الله يأتي ويذهب

 

 

 

الله يأتي ويذهب

 

كلمات مدهشة مقلقة

 

تمتد أحاديث يسوع وأقواله الأخيرة من الفصل الثالث عشر حتّى الفصل السابع عشر من إنجيل يوحنّا. ففي تلك الفصول جُمَل قد نكون قرأناها، على غير ما انتباه، قراءة عاديّة عابرة؛ أو نكون قد دهشنا لها فملأت الحيرة قلبنا؛ أو شعرنا معها بسرّ مكتوم؛ ومع ذلك فهي مفعمة بالمعنى الجزيل.

 

منها، على سبيل المثال، الجمل التالية: "سمعتم قولي أنّي ذاهب وسأرجع إليكم. فإن كنتم تحبُّوني، فرحتم بذهابي إلى الآب لأنّ الآب أعظم منّي" (يوحنّا 14/ 28). "متى جاءَ المُعزّي الذي أرسله إليكم من الآب، روح الحق المنبثق من الآب، فهو يشهد لي، وأنتم أيضًا ستشهدون لي، لأنّكم منذ البدء معي" (15/ 26 - 27).

 

 "أمّا الآن فإنّي ذاهب إلى الذي أرسلني، وما من أحد منكم يسألني: إلى أين تذهب؟ أنبأتكم بهذا فملأ الحزن قلوبكم. غير أنّي أقول لكم الحق: من الخير لكم أن أمضي. فإن لم أمضِ، لا يأتيكم المعزّي، أمّا إذا مضيتُ فأرسله إليكم. ومتى جاءَ أخزى العالم على الخطيئة والبرّ والحكم" (16/ 5 - 8).

 

"خرجتُ من الآب وأتيت إلى العالم. والآن أترك العالم وأمضي إلى الآب" (16/ 27). "عرفوا الآن أنّ جميع ما وهبتَه لي هو منك، لأنّ الكلام الذي بلّغتنيه بلّغتهم إيّاه، فقبلوه وعرفوا حقًّا أنّي خرجت منك، وآمنوا بأنّك أرسلتني" (17/ 7).

 

"لستُ باقيًا في العالم، وأمّا هم فإنّهم في العالم باقون. أنا ذاهب إليك، أيّها الآب القدّوس، إحفظ باسمك الذين وهبتهم لي، ليكونوا واحدًا، كما نحن واحد. حفظتُ باسمك الذين وهبتهم لي، إذ كنت معهم رعيتهم فلم يهلك منهم أحد إلاّ ابن الهلاك، ليتمّ الكتاب، والآن فإنّي ذاهب إليك. أقول هذا الكلام وأنا في العالم، ليكون لهم كلّ فرحي" (17 / 11 - 13).

 

 

أقوال مُدهشة، بل قلِقة. أوّلا تُصرَّح بأنّ ابنُ الله وبالتالي الله يجيءُ ويذهب؛ وإنّ الرُّوح القدس وبالتالي الله يُرسل فيأتي ويبقى وفي وسعِه أيضًا أن يذهب متى تشاء؟

 

وعليه، فهذا المجيء والرواح لا يتعلّقان فقط بكيان المسيح البشري، لكن يعنيان ذاك الذي هو عند الآب إلى الأبد، ذاك الذي يعنيه يوحنّا في الفصل الأوّل من إنجيله، إذ قال: "الكلمة كان الله"، وأنّه جاء إلى العالم "ليكون نور العالم". "والعالم لم يعرِفه" (يوحنّا 1/ 9 - 11).

 

 فما معنى ذلك؟ وهل الله ذهاب وإيّاب؟

 

 

ربّما كان يجب ألاّ تؤخذ هذه الأقوال مأخذًا حرفيًّا؛ وربّما كانت للشعب وللأولاد، على مثل ما نقصّ على الأولاد، أنّه يومَ كان الشّقاء يعمّ العالم، كان الله يأتيهم بما هم بحاجة إليه من خبز وثياب وأدوية حتّى ليَعودوا جميعًا في خير حال. كلا ثمّ كلا!

 

 

فلو كانت المسألة مسألة مثل، كالراعي الصالح، الذي يمثّل المسيح، يذهب وراء الخروف الضّالّ ليعود به إلى الحظيرة، لكان من الممكن أن يُفهم الكلام عند اللزوم بالمعنى المجازي.

 

غير أنّ تلك الجمل، التي تستأثر الآن اهتمامنا، ليست مما يحتمل هذا التأويل، لأنّها موجودة في إنجيل يوحنّا، ويوحنّا ليس شعبيًا، ولا هو في متناول الأولاد. وربّما ليس من المحتمل قطّ أن يفهم الشعب هذه الرّوح المتعصّبة، الملتهبة، الصّارِمة، المُشدَّدة، حتّى الإنفجار، إلى الأعالي. ولو وقع ليوحنّا يومًا أن يسمع تفسيرًا لكلامه من نوع الإستعارة لأجاب ولا رَيب: أردتُ أن أقول ما كتبته، وما كتبته يجب أن يؤخذ مأخذ الحرف.

 

حلول ناقصة

 

ولكن، ربّما كان المقصود من الرواح والمجيء، عوضًا عن الله نفسه، مفاعيل النّعمة فقط؛ كأن نقول، مثلاً: الإنسان ليَشعُر بأنّه "بعيد" عن الله إذا ما كفر بنعمته، وأغلق قلبه دونه، وأنكره؛ كما وأن الإنسان يشعر بأنّه "قريب" من الله، وقد "جاء" إليه عندما فتح له قلبه.

 

على هذا التفسير أيضًا لا يدور الكلام. فهذه وجهات نظر سيكولوجية غريبة عن الكتاب. فعندما يريد الكتاب أن يقول أنّ عون الله آتٍ، فإنّه يقوله صريحًا؛ لكن هنا هو الله نفسه الآتي.

 

 

إفتراضات شتّى

 

ولكن، هل هو، يا ترى، مقطع من الكتاب يتَّسِم بصعوبة خارقة من نوعها، معارضًا بذلك ما درج عليه من طريقة؟ كلا. بل العكس هو الصحيح.

 

 

 فقد اتّضح لنا بعد الفحص الدقيق أنّ الكتاب يتكلّم هنا على مثل ما يتكلّم في كلّ أسفاره، سواء الأقدم منها عهدًا أم الأحدث، في الأجزاء القصصيّة منها أم الوصيّة، أم التي تقتضي إعمال العقل والتفكير.

 

 ثمّ أنّ يوحنّا، كاتب النصوص التي أوردتنا، يتكلّم، بأكثر الكلام نفوذًا إلى الأعماق، عن الله الأزلي، العلي، العظيم؛ والكتاب يظهره لنا، في كلّ مكان، إلهًا يرى، ويسمع، ويقترب من بُعد، ويأتي ليساكننا، ويقول، ويعمل.

 

فإن كان كلّ ذلك وجه تعبير غير ملائم، فلندع الكتاب جانبًا، ولنلجأ إلى الفلاسفة!

لكنّ الكتاب يفكِّر في ما يقول؛ أنّه يفكّر في الله بما يقوله عنه.

 

كيف نستطيع أن نتصوّر الله؟

 

كيف سنتمثّل الله، إن أردنا أن نفكّر فيه نحن، بوسائلنا الخاصّة فقط، مستعملين طبعًا خير ما فينا من وسائل؟

 

 أخلص ما فينا من طاقة روحيّة؛ أطهر ما فينا من إحترام في القلب؛ مع الرغبة في أن لا نقول عنه إلاّ أسمى ما في الوجود، وأقدسه، وأكمله؛ كيف سيكون هذا الإله؟

 

 

سيكون إلهًا حاضرًا في كلّ مكان؛ إلهًا لا رابطة تربطه بالفضاء، وبالتالي سيملأ بوجوده كلّ فضاء، كلّ الأبعاد، كلّ الأحجام، كلّ الأماكن؛ سيكون إلهًا بسيطًا، وبالتالي سيكون هو الفضاء والأماكن كلّها فيه، أو أمامه، أو في قبضته.

 

وعليه، فلا يكون هناك من رواح وإيّاب، إذ كيف يجيء ذلك الذي هو الآن في كلّ مكان؟

 

 

وكيف يذهب ذلك الذي هو في غنى عن كلّ حركة؟...

 

 إلهًا يحمل في يديه القديرتين كلّ شيء؛ إلهًا تعبّر عن فكره كلّ الأشياء، وفي كلّ مرّة تبعًا لطبيعة ما هو كائن؛ إلهًا تتحدّث عنه كلّ شريعة: الحجارة، والجبال، والبحر، والجلَد، والشجرة، والحيوان، والولد، والشيخ، والغني، والفقير، والرجل النابغة، والرّوح التافهة، كلّ ذلك يتكلّم؛ والوقائع جميعها تتكلّم، كلّ على طريقته؛ ولن يكون هناك كلام عنه؛ وليس من كلام مقول أو مكتوب بمعنى خاصّ، فكلّ شيء رسالة منه لمن له آذان تسمع...

 

 

هذا الإله هو الخالق، وكلّ شيء به يتمّ، وكلّ ما هو موجود سيكون بفعلٍ لا يني من قدرته الكلّيّة؛ كلّ ما يحدث فيه يحدث، إلى حدّ أنّ هناك مشكلة مستعصية الحلّ عن وجود ما لا يحقّ له أن يوجد؛ ولن يكون مكان لمداخلة من الله خاصة؛ فكلّ ما يأتي فمن صنع يديه، سواء أكان في طبيعته أم في مدلول معناه؛ لن يكون من "عمليّات" من الله خاصّة، إرادات أو إيجازات مُختلِفة عمّا في مجموع المستقبل، إذ كلّ شيء هو من فعل إرادة الله السنيّة العامّة.

 

تصوُّر يناقض الوَحي

 

إنّ مثل هذه الفكرة عن الله لَهي فكرة سامية، صافية، تؤدّي إلى العبادة؛ لكنّها تهدم كلّ ما أتانا به وحي المسيح من خصائص عن الله.

 

 

فرسالة هذا الوحي تقول إنّ الله "يأتي" و "يتكلّم" و "يعمل"، وغايته أن يحلّ محلّ الفكرة البشريّة عن الله، ليس فقط بشكلها الجافّ الخشن، لكن أيضًا وخاصّة بشكلها العليّ الأسمى.

 

 

فالله هو فعلاً فوق كلّ فضاء، وبالتالي حاضر بجوهره في كلّ مكان منه؛ ولكن أيضًا وخاصّة بشكلها العليّ الأسمى.

 

 فالله هو فعلاً فوق كلّ فضاء وبالتالي حاضر بجوهر كيانه في كلّ مكان؛ ولكن، عندما شاء أن يجيء إلينا جاء وبقي فيما بيننا، حتى إذا دقّت الساعة لذهابه ذهب، ليعود مرّة أخرى إلينا بوجه جديد...

 

الله يحمل في يديه بالفعل كلّ شيء، ويعطي الكيان والمعنى لكلّ شيء، ويكلّمنا من خلال كلّ موجود... ومع ذلك فقد قال في التاريخ كلمته، الكلمة الخاصّة، المرسلة، التي تفرِّق وتُقرِّر، مقتضية الطاعة، شاطرة الناس إلى مؤمنين وغير مؤمنين...

 

كلّ ما يحدث هو فعلاً من صنع الله، إذ هو العامل أبدًا وراء الزمان؛ ومع ذلك فهناك لله فعل خاصّ أتاه في الزمان، يكوَّن به التاريخ المقدّس، فيلتقيه الإنسان مصيرًا، إذ يُقرِّر هل يدخل، أو لا يدخل، في هذا التاريخ.

 

إنّ رسالة الوحي تقوم خاصّة بأنّ الله هو على ما ذكرنا، وعلى ذلك فهو فوق كلّ تصوُّر. بوسعنا أن نتصوَّر، نوعًا ما، "الكائن المطلق"، "الله" "الآلهة"، أولئك الكائنات القديرة التي هي كذا أو كذا، وتعمل هكذا أو هكذا. لكن ليس بوسعنا أن نكوِّن لنا فِكرة عن الله الذي يعلنه الكتاب ويعتلن لنا في المسيح: "الله الحيّ".

 

 

 إنّه سرّ؛ ولكي نتصوَّرُه على حقيقته يجب أن ندع المسيح يقودنا إليه.

 

 بإمكاننا أن ندرك، بواسطة إنسان، شيئًا هو من طبيعته غريب علينا؛ بإمكاننا أن نجد، بالمحبّة، الطريق إلى قلب يسوع وروحه، بإمكان قلبنا أن يشترك مع قلبه ويشعر بما لم يكن له إليه من سبيل، أن يشترك مع قلبه وينفتح إلى سِعة قلب الصديق للصديق.

 

 

فالمؤمن بالمسيح يفكِّر من خلال المسيح حتّى ليتحسّس هذا الإله السرّ، الذي يتبيّن له وينكشف في الوحي.

 

 إنّه لَسرٌّ، ومع ذلك فهو أليف الإنسان؛ وهو يحوِّل الفكرة البسيطة "للكائن الأعلى" ويؤَنّسها؛ ويتجاوز حقًّا تجاوزًا إلهيًّا "الآلهة" التي بها يُعظِّم المخلوق نفسه. لكن تتخاذل أفكارنا وتخوننا، وتبقى لنا كلمة يسوع لفيليبّوس: "من يراني يرى الآب" (يوحنّا 14/ 9).

 

فإن تركت يدنا يد المسيح، وأردنا أن نفكِّر من طريق أنفسنا، جعلنا البهاء الإلهي المقدّس، الذي لا ينكشف لنا الله إلاّ من خلاله، يتوارى عنّا.

 

وإذ ذاك نعود إلى تصوُّر الله على صورة البشر: الكائن المطلق، مبدأ العالم، النّظام الكوني، أو، تبعًا لاستعداداتنا، أو لإيحاءات الزمان، "الإله"، أي أحد الآلهة، ولو كان الأوحد.

 

أليس كلّ ذلك موجودًا منذ الآن في الوصيّة بمحبّة الله؟

في الوعد بإعطائنا النعمة التي تجعلنا قادرين على محبّته؟ وفي الخبرة التي خبّرنا بها خبرةً حقيقيّة إمكان هذه المحبّة؟

 

 

"من يراني يرى الآب"

 

هل بإمكاننا أن نحبّ "الكائن المُطلق"؟ الإله الذي ليس سوى العليم، القدير، اللامتناهي، القدّوس؟

 

بإمكاننا، ولا شكّ، أن نحبَّه الحبَّ البلاطونيكي للخير الأسمى، بدافع من غريزة الحبّ التي تنزع بالإنسان نحو القيمة الأبديّة. لكن هذا الحبّ ليس بحبّ العهد الجديد، فهذا غير ذاك.

 

 حبّ العهد الجديد هو - ماذا تراني أقول؟ - إنساني. وموضوعه الآب، الذي يجب أن نحبّه حبّ الطفل، والابن، والبنت، حبّ الاحترام والثقة؛ وموضوعه الأخ الإلهي، الذي يجب أن نتّحِد به بالمحبّة الأخويّة الخالِصة؛ وموضوعه أخيرًا الخطوبة الإلهيّة، حبّ الصّديق الإلهي، حبّ المعزّي، الذي هو معنا بالمعنى العميق الذي يعطيه المسيح للكلمة عندما يخصّها بالرّوح القدس.

 

 أمِنَ المُستطاع، يا تَرى، أن نُحِبّ بمِثل هذا الحبّ "كائنًا مُطلقًا"؟ أليس من الضروري أن يستطيع الله المجيء لأحبّه هذا الحبّ؟

 

 أن يسلك الطريق إليّ لملاقاتي؟ ألا يجب أن تكون هذه المُلاقاة معه بداءة مصير؟

 

وفي سبيل ذلك ألا ينبغي أن يُرفع الحجاب تلقائيًّـا عن وجه، ليظهِر كما هو، لا "كما ينبغي أن يكون"؟

 

 وهل بوِسعِنا أن نُصلّي إلى "الكائن المُطلق"؟ أن نتوسَّل إليه؟

 

 ليس فقط أن نعبده، أن نستسلم لإرادته، لكن أن نقول له: أعطني هذا؟ ولأجل ذلك، أن يصغي الله بأذنه إلينا، أن ينحني علينا متعاطفًا، ملبيًّـا؟

 

لا "الكائن المُطلق"

 

وهل "الكائن المُطلق" هو حقًّـا عناية؟ لا بمعنى أنّه يدخل، بعلمه وقدرتِه، في الأشياء كلّها وحسب، لكن بمعنى آخر، خاصّ بالعهد الجديد، وهو أنّ الله يتدخَّل على الدّوام في كلّ حدث، يأخذ بيدنا، ويسير بنا، موجهًا العالم كلّه نحو الذي "يطلب، قبل كلّ شيء، ملكوت الله وبرّه" (متى 6/ 33).

 

بذلك، تبدو لنا الكلمات الأولى من هذا الفصل أكثر وضوحًا الآن، ولا شكّ، فنرى أنّ الموضوع الذي طرقناه ليس ضربًا من الأمثال والاستعارات، لكن حقائق واقعيّة راهنة، وإن كانت تفوق العقل إلى ما لا يحدّ.

 

لقد سبق لنا أن تساءَلنا عن الأيّام العجيبة التي قضاها الربّ بين الفصح والصعود، مستفهمين عن سبب تأخّرِه في الأرض. وهذا سبب جديد ينكشف لنا؛ فهو يريد أن يُشعِرُنا بما يجري وبما يثبت؛ وأن يُفهمنا بأمّ الوجود المسيحي ليس حتميّة كونيّة، أو ضرورة تاريخيّة، لكنّ فعل من الله حرّ.

 

 فالفعل الإلهي يفوق قوانين الطبيعة والقوانين التاريخيّة. فمتى عمل الله عمله، علينا، مهما كلّف الأمر، أن نُحافِظ على حريّة هذا الفعل. ومن الأفضل لنا أن نبدو وكأنّنا وقعنا في الأنطرومورفيّة (الصور الانطرومورفيّة، التي تعطي الله أعمال الإنسان وعواطفه.) من أن ندخل في الحتميّة الكونيّة.

 

بل الله أبو يسوع المسيح

 

من الروايات التي روت لنا عن تلك الأيّام نُخبِر أنّ الابن جاءَ من الآب، وعليه أن يعود إلى الآب؛ وأنّه يُرسل الرّوح في حينه من العنصرة، في حوالي الساعة الثالثة، لكي يبقى معنا إلى مُنتهى الأزمنة. علينا أن نأخذ علمًا بهذه الذهابات والإيّابات، فهي حرّة ولا حريّة المُلوك.

وفي الخطب التي نحن بصدد الكلام عنها، يأتي يسوع منها بجُمَل كهذه: "غير أنّي أقول لكم الحقّ: "من الخير لكم أن أمضي. فإن لم أمضِ لا يأتيكم المعزّي، أما إذا مضيت فأرسله إليكم" (يوحنّا 16/ 7).

 

فهذه الجملة تعبِّر عن ضرورة: إنْ لم يذهب الله الابن فالله الرّوح لا يستطيع أن يأتي، جملة جاءت بكلّ أحرفها.

 

 إنّ الأمر إذًا لكما جاءَت. لكن حذار أن نستخلص هذه الضرورة من معطيات الطبيعة أو الفكر. فهي من وراء العالم، من الأعماق الإلهيّة. والجملة التي هي تعبيرًا لها تأتي، إن صحَّ القول، من البعيد البعيد؛ إنّها القمّة العُليا من التموّجات التي تتحرّك عن حدث في باطن الله الممتنع:

 

 كلمات تدعونا للعبادة، تزخر بالوعود، تفتح لنا طرفًا من عالم الله، في سرّ حياته المَصون، حيث ندخل يومًا، على ما يؤكِّد هذا الخطاب بعينه، مودِّعًا:

 

 "لا أدعو لهم وحدهم، بل أدعو أيضًا للذين سيسمعون كلامهم فيؤمنون بي. فليكونوا بأجمعهم واحدًا: وكما أنت فيَّ، أيّها الآب، وأنا فيك، فليكونوا فينا واحدًا، ليؤمن العالم بأنّك أنت الذي أرسلني. المجد الذي أوليتني، أوليتهم إيّاه ليكونوا واحدًا، كما نحن واحد: أنا فيهم وأنت فيّ لتكون وحدتهم كاملة، ويعرف العالم أنّك أنت الذي أرسلني، وأنّي أحببتهم، كما أحببتني. يا أبتِ، إنّ الذين وهبتهم لي هم الذين أريد أن يكونوا معي حيث أكون، فيُعاينوا ما أوليتني من المجد. لأنّك أحببتني قبل إنشاء العالم" (يوحنّا 17/ 20 - 24).

 

                                                                         رومانو كوارديني

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية