الفصح عبور، من أين وإلى أين؟

 

الفصح عبور، من أين وإلى أين؟

 

لا حياة بدون عبور، من ينمو يعبر من مرحلة إلى مرحلة أكمل. من يسير يعبر من خطوة إلى خطوة جديدة، وهذا الذي يسمح له بأن يتقدَّم منتقلاً من مكانه إلى مكان جديد. في العبور تقدُّم. ولكن إلى أين؟

 

 إلى مرحلة أقرب من الهدف الذي نصبو إليه. فكلمة عبور تشتمل على "مِن، وإلى". لا حياة جديرة بأن تُعاشَ وذات معنى سوى في هذا العبور التطوّري النّامي صوب الهدف. كلّ سير ذو معنى يتمّ نحو الهدف المنشود، وكلّ خطوة واعية تقرِّب صاحبها من الهدف.

 

 عندما نقول طريق أو مسار بالمعنى الحياتيّ، وهدف يتَّجه نحوه هذا الطريق، نضع سالك الطريق بين نقطة الإنطلاق ونقطة الوصول، وفي الحالة الخلاصيّة، بين المرجعيّة التي تسمح للمرء بأن يحدِّد، في مساره، نقاط إرتكاز ومحطّات يقيس عليها دربه يصوِّبه ما بين نقطة الإنطلاق ونقطة الوصول.

 

نقطة الإنطلاق المطلقة هي المرجعيّة التي أرسلتنا نحو الهدف لننمو في سيرنا الحياتي عبر التاريخ والجغرافيا نحوه. يشتمل كلّ هدف على النموّ التطوّري حيث يلتزم سالك الدّرب مصوِّبًا دائمًا دربه نحو الهدف في تقدُّم واضح وثابت. الطريق هو مكان ممارسة الإلتزام العبوريّ من المرجعيّة نحو الهدف.

 

 لا أحد يسير في طريق بينما جزء منه غارق في إنهماكات أخرى. نسير في الطريق بكليّة كياننا مصوّبين هذا الطريق بين نقطتي الإنطلاق والوصول، وهذا ما نسمّيه الحياة.

 

حين تكون نقطة الإنطلاق الله ونقطة الوصول الله، تصبح الحياة أبديّة نسبة لمرجعيّتها وهدفها.

 

 لا قياس لشيء في الوجود إلاّ على ضوء الحياة في مصدرها ومقرّها. ونبع الحياة هو الله. هل تستطيع الحياة أن تكون مؤقّتة؟ أم أنّها تتّصف بالدّيمومة؟

 

من نقطة الإنطلاق

 

خلق الله آدم أي الإنسان في إنتمائه الترابي، لأنّه مأخوذ من أديم الأرض، ونفخ في أنفه من روحه نسمة حياة. نسمة الحياة هذه هي الإنتماء إلى الله. جبل الله آدم في إلتزام من قبله في قضيّة الإنسان منذ بداية الطريق. جبله من تراب لا ليستقرَّ في هذا التراب ولكن لكي يعبر منه تدريجيًّا نحو إنتمائه الرّوحي، تمامًا كالإنسان الذي يعبر من الطفولة التي تسيطر عليها الغريزة الحسيّة نحو البلوغ.

 

 

 ينطلق الطفل من بداية الطريق حيث ينتمي إلى التراب المتمثّل بالحواسّ، نحو البلوغ حيث العقل في نموّه نحو الرّوح فيسمو بفضلها وينمو حتّى بلوغ ملء قامة المسيح. للإختبار دور أساسيّ في هذا المسار العبوريّ. فالطفل المنفصل بشكل مطلق عن بني آدم لن يعي إنسانيّته. هذا ما يجعل للعبور من الذات نحو الآخرين وإطلالة الطفل نحو المجتمع المتمثّل ببيئته المباشرة بين الأهل في الخليّة الدافئة التي تساعده بفضل الحبِّ والحنان اللذين يناديان الثقة من قبله على الخروج من ذاته لإكتشاف ذاته الجديدة الإجتماعيّة النامية في النّضوج النابع من الإختبار.

 

 

هكذا تتمّ "العبورات" المتتالية في نضوج نامٍ نحو العبور النهائيّ والمصيريّ إلى ملء الحياة حيث تغمر السعادة كلّ شيء. فكلّ عبور يتّسم بالإختبار، وكلّ إختبار بنضج صاحبه ليُحقِّق عبورًا أكثر جذريّة نحو تحقيق الذات السّميا والمطلقة في نبع مرجعيّتها، في الله. نحن كلّ متكامل لا ينفصم ولا يتجزّأ.

 

حين تسير بنا الرّوح نحو هدفها تقود التراب المتمثّل بأجسادنا نحو الرّوحنة في عبور تتعمَّق جذريّته بقدر ما يعي المرء عمليّة العبور هذه والتي ينشدها بكلّ كيانه بسعادة وحبّ بقدر اليقظة. مصدر السّعادة هو تحقيق الذات في أعلى قمم كمالها، والحبّ حين تنصبّ الحياة والسّعادة من الله مصدرنا المطلق، ونقطة الإنطلاق والمرجعيّة التي نسير بمعيّتها في كلّ مسارنا، حتّى أخيرًا تتَّحد المرجعيّة بالهدف ويصيران واحدًا.

 

نسير من الله نحو الله. لماذا إذًا هذا المسير والإنطلاق من الله إن كنّا سوف نعود إليه في نهاية المطاف؟

 

في الدّرب بين المرجعيّة والهدف

يريدنا الله أحرارًا من خلال إختبار هذه الحريّة في الوجود الحياتي الوجدانيّ حيث ننمو في خضمّ الكون لكي ننتهي بأن نرفع الكون معنا في أجسادنا نحو الخالق حين ندرِّب الكون في هذه الأجساد على الطواعيّة للرّوح التي تقوده نحو الهدف بوضوح النّور.

 

على ضوء طبيعة الرّوح نعي نقطة الإنطلاق ونصوِّب الدّرب دائمًا نحو الهدف. يبقى الهدف نصب عيوننا الداخليّة حتّى نبلغ من خلال تأمُّلنا إيّاه إلى رؤيته حتّى في عيوننا الخارجيّة ويتَّحد الداخل والخارج بإنسجام ديناميكيّ لكي نعطي ثمار الرّوح حتّى في الجسد.

 

 بقدر ما نعيش الرّوح تتحوَّل أجسادنا لتصير "هياكل الرّوح القدس" أي عيش السّماء على صعيدنا.

 

 لقد وعى القدّيس بولس تمامًا هذا السرّ المتدفِّق من الله بالذات في يسوع المسيح حين قال عنه: "فيه يحلُّ كمال الألوهيّة حلولاً جسديًّا" (كول 2/ 9). وهذا يعني الإنسجام المُطلق ما بين اللاهوت والناسوت حتّى بتنا نرى الله فيه في الجسد. هذه هي طريق كلّ الخليقة العبوريّ نحو الهدف.

 

ألا يقول أيضًا: "فالخليقة تنتظر بفارغ الصّبر تجلّي أبناء الله؟" (روم 8/ 19) لماذا؟ لأنّه سوف تتجلّى فيهم في عرس كونيّ. تتألّق هذه الخليقة من خلال إنتمائها إليهم وإنتمائهم هم إلى الله. لذلك يتابع بولس: "فإنّنا نعلم أنَّ الخليقة جمعاء تئنّ إلى اليوم من آلام المخاض، وليست وحدها، بل نحن الذين لنا باكورة الرّوح نئنّ في الباطن منتظرين التبنّي، أي إفتداء أجسادنا" (روم 8/ 22 - 23).

من الذي يفتدي أجسادنا؟

 

هو المسيح الذي يفتدي أجسادنا بعد أن طرحنا آدم الترابي في تراب الهلاك والإنحلال.

 

 لقد شوَّه جمال الخليقة في إنتمائها إلى خالقها حين أخضعها "للباطل" (روم 8/ 20). تتوق الخليقة إلى العودة إلى الحياة في الله. إنّها تئنّ من آلام المخاض والولادة إلى الحياة في الله!

 

فصل آدم الخليقة عن خالقها الذي سلَّمه المسؤوليّة عنها حين قدَّمها له ليعطي لكلّ منها إسمه، أي سلَّطه عليها وبات آدم هو الوسيط ما بين الخليقة والخالق. حين إنفصل الوسيط عن الخالق فصل معه ما تحت سلطته أي الخليقة. ومن ينفصل عن الله ببادرة رفض من قبله عليه، إذا تاب، أن ينتظر بادرة المصالحة من الله نفسه. من الذي يشفع بنا أمام العدل الإلهي بعد كلّ ما لحقنا بالحبّ الإلهيّ طلبًا للمصالحة؟

 

يقول بولس حين يرى أنّنا بضعفنا لا نقوى على أخذ مبادرة المصالحة ببادرة منّا: "كذلك فإنَّ الرّوح أيضًا يأتي لنجدة ضعفنا لأنّنا لا نحسن الصلاة كما يجب، ولكنَّ الرّوح نفسه يشفع لنا بأنّاتٍ لا توصف" (روم 8/ 26).

 

والصلاة في أبعادها العميقة هي هذه المصالحة بين الخالق والخليقة. لذلك فالخليقة والتراب بحالة إنتظار حتّى يأتي أبناء الله الذين يحملونها في أجسادهم، وبتقديسهم لذواتهم يقدّسونها، ويرفعونها إلى المصالحة مع الخالق في أجسادهم المتصالحة معه، هي المنتمية إليهم؛ فمعهم وفيهم يرفعونها إلى الله - الهدف لمعانقة الحياة في ملء إنتمائها إلى مصدرها الذي يعانق الهدف. ما هو الهدف؟

 

هدف الفصح أو العبور

 

وحده الهدف يعطي لكلّ الدّرب علّتها ومعناها. بدون الهدف لا وجود للدّرب كدرب، بل تصبح مقرًّا للتشرُّد. من شروط الدّرب أن تقود من نقطة الإنطلاق إلى نقطة الوصول التي هي الهدف، ثمَّ تتوارى. فالدّرب تهيّئ للهدف كما هيّأ يوحنّا المعمدان لقدوم المسيح، ثمَّ حين جاء قال عنه: "له أن ينمو ولي أن أنقص" (يو 3/ 30).

 

 

 لأنّه حين نستقرّ في الهدف المطلق والنهائي، تفقد الدّرب مبرِّر وجودها، إذ تكون حقّقت رسالتها، فتستقرّ في الهدف. نحن في هذه الدّنيا رحّالة صوب الهدف. والهدف هو الله الذي يحوّلنا في الدّرب طيلة مسارنا لكي يهيّئنا لاستقباله. بقدر ما نتأمّل لحظة الوصول يحوّلنا الحبّ لنصبح شبيهين بمن ينادينا إلى العبور، لأنّنا مخلوقون على صورته كمثاله.

 

 

هل سمعتم بمن ربّه حبيبه! طوبى لمن زرع عينيه في الهدف طيلة الطريق حتّى يحوّله الهدف قبل الوصول إليه. لأنّه بالحقيقة يكون قد وصل إليه بقلبه وشوقه وحبّه قبل أن يستقرَّ فيه في خاتمة العبور. من يفضّل الحياة المؤقّتة على الحياة الدائمة؟

 

 إن أحببنا أحد نتمنَّى له الحياة السّعيدة، وإن أحببناه بلا حدود تمنّينا له حياة السّعادة الأبديّة. لا سعادة في هذه الدنيا إلاّ في الإستقرار في السّماء، حتّى في مرحلة ما قبل العبور. هنيئًا لرقيب الفجر لأن قلبه يكون قد إستقرَّ في النّور قبل أن ترصده عيناه.

 

نبع الحياة الذي هو الله هو غاية العبور. الذي يدعونا إلى أن نكحّل عينينا بنبع النّور ونعشق الإبحار في درب العبور ونشرب من خمرة كرمة الحياة الممزوجة بحبّة القمح المتألّقة في نار الحبّ على الصّليب أكلّ علينا من فُرُوجِ كوى الحياة وبيده أكاليل المجد يقول:

 

 "تعالوا إليّ يا مباركي أبي رثوا الملكوت المُعدَّ لكم من قبل إنشاء العالم" لأنّكم جماعة الحبّ المتجسِّد على باب كلّ محتاج تتسوَّلون الحياة قاطفين ثمار الحبّ ومصرّفينه إلى مال العبور من كفكفة دموع اليتامى الذين لا يجدون لهم قلبًا يحضنهم ويدفئهم.

 

هذا هو درب عبورنا الوحيد من الأرض إلى السّماء. على صليب الحبّ مدَّ الله للبشريّة جسر العبور من الأرض إلى السّماء.

 

 نحن جماعة عبور من الظلام إلى النّور، من التّراب إلى الرّوح، من الأرض إلى السّماء، من روح هذا العالم الإنحلاليّة إلى معانقة ملء الحياة في نبعها في الله حيث السّعادة والحياة في عناق مستديم. لا نستطيع أن نعبر لوحدنا. نحن أمام سرّ الحبّ!

 

فبقدر ما يكون الحبّ كبيرًا يكون شاملاً وبقدر ما يكون الحبّ عظيمًا تتّسع آفاق حبّه. لو كان هذا المحبّ هو الله، كما هو الحال في المسيح، فهل من حدود لشموليّة حبّه؟

 

 إنّه مخلِّص البشريّة قاطبة أفقيًّا وعموديًّا حتّى أنّه أفاض الخلاص على الخليقة برمّتها من جسده مقرّ الحبّ الإلهي والبشري. هنا تمَّت المصالحة في إطلاق أبعادها على الصّليب بين الله والكون، وممثِّل الكون هو الإنسان. وكلاهما متعانقان في وحدة لا تنفصم في يسوع المسيح.

 

 فهدف الفصح العبوري هو الإستقرار في المسيح حيث اللاّهوت والناسوت بإنسجام مطلق.

 

أيقظتنا نعمة الموت على حتميّة وضرورة العبور من غربة العذاب إلى موطن الحبّ في الله مقرّ الحياة السّعيدة والسّعادة الأبديّة.

 

هل يمكن للإنسان أن يكون سعيدًا إن عاش في هذا العالم  إلى الأبد؟

 

 لكلّ منّا جوابه. ولكن هل نحن جماعة عبور من الموت إلى الحياة أم جماعة إستقرار في الموت؟

 

مع المسيح نحن رحّالة على دروب الحياة صوب معبد الحبّ حيث ننهل بلا ملل من نبع الحبّ والسّعادة حيث الحياة تجتاح كلّ شيء. من لا يعبر كلّ يوم ينسى تدريجيًّا أنَّ الهدف بإنتظاره والرّوح يناديه بأنّاتٍ لا توصف إلى العبور من الموت إلى الحياة. قالها لنا السيّد المسيح: "من أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه كلّ يوم ويتبعني!"

 

 فسِرّ العبور مرتبط بسرّ الحبّ وبالإنتقال من الموت إلى الحياة، إلى الحبيب.

 

خلاصة

 

كلّما كبر الإنسان بالعمر وشاخ تعلَّق بمكان طفولته وأنشد الإستقرار فيه. أمّا من إعتاد على الرّحيل كلّ العمر فيبقى عاشق العبور!

 

 هنالك حوار جدلي عميق ما بين العبور والتجرُّد. فمن لا يستطيع أن يتجرَّد يزعجه العبور ويقلقه ويجعل إلزاميّة العبور مأساة وجوديّة. فيصبح الموت عدوَّه اللّدود بشكل مطلق.

 

أمّا من يحبّ، فبقدر الحبّ يتطوَّر لديه التجرُّد العبوري والعبور التجرّدي.

 

 فالتجرُّد العبوري هو الموت، والعبور التجرّدي هو التدريب اليومي على الموت عن هذه الدنيا. ما يحدّد إمكانيّة وضرورة العبور هي شدّة الحبّ. من يحبّ كثيرًا يسهّل عليه العبور إلى من يحبّ.

 

ومن يحبّ سيّد الحياة والموت يتحوَّل عنده العبور إلى عرس لقاء الحبيبين، وبقدر اليقظة الكيانيّة على هذا الحبّ يتحوّل الموت إلى درب عبور صوب الحبيب يعمل عابرها على زرعها بورود المحبّة وزيوت أعمال الخير ويعمل على تحويل ذاته وتزيينها لتصبح لائقة بالحبيب.

 

 فبقدر الحبّ يكون التحوُّل والتبدُّل جذريًّا.

هل نحبّ فعلاً؟

هل نحن جماعة عبور أم جماعة إستقرار؟

هل نحن جماعة الفصح؟

 

 

الخوري الياس سليمان

                 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية