الله فيك وفيهم

                             

   

 

    الله فيك وفيهم

 

كلّ حياتنا مفاهيم خاطئة إن لم نعرف سرّ علاقتنا بالله وبالآخرين على وجه الدقّة.

 

فما نسمّيه حقّنا قد لا يكون سوى تعبير عن التملّك أو التسلّط وما نسمّيه كرامة لغة في كبريائنا.

 

 وما نسمّيه عفّة كثيرًا ما كان تزمّتًا لإنسان غارق في بحر من الأوهام. يريحه وهمه ويأبى أن يتغيّر لأنّ الوثبة الرّوحيّة الكبرى تكلّف الحضور الدّائم للذهن والقلب معًا وأن نسائل أنفسنا أبدًا عن صحّة فكرنا والوجود.

 

 أن تكون عاريًا أمام الله قابلاً أن يسلخ عنك جلدك وأن يلبسك نورًا ينقلك إلى غير قناعاتك وغير مواقفك والإعتراف الدّائم بالحقّ هذا أمر صعب ولكن من لا يقبل هذا العراء يكون قد ارتضى الكذب.

 

كلُّ دنياكم زينة ولهو يخفيان نتانة تجدون لها تبريرًا أو تفسيرًا أو تأويلاً. نحن لسنا آلهة، تقولون. هذا يعني أنّكم تستطيبون هذا الطين الذي جُبلتم به ولكنّكم تزخرفونه لينطلي على الآخرين ويعطيكم هذا راحة موقتة.

 

 ولكم مثل هذه الرّاحة بين عذاب وعذاب. وفي هذا بهرجة تعرفونها باطلة ولكنّكم تتبرّجون لئلاّ تخور قواكم كليًّا.

وكلّ مأساتنا أنّنا لا نعرف ما ينفعنا حقيقة أي ما يرفعنا في العمق وقرّرنا أن نبقى سطحيِّين حتى لا نتعب.

 

ولست أريد بذلك سطحيّة السذج ولكن سطحيّة الأذكياء. فهؤلاء قد يكونون على التفاهة التي قد يكون عليها بائع الخضر لأنّ الذكاء عندهم زينة كما الثوب عند الحسناء، أي مصدر للتباهي. أجل أعترف أنّ للطاووس بهاء بين الطيور ولكن لفتني أنّ كلّ سحر ذنبه يراه هو في رأس صغير. مرّات يخيّل إليّ أنّ رأس البشر ليس أضخم من رأس هذا الطير المتشامخ. خلافي مع الطاووس ليس أنّه يؤمن بجماله وأنا أؤمن به أيضًا ولكن خلافي معه أنّه يتفاخر.

 

 

 أنا لا أعتقد أنّ العقل من حيث أنّه عقل هو أكثر من مجرّد طاقة في المكان الذي يقوم فيه أي في حقل المعرفة وليست المعرفة وحدها عندي بشيء. فإنّها كثيرًا ما كانت أداة للإجرام وحقلاً للتفاخر وليس ما يؤكّد أنّ الله يهب صاحبها فضيلة. السّؤال الكبير هو ماذا تعمل بعد المعرفة لترث الحياة.

 

الحقيقة الإنسانيّة الوحيدة التي لا زخرف فيها ولا صناعة ولا تبرّج هي المحبّة. والرؤية هي أن تحبّ ولا يضاف إلى هذا شيء.

 

 

***

 

ولهذا جاء عندنا: "من قال أنّه في النّور وهو يبغض أخاه لم يزل في الظلام إلى الآن" (1 يوحنّا 2/ 9). فالنّور والظلام مقولتان روحيّتان. المهمّ هو ألاّ يبقى أحدنا رهن الموت لا أن يحصل معارف إذا ما قويت لديه تقيمه على آرائك السلطة أو في متعة العين.

العلم يغيّر الكثير في هياكل هذا العالم ويمنح جاهًا ومخاتلة ولكن لا علاقة له باكتشافك القدِّيسين وأن تختبر محبوبيّتك لدى الله.

 

أنت مركز الله ومتجلاه ليس في ما أنت عليه من بهاء دنياك بل بما سربلك هو من جمال.

 

والربّ يجعلك مركزه بعدما أسلمت له وأفرغت نفسك من كلِّ اعتزاز ومن كلِّ فخار.

 

إن صرت في عينيك لا شيء وتركت كلّ غواية يتكوّن وجهك من أنوار الله. إن صبوت إلى هذه المنيّة وجاهدت حتى الدم لاكتسابها، إن عشت في صحراء كاملة تميتك ظمأ يرويك الربّ من ربوبيّته وهو يصبح فيك جنّات. فقط إذا عرفت هذا الخواء ينزل الله عليك خبزًا من السّماء وتحيا هذا الرّاهن الوحيد الذي هو العشق الإلهيّ.

 

حسبك في البدء أن تشتهي هذا الفقر حريّة حتى تغنى. قد تتحرّر من وطأة المنظور ومن ضغط السياسة عليك فليس هذا كلّ القهر. المقهوريّة الكبيرة هي الأنا الخبيثة التي تريد لنفسها عبادة. إنّك لا تستطيع أن تصير خادمًا للناس إذا بقي للأنا فيك مكانة لأنّها هي الوهم الكبير وسلطانها الرق الكبير لك ولمن جمعتهم حولك ليؤلِّهوك. وحده ربّك يجعلك مؤلّهًا عند فقرك الكامل والسعي إلى الفقر كمال الفقر.

 

 

***

 

وهذا يترجمه الناس فيك ضعفًا ورائدك في هذا يسوع الناصريّ ولا يهمّني في هذا مذهبك لأنّ المسيح معلّم كلّ الناس ولا يحصره أحد في زاوية معبد أو زاوية لاهوت.

 

 إنّهم كانوا يعتبرونه جميعًا ضعيفًا إذ لم يكن يملك شيئًا وقال إنّ ما يعمله إنّما هو من الآب وليس عنده شيء يقوله إلاّ ما سمعه من الآب. وكان إزاء السّلطة بلا جاه وإزاء قاتليه بلا كلمة.

 

 ولم يستطع أن يكمّل إجارة بيته في الجليل وآواه صديق في معصرة زيتون في أورشليم وكان شريدًا "ليس له موضع يسند إليه رأسه". وهذا هو الذي أهّلَه لأن ينتصر، وكان صاعدًا بسبب نوره وغالبًا بسبب ضعفه ولم يحمل سيفًا ولم يقبل أن يترأس المقاومة ولا محاولات لإعلانه ملكًا على شعب ثائر وحسم ألاّ يحمل تلاميذه سيفًا ووبّخ بطرس على استعماله لئلا ينسب إلى القوّة فعل. وأتيح لكلّ بني قومه أن يطعنوه.

 

 إنّه لم يلجأ إلى نفوذ من هذا العالم ولذلك غلب العالم. ولهذا قيل فيه: "أنتم تعملون جود ربّنا يسوع المسيح: فقد افتقر لأجلكم وهو الغني لتغتنوا بفقره" (2 كورنثوس 8/ 9).

 

 

***

     

  ومن بعده يبقى علينا "ألا نقاوم الشرّ بالشرّ". فإنّك إن كنت ضعيفًا على طريقة يسوع لا  تجد ضربة شرّ فيك شيئًا لتصيبه وقد أفرغت ذاتك من كلّ شيء. كيف يطعنون من فرغ من الكبرياء؟

 

 تسقط نبالهم على انعدام الأنا. قد يمقتونك لأنّك لا تردّ عليهم النبال ويموتون هكذا في أحقادهم وقد تشفيهم بالصّمت أو تشفيهم بالبسمة الصادقة ويزداد حنانك عليهم لأنّك ابتغيت بالغفران شفاءهم.

 

 وقد يزدادون هياجًا وأنت في مأمن من العاصفة حتى يهتك الله إثمهم فيتوبوا إليه وإليك وتاليًا إلى أنفسهم منقاة. وليس هذا لأنّك بليد. إنّهم هكذا يظنّون. ولكن هذا كلّه لأنّك صرت على هذه الشفافيّة التي سمّاها الرّسول بساطة المسيح.

 وأنت تؤتاها من بعد انحلال العقد وقد شفاك الله ليمكّنهم من رؤية نوره فيك حتى ينتقل إليهم فيعاينوا، إذ ذاك، مجده ليس في الملكوت الآتي ولكن في طفولة القلوب.

 

إنّ الصّفاء الذي سكبه الله عليك لا يغنيك عن الألم.

 

ذلك أنّ القداسة هي إحساس أوّلاً. إنّها ليست فقط نورًا على نور ولكنّها أيضًا نار متأجّجة. ذلك أنّ البرارة لا نعرفها إلاّ في الدفء. والدفء يعطيك ويعطيهم الهدوء وهو طاقة الرؤية. أمّا إذا انشغلت بنفسك لتجيء منها متعظمة فلا ذهاب منك إليهم. الصخب ليس الحركة. ويحزنك أنّ هذا العالم لا يتأكّد من وجوده إلاّ بمقدار ما يضجّ.

 

وإذا لمست أنّ فيك ردود فعل على ما يفعلون فمعنى ذلك أنّك لا تزال قائمًا في عينيّ نفسك وأنّك جريح الإعتزاز. ليس إنسان لا يثور فيه عصب ولكن من تساهل مع أعصابه يكون دائمًا صادم نفس ويغدو مقيمًا لنفسه فيها تمثالاً لها يعبده. الثورة حركة الثور يطعن بقرنيه.

ليس المطلوب ألاّ تحس ولكن المطلوب أن تنقل إلى قلبك نبضات القلب الإلهيّ حتى تشعر بها فتكون عادلاً. المحبّة هي أفصح كلمة من كلمات العدل. ذلك أنّ المبتغى ليس في أن تساوي بينك وبين الآخرين ولكن أن تحبّهم على نفسك لتعطيهم فرصة البرّ. عند ذاك تجيء من النّور الذي يكون الله قد قذفه فيهم ويجيئون هم من نورك فإذا الله مقول ضياءً في أحبّته.

 

 قبل ذلك يكون الله مفهومًا من المفاهيم، كلمة بين الكلمات، بعيدًا قد تحسب أنّه يلتزمك ولكنّك لا تلتزمه. إنّك غير ملتزمه إن لم تقمه هنا في الأرض. في لحمك ودمك. في كلّ ومضة من ومضات عينيك. الله إلهك إن بطلت لغتك وبات هو فيك اللسان والكيان.

 

 

                                                                    المطران جورج خضر