جنائن النّور

 

 

 

 

جنائن النّور

 

                                  "جنائن النّور لِمَن عاش زاهدًا"

                                                        (أمين معلوف: جنائن النور، ص333)

 

 

كلّ روحانيّة تقوم على الصّفاء ابتغاء الرُّؤية الإلهيّة. البيئة رؤية ووجه الربّ هو الذي نشاهد. لعلّ الغاية التي هي مشاهدة المجد الأسنى هي نفسها المبتدأ كأنّ الله يهيّئ منزله في النّفس فتطهر لأنّها تعرف نفسها محبوبة وهذا ممّا يزيدها تنقيات.

 ليس الإنسان عبدًا يؤمر ولكنَّه يأتمر حبًّا ليرى.

 

 ليس الله بآمر. إنّه يدعو. وما يبدو أمرًا إنّما هو من باب ترويضنا لأنّنا لا نعرف ما ينفعنا والله هو العارف. لذلك كانت الصَّلاة وكان الصّوم والمناسك هذه كلّها طرقًا. ليس بها تقاس القداسة لكن الإزدراء بها كان من باب الكبرياء والجهل بالوسائل. الأفق يحتاج إلى طريق.

 

لن تصبح ذا نَفَس روحي إذا لم تشعر أنّ الله معك في تماس. الله جواني ورغبتك فيه يجب أن تكون شهوة لئلاّ تبقى معه في علاقة عبوديّة. حبّه فيك يصبح شريعة. لا تحتاج، إذ ذاك، إلى شيء آخر. لا يطلب القلب إلاّ حبيبه السّاكن فيه. لذلك يدينك قلبك وأنت لا تذهب في حياتك أو مماتك أو معادك إلى مكان آخر تُدان فيه. كلّ حديث في غير العشق الإلهيّ صور.

 

 

 "من فمك تتزكّى ومن فمك تدان"، بمعنى أنّك تحمل دينونتك في داخلك. إنّها لصورة قضائيّة أنّك تمثل أمام الله في اليوم الأخير. الحقّ إنّ قلبك ينقبض في الإله الذي فيه فيحترق في حضرته أو يشع. أنت في داخلك تتصرّف. إنّه معك أنّى حَلَلْتَ. وفي القلب كلّ النجاسات أو فيه كلّ الإله. الإنسان الكامل في هنيهة من الزمان هو من أكل القلب فيه إلهه فسكن وارتاح.

 

كليّة الله فيك، مبتدأ ومنتهى، تتجلّى في فضائل هي جنّات نور وبذلك تعاين النّور الإلهي لأنّ كلّ فضيلة من فيضه. فإذا زللت وانفرط عقد المحامد بسبب من غواية يحتجب الربّ عنك ويعشّش فيك عوسج الخطايا وهكذا حتى تحترق. ولن يكون ذلك في جحيم بعيدة لأنّ جهنّم ليست هناك أو هنالك ولكنّها هنا في داخلك كما أنّ ملكوت الله في داخلك.

 

أنت لا تملك الإله الذي فيك. إنّه مالك إذا عايشته وكأنّك مبصره في يوم الدين. ولا تملك فضائلك لأنّك إذا أحسست بملكها تستكبر. رؤية عدمك شرط رؤية الربّ.

 

 لذلك أنت تزهد ببهائك الرّوحي مثلما تزهد بأشيائك.

 فإذا كنت فقيرًا إلى الله حقًّا تحول وجهك شطره فلا ترى وجهك إذ لا ترى إلاّ فقرك. أنت إذا زهدت بما في يديك وفي عينيك يصبح المولى هو يديك وعينيك. وإن زهدت بجسدك يصير هو قامتك. والغنى الذي هو إيّاه ينسكب فيك ليُمسي فيك ما كان فيه إذ ليس في الله من شيء تعجز أنت أن تناله إن هو رضي وانعطف.

وأنت لا تتألّك لأنّك فقير ويغنيك فقرك وغيرك مثقل بما يعتبره متعة. أمّا أنت فالله نفسه ليس لك. إنّك أنت متعته ويمتصّك حبّه إمتصاصًا. ولست مقيمًا بينك وبينه حدودًا لتفتّش عمّا كان لك وعمّا هو له. إنّك أهملت ملكًا كان لك بعدما غدوت ملك الحبيب.

 

قبل بلوغك هذه المرتبة من الوجود أنت مركز نفسك. وأنت كذلك لكونك تشتهي. ولذا أنت في ألم دائم. "مَن عاش في السّيطرة يتعذّب لكونه غير مُطاع - هذا هو الكلام الذي يقرأه أمين معلوف عند ماني - الذي عاش في الظاهر يخسر كلّ الظاهر ومن عاش في الإمتلاك لا يملك شيئًا. تنقبض يده على العدم".

 

الله وحده يقطع الوشائج التي تصلك بهذه الشهوات. وأنت في أنين دائم إن تركت فيك رواسب أو عادت إليك إذا أدركت قبل ذلك الرؤية. هذه هي خبرة النّاس جميعًا إن "من يعمل الخطيئة عبد للخطيئة" بالمعنى الكامل للكلمة أي أنّها إذا تراكمت أو تكثّفت فصارت رذيلة تضحي أمّارة بسوئها فيجيء المسيطر قاضيًا على حريّة الآخرين بعدما قضى على حريّته ويتحرّك في الظواهر من أحبّها ويفسّر سلوك الآخرين بها ومن عشق المال ولم يبدّده للمساكين لا تراه يُقيم وزنًا لغير المال ويظن النّاس جميعًا تحرّكهم شهوة التملّك. المتشهّي إنسان غبي لكونه يجهل ناموس البِرّ الذي يحرّك الأبرار ولا يشاهد في نفوس الآخرين جمالاً.

 

أمّا مَن زهد بأشيائه فإنّما يزهد بنفسه أيضًا ويتحرّك بالحركة التي يوجدها في نفسه الله. لذلك لا يفهمه الغفلة الذين تحرقهم نار ما يشتهون.

 

 

الذين يمرحون في جنائن النّور قلّة عزيزة. إنّهم يعرفون أنّ ملكوت الله قد أتى إلى حفنة وإنّ معظم الناس سقطوا في الجحيم هذه التي تكويهم في الأولى وتكويهم في الآخرة.

 لذلك كان السّؤال: كيف نعيش، مع من نحن نعيش ونواميسنا غير نواميسهم ونحن قد جعلنا آخرتنا في أولانا.

 

البار يقبل أن يكون وحيدًا لأنّه مملوء من الله.

 

الشّائع بين الناس أنّ الله غير محبوب وأنّ البشر لا يريدونه وأنّ كلّ ما يقولونه عنه فرض إنشاء تعلّموا أن يكتبوه.

 

ويتوق من يحيا بالله أن يكون القوم مثله وفي كلّ يوم يكتشف أنّ أحدًا لا يحبّ من هو يحبّ وأنّ هذه الأرض ستدور وجهنّم فيها حتى قيام السّاعة. يتعزّى بالقلّة المخطوفة إلى وجه الخالق، تلك التي الله فيها مستور.

 

إنّه أضحى إنسانًا فردوسيًّا ويبيت على الرّجاء عسى يرفع الله غضبه ويرتقي بالجميع في دنياهم. ربّما إذا أطلّوا على جنائن الضياء يشتاقونه.

 

                                                                    المطران جورج خضر

 

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية