تذوق الصوم مع يسوع الصائم

 

 

 

تذوق الصوم مع يسوع الصائم

 

 

 

تذوق الصَّوم مع يسوع الصَّائم

 

في اللّحظة التي غطس فيها في أعماق النهر، غمرت قلبه سعادة تجعل الصَّدر يكاد ينفجر: كان يعرف أنّه هو الابن الحبيب، كما ترنّم مزامير داود، في هذا اليوم وإلى الأبد. ضربات جناحيّ حمامة كانت تخفق في السَّماء عندما انتصب واقفاً في النهر: ريشها الفضيّ اللون فجَّر الشمس لتعكس آلاف الأنوار التي سطعت لتستقرّ فوق رأسه، وكأنّها تاج ملكيّ. وانطلق الطائر بعد ذلك إلى البرّيّة.

هناك حبّ قديم يربطهما، الحمامة وهو. ألِفَها منذ أن كان طفلاً في الناصرة، تطير وهي تلعب في الهواء الطلق، حرّة، رائعة، لقد تبعتهُ الحمامة في أثناء هذه الفترة الأخيرة في رحلته نحو الجنوب، نحو الأردنّ وأورشليم. يُفترَض أنهّا أصبحت مُسِنّة، لكنّها كانت تشُّع شباباً أبديّاً، وهي تلهو بفرح. وفي هذه اللّحظة، لم يكن يسوع يرى إلاّها .

والآن، ها هو الطير يسير به إلى البريّة، إلى ما وراء النهر. هذه الأرض كانت ملعونة – مُحرقة أو جليدية، صخريّة وكثيرة الأشواك. كانوا يُسمّونها أرض الشيطان، لكنّ يسوع تبع الحمامة إلى البرّيّة.

 كان مدفوعًا بقوّة كبيرة، ومع ذلك كان يشعر بأنّه حرٌّ تمامًا. وبالرّغم من ثوبه الّذي لم يجفَّ بعد، كان يسير ممتلئاً بالثقة: حتىّ في وادي ظلال الموت، لم يكن يخاف سوءًا، فسعادته تفيض ككأس خمر يدير الرأس. كان رأسه ممسوحًا بعطرٍ ثمين، وهو ذاهب إلى البرّيّة مثل عريسٍ إلى ليلة عرسه، مثل جنديّ إلى ساحة المعركة.

 

احتدمت المعركة عند حلول اللّيل. كان العدو هنا يربض في العتمة. حاول المُجرّب أن يفتح باب روحه، محاولاً أن يزعزع مفاصل الفتحات التي يدخل منها ريح الشرّ الذي يجعل أبناء الإنسان وبناته ينسون أنّهم أبناء الله.

فحيحٌ كصوتِ حيّة يسيل من تحت صخرة "أين ذهبت تلك الحمامة اللّعينة الّتي ترافقكَ؟" فحَّت الحيّة بسخط شديد أرادته أن يسري إلى داخله. فكّر يسوع بحزن بسخط أيوب، الرّجل الّذي فقد كلّ عائلته عندما احترق بيته. هناك، في أرض عوص، كان يهيم على وجهه في مقبرة القرية، يصرخ بغضبٍ إلى الله.

 

 أغلق يسوع أذنيه بلطف أمام غضب الثعبان وتحقّق من أنّ السّلام اللّامحدود الّذي يسكنه يمكنه أن يساعد على تهدئة غضب أيوب. وكما لو أنّه صارع بدلاً عن أيوب، انتصر من أجله في هذا الصِّراع العنيف.

 

وجاءت ضربة من مكان آخر.

 لقد ابتدأت معدة يسوع تتذمّر وتؤلمه، وترافق ذلك بندم لأنّه كان قد أعطى كلّ مؤونته لامرأة مُسنّة وعمياء التقاها بين الجموع عندما خرج من الماء. لماذا أعطاها خبزهُ ؟ الناس لا يُعيدون لكَ أبدًا ما تُعطيه إيَّاهم: لماذا نُعطي ونحن في أمَسّ الحاجة؟

 لكنّ يسوع يتذكّر أنّ جسده يمكنه أن يقاوم الجوع "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان": هذه الكلمات التي سمعها في المجمع تعود إلى ذاكرته. وما الحاجة إلى تكديس الثروات بما أنّ الله يُلبِس زهور الحقل كلّ هذا البهاء؟

فكّر يسوع بذكاء الذي كان يُكدّس مال ضرائب الرّومان منذ سنين عديدة، ويستفيد منه ليُقيم ولائم كالملوك، مُحاطاً بأصدقاء كذبة. وبدا لهُ أنّه يومًا ما، قد يتغلّب كرمه على شراهة زكّا وبخله. وإذا كانت تجربة الكبرياء قد لامسته لأنّه تغلّب على العدوّ، فقد تذكّر أنّه ليس سوى الابن، وهذا التواضع وعدم التملُّك جعلاه يشعر بالفرح.

الآن، وقد أصبح الليل أكثر سوادًا، تخيّل أنّه يسمع أصوات أنغام الموسيقى التي تزيد من سحر الليالي الحارقة في بيت مريم، في مجدلة، جسد الرّاقصة يدور ويدور مُحرّكًا للشهوات، لكنّ يسوع يدفع أفكار العدو بضربة قاسية. نعم، لقد أخطأت هذه المرأة كثيرًا، وخطئ معها رجال مجدلة، لكنّه إن ذهب هناك ليُعيد إليها كرامة المرأة، قد تستخدم عطورها لتعتني بالفقراء – أو لتدهن بالطيب جسد إنسان قد مات! – وبذلك، قد يعود السَّلام إلى نساء مجدلة اللواتي افترستهنّ الغيرة فيُقمن الصلح مع أزواجهنّ الّذي عادوا إلى إخلاصهم لزوجاتهم.

 

كل ضربة من العدو كانت تُتعِب يسوع، لكنّه كان يتمتع بسلام داخليّ كبير...

 وكان يبدو له أنّه يستطيع أن يُعطي حياته من أجل العالم أجمع، أن يصارع ويفقد كلّ قطرة من دمه من أجل أبناء الله الآخرين. اعتراه إعياءٌ غريب كاد أن يرمي به أرضًا من شدّة التعب. وبدا النهار بعيدًا، والبرد قارصًا... ألا يمكنه أن يرتاح قليلاً؟

 لكنّ عليه أن يُكمل الصراع. لقد كان لديه شعور داخليّ أكيد بأنّ الحرب لا تزال في بداياتها، وأنّ عليه أن يصارع وهو يُصلّي حتّى بزوغ الفجر. سيكون لديه بعد ذلك الوقت الكافي ليرتاح... ستأتي الرَّاحة يومًا ما في ملء حياة بطعم الربيع في فلسطين... في الوقت الحاضر، كان يسوع يريد أن يُسبّحَ أباه، ومن أعماق حنجرته، رفع صوته مُرنّمًا ذلك النشيد القديم للفصح، فتردّد صداه في البرّيّة وحتّى أعماق السَّماء البيضاء المرصّعة بالنجوم: "سبّحوا الربّ، لأنه صالحٌ، لأنّ إلى الأبد رحمته! فقد خلّصنا من يد الأعداء، لأنّ إلى الأبد رحمته!". (مزمور 106).

 

أيُّها الإخوة والأخوات، إن كنت قد ذكّرتكم بهذا المشهد بأسلوب تأمّلي، فلكي تتذوّقونه في داخلكم وتفهموا جيدًا أنّ الرَّبَّ يسوع قد جُرِّب من أجلنا.

 إذ لم يكن يلزمه أن يُجرَّب شخصيًّا؛ فأبواب روحه كانت مُغلقة بإحكام أمام الشيطان. ولكن عندما قبل ابن الله أن يتَّخذ جسدنا، أراد أن يُجرَّب مثلنا ولأجلنا. لقد أراد أن يسكن آدم القديم لكي يتمكّن في هذا الجسد أن يُسكتَ نهائيًا الحيّة القديمة.

لقد جُرّب من أجلنا أيّها الإخوة والأخوات، لكي يقوّينا، لكي يحرّرنا، لكي يحملنا على تسبيح الله، لأنّ الرب كسَرَ في طبيعتنا البشريّة كلَّ القيود التي كانت تشدُّنا إلى العبودية والموت والخطيئة، وبه انتصرنا.

عسى هذا الصّوم، الّذي يأخذنا إلى البرّية خلف يسوع، يوقظ فينا نعمة المعموديّة، لكي نقوم يومًا ما، بعد أربعين يومًا، كما في اليوم الأخير، بإطلاق صرخة الظفَر في الفصح قائلين: الحياة قد غلبت الموت، والحبّ تغلّب على الشرّ.

 

الأب نيكولاس ستيفز اليسوعيّ

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية