المسيح ينير عقولنا

 

 

المسيح ينير عقولنا

 

المسيحي يرى أبعد من الظاهر

المسيحي لا ينقاد للمؤثرات الخارجية

 

عصر الدعاية

 

يتعلّق الإنسان بما يُرى ويُلمس، ولا يصغي جيّدًا إلّا لما يسمع، و لا يبحث إلّا عن الوقائع والأدلة وعن النتائج والأرقام. وكلّما تضخّم الرقم، ازدادت القضية أهميّة في نظره. فلا يقوّم الأفعال إلّا بمقدار ما تثيره من الضجة، فكلّما ازداد الحديث عنها، ازدادت قيمتها وأهميّتها. وتعتمد الدعاية على هذا الميل لدى الانسان العصريّ، فتنظم الأمور وترصد الملايين لخلق ضجّة حول أمر تافه. وهذا الميل الغريزي هو أيضًا مصدر الانجذاب نحو البذخ والكماليات: فمن يتنقّل في سيارة فخمة كبيرة لمّاعة، يكتسب حتمًا الشّهرة والنفوذ. فالغاية إذًا من البذخ هو لفت النظر. ومن ثمّ ندرك أهميّة المظاهر في الحياة العامّة.

 

إنّ الله خفيّ: إنّ "ضُعف" الله في هذا العالم يكمن في كونه محتجبًا وصامتًا أبدًا، وهذا ما يثير الحيرة في شأنه. فلا يوجد في العالم ما يسمو عليه، ولكنّه يرضى ألّا نعيره انتباهنا. فهو خالق الكون ومتواجد وراء مخلوقاته. إنّه الكلمة الذي به كوّن كلّ شيء، ويفسح المجال للآخرين لكي يتكلّموا، فطرقه غير طرقنا. فهو يدعونا لكي نعطي الأهميّة لما ليس له أهميّة في الظاهر، ولكي نحتقرما له في نظرنا أهميّة: "ما كان في العالم من حماقة، فذاك ما اختاره الله ليخزي الحكماء. وما كان في العالم من ضعف، فذاك ما اختاره الله ليخزي القوّة. وما كان في العالم من غير حسب ونسب وكان محتقرًا، فذاك ما اختاره الله: لقد اختار ما لا شأن له ليُزيل صاحب الشأن حتى لا يفخر بشرٌ أمام الله" (1 قورنتس 1، 27ـ 30).

الحدث العظيم الذي لم يدركه العالم

 إنّ رغبات الله التي تحيّرنا قد كشفها لنا يسوع، صورة الله غير المرئيّ، وموطن الألوهة بكمالها. فولد في مذود بيت لحم، وكان الرّعاة البسطاء أوّل أصدقائه. اشتغل طوال سنين عديدة في قرية صغيرة لا شهرة لها، ورفض أن يثير إعجاب الناس. وفضّل أمام هيرودس أن يبقى صامتًا، بدلًا من أن "يلمع" باجتراح المعجزات: "فلمّا رأى هيرودس يسوع سرّ سرورًا عظيمًا، لأنّه كان يتمنّى من زمن بعيد أن يراه لما يسمع عنه، ويرجو أن يشهد آية يأتي بها. فسأله بكلام كثير، فلم يجبه بشيء. وكان الأحبار والكتبة يتّهمونه بعنف. فاحتقره هيرودس وجنوده، وسخر منه فألبسه ثوبًا برّاقًا وردّه إلى بيلاطس" (لوقا 23: 8ـ 11).

لقد قضى يسوع يوم الجمعة العظيمة في وسط السخرية. ولم يكن ذلك اليوم بطوليًا، ولم يشكّل حدثًا من تلك الأحداث البارزة والمغامرات المدهشة، التي يتمنّى الناس أن يكونوا من أبطالها ويضحوا بحياتهم في سبيلها؛ كذلك موته على الصليب لم يشكّل حدثًا بارزًا لفت انتباه العالم. وهكذا فإنّ أعظم ما جرى في التاريخ، قد عدّه الناس حدثًا تافهًا، غير ذي أهميّة.

وفي أيّامنا كذلك...

 إنّ هذا السرّ الجوهريّ ما زال خفيًّا في أيّامنا هذه. يهتمّ الناس اهتمامًا كبيرًا لعظيم الأحداث العسكريّة والسياسيّة والاقتصاديّة وحتى الرياضيّة منها، ولا يفطن أحد لما هو أهمّ من ذلك كلّه، ألا وهو كون البشريّة تنهض تدريجًا من خطيئتها، وهي تقدّم لله الذبيحة الكاملة بواسطة المسيح وفي المسيح.

 

إنّ ما يتحقّق باستمرار في العمل الفدائي الذي أتمّه يسوع وتتحد به البشريّة في الإفخارستيا، لهو أهمّ وأعمق من جميع ما يقوم به البشر من الأعمال المرئية. والمسيحيّ المستنير بإيمان المعموديّة يستطيع أن يرى ذلك إذا ما أعاره انتباهه. أمّا إذا نظر إلى الأمور نظرة غير مؤمن، فسوف يعتاد هو أيضًا على ألّا يرى يسوع المسيح في العالم: "وبعد قليل لن يراني العالم. أمّا أنتم فسترونني لأنّي حيّ. ولأنكم أنتم أيضًا ستحيون" (يوحنا 14: 19).

المسيحيّ بالإيمان يتخطى المظاهر

وهذا الإيمان هو ما أراد الربّ أن يمنحنا إيّاه، وهذا ما حمله على التكلّم بأسلوب المفارقات. فلكي ندخل في حقيقة الملكوت لا بدّ من أن نتّخذ عكس أفكارنا، وأن نتحوّل ونولد ولادة جديدة. فالإنسان يتخطّى ذاته حين يتحوّل إلى الله ويتبنّى أفكاره، وهو إذ يتبنّاها ويعيشها، يكتشف أنّها تحمل معها الحياة والفرح.

هذا هو شعورنا عندما نطالع نصّ التطويبات الإنجيليّة. فعلى الانسان بحسب المسيح ألّا ينقاد لمؤثرات الغنى والمراكز البرّاقة والنجاح والشهرة، وعليه أن يعلّق أهميّة على ما هو حقيقيّ ومتين فحسب، على ما له قيمة أبديّة ويهيّئ لحلول ملكوت الله. فبعد أن تعمّدنا، علينا أن نكون دومًا على استعداد لكي نعدّ عظيمًا ما هو صغير، وصغيرًا ما هو عظيم.

 

 قد يُضطرّ المسيحيّ غالبًا أن يتّخذ موقفًا معاكسًا لآراء الناس. ولكنّه لا يقوم بذلك إلّا حرصًا منه على الحقيقة وعلى  خدمة الحقيقة. وهو إذ يفعل ذلك لن يثبّط عزائم الناس، لأنّ شغفه بالحياة وبكلّ ما ينمّ عن قيمة حقيقيّة سوف يظهر للعيان، ولن يستطيع أحد أن يشكّ فيه.

إنّنا نتعرّف إلى المسيحيّ لكونه يفضّل، في كلّ شيء، ما هو متين وأبديّ وفوق طبيعيّ.

 

لا بدّ أن نغيّر طريقتنا في النظر

إلى القوّة البدنيّة

 المسيحيّ يقدّر خطوات الأبطال على عشب الملعب، ويهتمّ بمن يحطّم الأرقام القياسيّة العالمية في المباريات، لكنّه لن يجعل من هؤلاء الرّجال أنصاف آلهة؛ كما أنّ إعجابه بالعضلات المفتولة، لن يجعله يزدري الأعرج الذي يلقاه لدى خروجه من الملعب، أو المقعد الذي ينتظر زيارته في المستشفى. فهو يعلم أنّ في الألم البشريّ يكمن كنز أعظم ممّا يكمن في الصّحة المنتصرة، وأنّ الألوف المؤلّفة من انتصارات يسجلّها على اليأس والتمرّد كثير من المرضى المزمنين وطريحي الفراش، لهي في الواقع ذات قيمة أعظم من المآثر الرياضيّة المدهشة.

إلى العلم

 نتحمّس للتقدّم والإنجازات العظيمة في عالم التقنية. أمّا إذا استُخدمت هذه الاكتشافات لتخطيط الحروب والدمار والسيطرة، فالمسيحيّ لا يولي هذه القدرة أيّ اهتمام لأنّها تؤول إلى ما يناقض ملكوت الله.

إلى الغنى

 والمسيحيّ لا يكنّ لرجل الأعمال الناجح أي تقدير خاص، كما لا يغذّي في نفسه مشاعر الحسد والغيرة والحقد تجاه الغنيّ، بل يرى فيه، إذا ما كان متمسكًا بثروته، مجرّد إنسان يعيش في سعادة وهميّة.

"رجل غنيّ أخصبت أرضه، فقال في نفسه: ماذا أعمل؟ فليس عندي موضع أخزن فيه غلالي. ثمّ قال: أعمل هذا، أهدم أهرائي، وأبني أكبر منها، فأخزن فيها جميع قمحي وأرزاقي. وأقول لنفسي: يا نفس، لك أرزاق وافرة تكفيك مؤونة سنين كثيرة، فاستريحي وكلي واشربي وتنعّمي. فقال له الله: يا غبيّ، في هذه الليلة تسترد نفسك منك، فلمن يكون ما أعددته؟ فهكذا يكون مصير من يكنز لنفسه وهو غير غنيّ بما لله" (لوقا 12، 16ـ 21).

إنّها ثروات مزيّفة، وأصحابها يظنّون أنفسهم دهاةً ناجحين، وهم في الواقع مخطئون، بل أغبياء!

إلى القوّة

 وليس من الضوريّ أن يقف المسيحيّ إلى جانب القويّ، بل يناصر تلقائيًا الضعيف، وعندما يرى أمامه عملاقـًا، ينظر جيدًا ليتأكّد ما إذا كانت رجلاه من الفخّار!

في مختلف مراتب العظمة

كلّ إنسان يقوّم العظمة والصِغَر بطريقة تختلف عن طريقة سواه، وبحسب توجّهه الداخليّ. فإذا كان يميل إلى الغنى الماديّ وإلى القدرة الزمنيّة، يستحيل عليه أن يتحسّس غنى الله وقدرته، الذي صار فقيرًا وضعيفـًا بدافع الحبّ لأجلنا. وإنّ عظمة المحبّة تدفع بالإنسان إلى التخلّي عن ذاته، فلا يُدركها مَن جعل من السيطرة مثله الأعلى. هذا ما عبّر عنه باسكال في "خواطره" عندما تحدّث عن مختلف مراتب العظمة، فقال:

"المسافة اللامتناهيّة بين الأجسام والعقول، ترمز إلى مسافة أقصى في لانهائيتها بين العقول والمحبّة.

كلّ ما يكمن في العظائم من بهاء، لا سناء له في نظر من يعنون بشؤون الفكر.

وعظمة أهل الفكر محجوبة عن الملوك والأثرياء والقادة، عن جميع هؤلاء العظماء بحسب الجسد.

وعظمة الحكمة ـ ومصدرها الله وحده ـ محجوبة عن الجسديّين وعن أهل الفكر. تلك مراتب ثلاث مختلفة.

للعباقرة العظام سلطانهم وبهاؤهم وعظمتهم وغلبتهم وسناؤهم، وليس بهم حاجة قط إلى العظائم الجسديّة، ولا يتعاطونها. إنّهم في مرأى البصائر لا الأبصار، وهذا حسبهم.

وللقدّيسين سلطانهم وبهاؤهم وغلبتهم وسناؤهم وليس بهم حاجة  قطّ إلى العظائم الجسديّة أو الفكريّة،، ولا يتعاطونها، إذ لا ينالون منها أيّة زيادة أو نقصان. إنّهم في مرأى الله والملائكة، لا الأجسام والعقول المستطلعة، فالله يكفيهم.

الأجسام كلّها والجلد والنجوم والأرض وممالكها، لا تساوي أدنى العقول شأنًا. فالعقل يعرف ذلك كلّه ويعرف نفسه، أمّا الأجسام فلا تعرف شيئًا.

الأجسام كلّها مجتمعة، والعقول بأجمعها مؤتلفة، وكلّ ما أنتجت، لا تساوي أيسر نبضة محبّة، فهذه في مرتبة تسمو على تلك سموًّا لا حدّ له.

ومن الأجسام كلّها مجتمعة لا يتيسّر إبراز فكرة ولو ضئيلة، فذلك محال ومن مرتبة أخرى. ومن جميع الأجسام والعقول لا يمكن إبراز مجرّد نبضة محبّة حقّة، فذلك محال ومن مرتبة أخرى فائقة الطبيعة". (الخواطر 793)

 

قال هذا باسكال ليبيّن أنّ يسوع في ضعفه وتواضعه الظاهرين كان يعيش في مرتبة من العظمة الحقيقيّة، وأنّ الذين لهم عيون ليبصروا، يقرّون له بهذه العظمة. أمّا الباقون، الذين لهم عيون ولا يبصرون، فيخدعون بالمظاهر، ويحتقرون يسوع المسيح.

المسيحيّ يعرف كيف ينظر بإعجاب

فرح المعرفة

 ليس العالِم "مهندسًا" فحسب. وهو لا ينعم فقط بفرح البناء، بل يفرح أيضًا بالمعرفة ويأخذه الإعجاب. ففي أعماقنا قطاع يتغذّى بالإعجاب والاندهاش، والطبيعة تستجيب لهذه الحاجة، ولا خطر عليها أن تستنفد روائعها. فكلّ قفزة في معرفة العالم تضع الانسان أمام مجالات محفورة بالأسرار. و التنظيرات السريعة لا تصمد أمام ما تخفيه الحياة من غنى. فما يتولّد إذًا في أعماقنا إنّما هو الإعجاب، وهو أعمق حاجة  تكمن في كياننا. فإذا كان البشر ينزلون إلى أعماق المغاور والبحار، ويتوغّلون في قلب الغابات والأدغال، ويحاولون تخطّي حدود المجهول، ويوجّهون مناظيرهم العملاقة نحو الكواكب، ويسلّطون مجاهرهم على الذرّة، فلكي ينظروا إلى ذلك كلّه ويُعجبوا به. فالإعجاب يتضمن شيئًا من الانخطاف ويشهد على وجود "فيض" في العالم. فالملحدون أمثال سارتر، يقولون إنّ "الأشياء زائدة". أمّا نحن فنقول إنّها "فيض" من الله، وعلامة على عظمته وجلاله. فعلى الإنسان أن يستكشف الكون بأنجح الوسائل، ويسبر غوره بصبر وشغف. وسوف يزداد دومًا عجبًا واندهاشًا، لأنّ المخابر تكشف له عن آثار الله في العالم. فالعلم يهيئ النفس للسجود، لأنّ "منذ خلق العالم، لا تزال صفحات الله الخفية، أي قدرته الأزليّة وألوهته، ظاهرة للبصائر في مخلوقاته" (رومة 1، 20).

ما أعظم أعمالك يا ربّ!

  إنّ إنسان الحداثة يستطيع أن يصرخ بقناعة أقوى من قناعة صاحب المزامير: "السماء تنطق بمجد الله، والجلد يخبر بعمل يديه" (19).

فالعالِم الذي يبحث في الكون، بدون أن يكون مؤمنًا بالله، معرّض إلى التباهي والرّغبة في السيطرة على الكون. فهو يعمل لكي يفسّر كلّ شيء بقواه الذاتيّة، على أمل أن يتوصّل إلى تفريغ الكون من أسراره. أمّا المؤمن فيشعر بصغره أمام عظمة الله، وفي كلّ خطوة يخطوها، تبدو له الأرض وكأنّها تنسحب من تحت قدميه، ولكنّه يلتقي الله ويمجّده.

 

ففي حين أنّ العلم لدى غير المؤمن، هو لمجرّد الاستفادة، فإنّه لدى المؤمن مدعاة إلى التأمّل والتعجب. وإذا ما عمل هذا بتواضع وحماس، واشتعل بإيمان، استطاع أن يذهب في معرفة الكون، إلى أبعد ما يصل إليه غير المؤمن.

 

خالق كلّ ما يُرى وما لا يُرى

هكذا يبدو لنا أنّ الأرض هي بالنسبة إلينا من صنع إلهيّ. وإنْ كنّا نعيش في منفى، إلّا أنّنا على الطريق المؤدية إلى الفردوس السّماوي. فللأرض والسّماء خالق واحد، وهذا ما نتلوه في أثناء اشتراكنا في القدّاس حين نقول: "نؤمن بإله واحد آب ضابط الكلّ، خالق السّماء والأرض، كلّ ما يرى وما لا يُرى". والخالق لا يصنع شيئًا غير منسجم مع سائر الأشياء.

فالأرض والسّماء ليستا مخلوقتين مختلفتين الواحدة عن الأخرى اختلافًا كليًا، إنّما الأرض هي على صورة السّماء، وكلّ ما يكمن فيها يحدّثنا عن أمر آخر ويشير باستمرار إلى الفردوس، إذ بين هذين العالمين أمور متطابقة.

فما يُرى يقوم على أساس ما لا يمكن رؤيته، وما يُسمع على ما لا يمكن سماعه، وما يُلمس على ما لا يمكن لمسه. والرمزيّة تقوم على هذه النظرة إلى الأشياء.

للمسيحيّ "نظر مزدوج"

وهذه الخلفية فيما لا يُرى ولا يُسمع ولا يُلمس، ليست بالنسبة إلينا مجرّد واقع ماورائي من اختلاق مخيلة الإنسان. فالرّمزيون غير المؤمنين يتحدّثون دومًا عن "مكان آخر"، عن عالم آخر، دون أن يتوصّلوا إلى تحديد خطوطه العريضة. أمّا نحن فلدينا فكرة عن العالم غير المرئيّ هذا. فنحن فيه منذ الآن.

إنّه ملكوت الله، غير المرئيّ، ولكنه حقيقيّ، إنّه يتخطانا، ولكنّه بدأ يتحقّق فينا. فمنذ تجسّد الله، نفذت السّماء إلى الأرض. ومنذ ذلك الحين غدا لكلِّ شيء، ولكلِّ حدث وجهان: وجه أرضيّ ووجه سماويّ. فالمسيحيّ إذًا يستطيع أن ينظر إلى أيّ شيء نظرة مزدوجة: ما هو وما يعنيه، ما يُعطينا وما يهيّئ لنا.

 

الأب فكتور شلحت اليسوعي

 

المركز الدائم للتنشئة المسيحية macro-max rebound mazar
CMS x