دور الأب في نظر التحليل النفسي

 

دور الأب في نظر التحليل النفسيّ

 

 

 

 لكي نفهم دور الأب من وجهة نظر التحليل النفسيّ علينا اللّجوء إلى ما نسمِّيه بعقدة الأوديب.

 

فمن خلال تحليله لعقدة الأوديب يصل فرويد لفهم دور الأب ومكانته ضمن العلاقة الثالوثيَّة العائليَّة (الأب والأم والطفل).

 

 

 

 بالنسبة إلى فرويد عقدة الأوديب التي لا يمكن فصلها عن اكتشاف اللاواعي في النظريَّة التحليليَّة، تعني في آن معًا «العقدة الأساسيَّة في أمراض العصاب» و«نقطة التقاطع» للرغبة الطفوليَّة (بمعنى أن اللّاوعي هو الطفولة الحاضرة فينا).

 

 

فالجنس الطفوليّ يبلغ قمَّته فيها، والجنس البالغ فيها يتقرّر مع كلِّ اختلافاته وطرقه المسدودة، بالإضافة إلى قاعدته وقانونه.

 

 نقطة تقاطع أيضًا بالنسبة إلى ما يسمّيه فرويد «قلق في الحضارة: Malaise dans la civilization» ولمجمل الانتاج الحضاريّ بما فيه بدايات الدّين، والأخلاق والمجتمع والفن (طوطم والتابو).

 

 

1 – عقدة الأوديب وقدرنا

 

  أين نجد اليوم آثار هذه الجريمة القديمة والتي أصبحت منسيّة اليوم من الذاكرة الإنسانيّة؟

 

أوديب  ابن ملك تيبيس «Thèbes» محكوم عليه من قبل آية إلهيَّة بأن يقتل أباه وأن يتزوج من أمه. تخلّى عنه أبوه منذ ولادته خوفًا من تحقيق الآية الإلهيّة ثمَّ تمَّ استقباله من قبل ملك قورنتس، وقد علم فيما بعد بوجود هذه الآية الإلهيَّة فهرب من والداه بالتبنيّ. وشاءت  الصدف أن يلتقي بأبيه الذي لا يعرفه ويقتله، وعلى أبواب تيبيس يستطيع أن يحلّ اللّغز الذي عرضه عليه «أبو الهول» وكانت المكافأة أن يتزوج من أمِّه  «جوكاست» التي لم يكن يعرفها. ويصبح بالتالي ملك تيبيس إلى جانب أمِّه بدلاً من أبيه لايوس. ملزم بأن يتحقّق من قدره بسبب مرض الطاعون الذي اجتاح المدينة، تظهر الحقيقة بفظاظتها: فتتحقّق الآية بالرّغم منه فيقتل أبيه ويقتلع عينيه ويعود مجدَّدًا للتسكع.

 

 

وطاعون مجتمعنا أو «قلق حضارتنا»  كما يسمّيه فرويد يلزمنا بالتحقيق عينه (وفرويد كان يقارن بين مسيرة أسطورة سوفوكل «SOPHOCLE» ومسيرة التحليل النفسيّ).

 

هذا التحقيق يدور حول الآثار الشبه منسيَّة والتي تتحكّم بقدرنا، آثار لجريمة مجهولة تتآكل حاضر كلّ واحد منّا:

هذا ما يجب علينا أن نرى في أوديب، ليس وجه مشابه لنا، إنّما هويّة القدر. هويّة قدرنا. فما هو هذا القدر؟

 

 

2- أوديب اليوم

 

 عقدة أوديب ليست غريبة عنّا ونراها حاضرة في الطفولة التي تحدّد مستقبلنا.

 

وفي الحقيقة مرحلة الأوديب هي مفتاح المستقبل النفسيّ للإنسان. ما يهمّنا الآن هو دور الأب فيه هذه المرحلة المصيريّة بالنسبة إلى الطفل.

 

 مرحلة الأوديب تبدأ في الأشهر الأولى للطفولة ولكنّها تبلغ ذروتها حوالي السبع سنوات.

 

ما الذي يميّز هذه المرحلة من نموّ الإنسان؟

 

 

في هذه المرحلة يميل الصبيّ إلى أمِّه ويريد أن يتزوج معها وينجب منها أطفالاً. قد يعبّر عن هذه الرّغبة في الكلام وقد يعبّر عنها من خلال تصرّفاته، فمثلاً يبقى متمسِّكًا بأمِّه لا يريد أن يبعد عنها ولو للحظة، ومستعد لتلبية كلّ ما تطلبه منه، أمّا الأب فيتحوّل إلى خصم لدود بالنسبة إليه ويسعى للتخلّص منه بهدف الحصول على أمِّه، وهذا ما نسميه «بقتل الأب».

 

 كذلك الفتاة تميل إلى الأب وتريد أن تتزوجه. بالنسبة إلى الفتاة هذا الميل ينبع من رغبتها في الحصول على العضو الذكريّ الذي تعتبر نفسها محرومة منه، وتعيش نفسها على أنّها «مخصية» (أي أنّها صبيّ تمَّ إخصاؤه . بالطبع كلّ هذه الأمور التي نتحدّث عنها تتمّ بشكلٍ لا واعٍ) .

 

فدور الأب هنا يكمن في منع تحقيق هذه الرّغبات وذلك من خلال حضوره ونوعيّة هذا الحضور.

 

بتصرّفاته يفهم أولاده بأنّه متزوّج مع الأمّ وأن على الطفل عندما يكبر أن يصبح على مثال أبيه والفتاة على مثال أمّها، وبإمكانه أن يختار من بين كلّ نساء العالم زوجة له ما عدا أمّه. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الفتاة.

 

 

ما هي نتائج هذه المرحلة وكيفيّة الخروج منها؟

 

 أوَّلاً هذا الأمر يتعلّق من جهة بمقدار أهميّة وقوَّة الرواسب الأوديبيَّة لدى الأهل ومدى تجاوب الأولاد مع موقف الأهل من جهّة أخرى.

 

 إذا كانت الرواسب الأوديبيّة قويَّة لدى الأهل فإنّهم سيقعون في «لعبة أو فخ» الطفل:

 

 والنتيجة أنّ الأب قد يذهب به الأمر لإقامة علاقات جنسيّة مع ابنته وهذا الأمر للأسف موجود في مجتمعاتنا أكثر ممَّا نعتقد. أو قد يكون مجرّد تعلّق قويّ بين الطرفين لدرجة أنّ الأب يعيش مع ابنته علاقة شبه زوجيّة: فهو يخرج معها للمطاعم والحفلات المسائيّة الرَّاقصة وغيرها بينما الأمّ تبقى وحيدة في المنزل وبالتالي تعيش الأمّ مع ابنتها على أنّها  «ضرّتها».

 

 

بالنسبة إلى علاقة الأمّ مع ابنها الأمر متشابه تمامًا ما عدا غياب إمكانيّة قيام علاقة جنسيّة بينهما (بين الأم وابنها) إلّا في حالات مرضيَّة جدًّا.

 

ولكن يتعلّق الابنُ بأمِّه والأمُّ من جهّتها تعمل كلَّ ما بوسعها لتمكِّن هذا التعلّق. والنتيجة أنّ الابن في هذه الحالة يبقى أسير تعلّقه بأمِّه ولا يمكنه الانتقال إلى مرحلة الزواج.

 

 فمثلاً شاب عمره 25 سنة يقول أنّه يرغب في الزواج لكنّه لا يستطيع تحقيق ذلك لكونه عاجز عن تصوّر ذاته في علاقة جنسيّة مع فتاة ما بينما بإمكانه وبسهولة كبيرة أن يتصوّر ذاته في علاقة مع أمه. هذه الحالة هي بالطبع مرضيّة ولكنّها توضح لنا الوضع الطبيعيّ. وهذا الشاب حاول أكثر من مرّة أن يقتل أباه بالمعنى الحرفي للكلمة. وعندما لم يستطع تحقيق ذلك انتهى بقتل ذاته.

هذه الحالة مرضيّة ولكنّها، كما قلت توضح لنا الحقيقة والواقع.

 

 ففي الواقع، كما رأينا جميعنا نعبر من خلال المرحلة الأوديبيّة. وهذا أمر طبيعيّ جدًّا. ولكن المهم هو الخروج السّليم منها. فالخروج السّليم منها يعود إلى الاهل وبشكلٍ خاصّ إلى الأب.

 

3- الخروج السّليم وأهميّته

 الخروج السّليم من مرحلة الأوديب له أهميّة كبيرة جدًّا.

 

هذا يعني أوّلاً أنّ الطفل فهم أنّه لا يمكن له أن يحقّق رغباته بشكل مباشر مع مَن يريد وفي المكان الذي يريد وبالطريقة التي تحلو له. وهذا الأمر على كلّ الأصعدة وليس فقط في المجال الجنسيّ.

 

 ثانيًا  هذا الخروج السّليم يفتح أمام الطفل أبواب المستقبل:

 «في المستقبل ستكون على مثال أباك رجلاً تتزوج من المرأة التي تختارها ماعدا أمك»،

وأخيرًا وليس آخرًا هذا الخروج السّليم يُدخل الطفل في عالم الكبار أو عالم الإنسان بمعنى أنّه يدخل في عالم الرمزيّة.

 

 والرمزيّة، كما نعلم هي ما يميز الإنسان. فلا وجود للإنسان خارج الرمزيّة. فكما رأينا في الحالة المرضيّة التي ذكرنا آنفًا. بعدم دخوله في عالم الرمزيّة حاول هذا الشاب أن يقتل فعليًا.

 

ولكن في حال الدخول في الرمزيّة بسبب الخروج السّليم من هذه المرحلة، يقتل الطفل أباه بشكل رمزيً، من خلال تجاهله له أثناء هذه المرحلة، ومن خلال رفضه لتلبية طلبات أبيه الخ... وعندما يكبر سوف يعيش ويتعامل مع الآخرين على الصعيد الرمزيّ أيضًا.

 

 

4- ما هي أهميّة الرمزيّة؟

 الرمزيّة، كما قلنا هي ما يميّز الإنسان. أي أنّ الإنسان لا يمكنه أن يعيش كإنسان خارجًا عن عالم الرمزيّة. فهو لا يستطيع أن يقول ذاته أن يعبّر عنها بشكل كلّي، لكونه أشمل بكثير من أن يعبّر عنها من خلال الكلمات (فاللّغة هي قمّة الرمزيّة)، ثانيًا لكون الإنسان – وبسبب وجود اللّاوعي -  لا يعرف ذاته تمامًا، وأخيرًا الرمزيّة تعني أن الإنسان هو في مسيرة مستمرّة في معرفته لذاته وللآخرين وأن هذه المسيرة لا تنتهي. بمعنى آخر، الرمزيّة تعني أنّ الإنسان يبقى مشروع قيد التحقيق.

 

هكذا نلاحظ أنّ التحليل النفسيّ وضّح لنا أهميّة ومكانة دور الأب في العلاقة الثالوثيّة العائليّة وفي مستقبل الطفل.

 

ومن خلال المرحلة الأوديبيّة رأينا عمق الإنسان وكيف أنّه لا يمكننا أن نحجّمه ببساطة.  والكتاب المقدّس يقول: «بأنّ الإنسان خُلق على صورة الله كمثاله».

 

 

5- فرويد ومفهوم الأب في الدين

من خلال دراسته للمرحلة الأوديبيّة وللدين يستخلص فرويد على أنّ الدين هو مجرّد وهم وأن الله-الأب هو مجرّد إسقاط من قبل الإنسان؛ إسقاط صورة مضخمة عن الأب آملاً أن يحقّق له هذا الأب القادر على كلّ شيء كلّ رغباته. للأسف لا يسمح لنا المجال هنا لتوضيح هذه الخلاصة لفرويد، ولكن بإمكاننا القول بأنّ فرويد لم يدرس الكتابات الدينيّة، إنّما اكتفى بتحليل كيفيّة عيش الإنسان للدين وخاصّة الذين كانوا يأتونه للعلاج.

 

 

 فهل موقف فرويد مرفوض؟

هل يمكننا القول أن فيه شيء من الصحة؟

 فرويد يقول بأنّ الدين هو «عصاب جماعي ينتج من الكبت الحضاريّ». كما أنه يقول بأنّ الطقوس الدينيّة هي طقوس «وسواسية» مرتبطة ونابعة من الشعور بالذنب وبالتالي تهدف إلى التخفيف من هذا الشعور.

 

من المُمكن أن يعيش الإنسان الطقوس الدينيّة بهذه الطريقة. من المُمكن أن يكون الدين لدى بعض الناس وسيلة دفاعيّة. كما أنّه من المُمكن أن يكون الله-الأب لدى البعض هو إسقاط صورة مضخمة عن الأب القادر على كلّ شيء. ولكن هذا لا يعني على الإطلاق بأنّ الدين هو هكذا.

 

 

 

بالإضافة، وهذا الأمر مهمّ للغاية، إلى أنّ الدين ليس من مجال التحليل ولا من اختصاصه إن صحّ التعبير.

 

وفرويد يقول بنفسه هذا الأمر. وهو دخل على المجال الدينيّ إلى حدٍّ ما من طريق الصدفة من خلال دراسته لتاريخ الحضارة الإنسانيَّة. ولهذا السبب نلاحظ أن المحلّلين بعد فرويد لم يعودوا إلى هذا الموضوع نهائيًا.

 

ولكن يبقى التحليل النفسيّ وسيلة مهمّة تساعدنا في فهم ذواتنا والتخلّص من الكثير من «عقدنا ومشاكلنا» كما أنّ باستطاعته مساعدتنا لكي نعني أكثر طريقة ودوافع عيشنا للدين، وتنقية إيماننا ممّا قد يعود لدوافع نفسيّة لا واعية أو للميول الخرافيّة التي قد تكون موجودة لدينا. 

 

 

فإذا عاش الإنسان، الذي يمثله هنا الأب، بالفعل على صورة الله كمثاله، فإنّه آنذاك، على مثال الله، سوف يمنع أبناءه من تحقيق رغباتهم بشكلٍ مباشر وبالطريقة التي تحلو لهم وبدون أي رادع وذلك حفاظًا على حياتهم ومستقبلهم.

 

وهذا ما نراه في الفصل 3 من سفر التكوين حيث الله يحذّر الإنسان من الأكل من شجرة المعرفة والتي ترمز بدورها إلى تحقيق الرَّغبات دون أي رادع ودون أيَّة قواعد أو شروط بما أنّ المعرفة في الكتاب المقدَّس تعني الخبرة والعلاقة.

 

 وبالتالي الأكل من شجرة المعرفة يعني اختبار كليّة الخير والشرّ. ومن يختبر كليّة الشرّ يموت حتمًا. ومن يحقِّق رغباته بشكل مباشر يموت رمزيًا  بمعنى أنّه لا يدخل في عالم الإنسان، في عالم الرمزيَّة الذي تحدّثنا عنه.

 

 

الأب رامي الياس اليسوعي

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية