المسيحية هي اختبار ، قبل كلّ شيء

 

-

 

عليك أن تقول كلّ يوم: إنّي أزداد تعلّقًا بيسوع المسيح واستسلامًا إليه.

 

 

قال لي يومًا، أحد أصدقائي، بعد خبرة أليمة شعر فيها بفقره الجذريّ: "إنّ خطيئتي تجعلني أزداد حبًّا للمسيح". أجل، فقد ترتّب عليه أن يختار المسيح من جديد بتكريس ذاته له. فبعد تأمّلك في خطيئتك، تخرج مقطّب الجبين؛ ولكن ما أبعدك عن اليأس، لأنّك لمحتَ في غفران الله محبّة يسوع الذي يسلّم ذاته إليك. وكما قالت القدّيسة تريز دي ليزيو: "إنّ الحبّ لا يُشرى إلّا بالحبّ". لذا، أنت الآن على أتمّ الاستعداد لتجديد إيمانك بالمسيح.

 

قد يخطر على بالك أنّه يكفيك اختيار المسيح عند المراحل الكبرى من حياتك: إِعْلَم أنّ الأمر ليس كذلك؛ بل إنّك، كلّ يوم، في حالة تقبّل الإنجيل.

 

 ولذا تدعوك الكنيسة كلّ سنة، في زمان الفصح، إلى تجديد إيمانك بالمسيح، فإنّه غاية حياتك ومصدرها. ولذا فعليك أن تعترف به كلّ يوم. ولا يتوقّف الأمر على إصدار فعل إيمان فكريّ، بل على أن تعطي لوجودك كلّه توجيهًا يجعلك تُطابِق طريقة المسيح في التفكير والعمل والمحبّة.

 

 

لا غروَ إنّ هناك مراحل يكون فيها هذا الاختيار أكثر جذريّة، لأنّه خيار يُبلبل أعماق كيانك ومصيرك. ويكون هذا الاختيار، مثلًا، في سنّ المراهقة أو في نحو الأربعين أو الخمسين سنة، عندما تريد أن تضفي على حياتك صفة الحبّ والحرّية. ولكن هذا الاختيار يبقى ممكنًا ودائمًا، وهو أعمق تعبير عن شخصيَّتك. وغالبًا ما يفتتح أو يطوي إحدى أزمات النمو في تاريخك الشخصيّ، لأنّه يستقطب ويوحّد جميع رغباتك حول شخص يسوع المسيح. وإذ يعطي حياتك معنًى جديدًا، فهو يَسِمُك بطابعه للزمان وللأبديَّة.

 

 

إن ما تطلبه ههنا في صلاة حارّة هو الشوق إلى المسيح والرّغبة في أن تجاوب على حبّ المسيح باستسلامك إليه استسلامًا كليًّا. والواقع إنّك تريد أن تجدّد اليوم تقدمة عمادك بوعي كامل وبكلّ طاقات كيانك.

إنّك تريد الارتقاء إلى أعظم محبّة، وإلى وضع ذاتك، بنعمة الله، في خدمة الملكوت.

 

 

ففي الصّلاة، عليك أن تضع ذاتك بعزم إزاء شخص يسوع الذي يريد أن يحقّق ذاتك بكاملها. ويسوع هو كائن حيّ، وهو يسكن قلبك بالإيمان. فما همّك إذا لم تشعر بحضوره. طالما هو هناك، فهذا هو الأمر الأساسيّ. أمّا الباقي فليس إلّا من قبيل الشّعور والشعر.

 

 

اقرأ في إنجيل يوحنّا (١ / ٣٥ ـ ٥١) اللقاء الأوّل الذي تمّ بين يسوع وتلاميذه، واسمعْه يناديك، أنت، أيضًا، ويقول لك، "ماذا تريد؟" (١ /٣٨). وتبنَّ جواب اندراوس ويوحنّا: يا معلّم أين تسكن؟. ثم اتبع المسيح، أي ادخل إلى عمق سرّ شخصه وامكث معه طوال النهار.

 

 

إنّك تعرف أن تمضي نهارًا مع أصدقائك الأصفياء، فلماذا لا تمضي نهارًا مع المسيح، تقضيه في حديث ودّي معه؟

 

 وإذا عرفت أن تمكث بانتظاره في الصّمت، فإنّه سيذيقك خبرة حضوره، وستحصل خصوصًا على "نعمة" حضوره.

 

 ولكي تقضي ذلك النهار، اقرأ الإنجيل فقط، ودعْ أقوال يسوع تقع واحدًا واحدًا في قلبك. وهكذا ستتشبّع وتمتلئ من فكره ومحبّته.

 

 

وإذ ذاك يتسنّى له أن يكشف لك عن سرّ كيانه العميق، وسيكتب في قلبك أسماءه الخاصَّة؛ وفوق كلّ شيء سيعطيك ذاته في اتصال ودّي يعجز الكلام البشريّ عن وصفه. وستسمعه يلقي عليك هذا السؤال الأخير: "يا ولدي، أعطني قلبك". ويا ليتك تجيبه بـ"نعم"، كما فعلت مريم في البشارة.

 

                                                                                                                                          جان لافرانس

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية