور على الأرض، ذاك الذي يمنحنا أن نتذوّق اليوم ما سنعيشه أبديًّا.

 

وعندئذٍ يملأ عيوننا نور يجعلنا ننظر إلى الناس ونرى الكنز الخفيّ المدفون فيهم، بالرغم من الأشواك والحجار المتناثرة هنا وهناك، ونستشعر الخميرة العجيبة التي تخترق العجين كلّه يومًا بعد يوم، وتحوّل عالمنا إلى صورة للملكوت.

للفرح لا توجد وصفة سحريّة، بل هو طريق يدعونا إليه الله، لنمضي فيه نحو ذواتنا عبر أحداث حياتنا وواقع الدنيا من حولنا.

 

 

 فالفرح هو بداخلنا، وموضعه هو قلبنا، حيث يتكلّم الله، ويمنحنا أن نكتشف أنفسنا وأن نستجمع كياننا في الصدق والحقّ، ومن ثمَ نلتقي الآخرين في حقيقة حياتهم أيضًا. ما يحدث في الخارج عنّا لا يجلب علينا الفرح، ولكن ما يشعّ في عمقنا يجعلنا نقابل الله في كلّ شيء وحدث يدور حولنا.

 

وبمعنى آخر، الفرح هو وعيّ يزداد عمقًا يومًا بعد يوم بما نحن عليه كبشر، وإدراك داخليّ ينمو في اكتشاف شخص يسوع والاتحاد به، وهذا ما يجعلنا نلتقيه ونفرح به من خلال علاقاتنا مع الناس وأحداث الدنيا الصغيرة والكبيرة.

 

وتعني هذه المسيرة الشخصيّة أوّلاً بساطة وصدق مع الذات يقودان الإنسان لتسميَة عوائق الفرح في حياته وما يعود إليه من تدريب وانتباه ويقظة للتعلّق بنور الفرح، وتُترجم ثانيًا في انفتاح سخيّ وكامل على روح الربّ الساكن فينا، من يدعونا برقّة ولطف وعذوبة إلى طريق الحياة الحقيقيّة.

 

 

ردّ يسوع على عطش الإنسان للفرح، وتحريره البشر من ما يعوقهم عن الحياة والنور. فأساس إيماننا هو تجسّد الابن الكلمة في واقعنا الإنسانيّ، وهذا سرّ عظيم نحاول يومًا بعد يوم أن نفهم معناه وأن نسبر عمقه فينا.

 

وبقدر ما نعي حقيقة وجودنا الإنسانيّ، نكتشف روعة حضور يسوع فيه، وكلّما أدركنا سرّ سكنى يسوع في واقعنا الإنسانيّ، زاد فينا الفرح وشعّ على الناس من حولنا.

 

 

لذا من المفيد أن يستطلّع الإنسان رغبته العميقة عن الفرح، وأن يطرح على نفسه بعض الأسئلة المفيدة:

 ما رغبتي في الحياة والفرح؟

كيف أُعبّر عنها، وكيف تظهر في حياتي؟

وإلى أيّ درجة أنتظره وأتطلّع إليه؟

 

وكيف أرجوه وأعمل من أجله واقعيًّا؟

 

بمعنى آخر، لا يكفي أن نردّد اشتياقنا للفرح، بل علينا أيضًا أن نفهم صورنا عن الفرح وسعينا وراءها، وكذلك إحباطنا من الحياة ويأسنا من الشعور بالفرح عندما تتأخّر تلك الصور في الظهور أو تهوى قبل أن ننعم بها. ويجب علينا بالتالي أن نعي ما نعتبره معوّقات وصعوبات في طريق الفرح، حتى نفهم معناها ومغزاها لنا.

 

 

فكثيرًا ما يختلط الفرح بالمتعة، ودائمًا ما يعوقنا الألم عن الشعور بالفرح، لذا كان لزامًا علينا أن نستوضح ديناميّة المتعة والألم في حياتنا وكيفيّة الخروج منهما إلى أفق الفرح بفضل حضور الله والناس في حياتنا.

 

 

لنتوقف أمام شخص يسوع الذي يعد بالفرح ويمنحه لأحبّائه، فهو هبته الأكيدة للبشر، التي تطلب منهم إيمانًا بكلمته، وثباتًا في محبّته، أي قرار لقبول الفرح، وتمييز روحيّ مستمر لإدراك نعمة حضوره فيهم.

 

طريق الفرح، هو أن نكون مع يسوع الذي يخلّصنا من أسر المتعة وسجن الألم، ويجعلنا مع أخوتنا البشر في سائر ظروف حياتهم، بالأخصّ حين يعتريهم الوهن والضيق والألم.

 

 

 

الأب نادر ميشيل اليسوعيّ

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية